المُلحق
مقال
وتوضيحات حوله
لمّا
صدرت الطبعة الاولى من
الجزء الاول من هذا الكتاب
تناولته أقلام الكتّاب والعلماء
بالبحث والدراسة في الصحف
والمجلاّت وبعض الاذاعات، ولم تتح
لي
الحوادث المتتالية في حينه
فرصة
إبداء رأيي فيها.
ورأيت أن أنشر هنا المقال الاتي
خاصة
لاُبدي رأيي حوله.
دراسات تاريخية خطيرة
خمسون ومائة صحابي مختلق
التاريخ حقل فسيح يتَّسع لاعمال تفوق ما يكتب في غيره. وكثرة ما
يكتب في التاريخ ترجع أحياناً إلى السهولة المتوهّمة في تناول
موضوعاته، وقد يكون مردّها إدراكاً لاهمّية هذه الموضوعات وخطورتها
سواء في مجال العلم الخاص أم في مجال العلاقة مع المتطلّبات الاتية
للواقع الراهن.
والتاريخ لا يكون سهلاً إلاّ حين يمسخه الكاتب قصصاً يتلهَّى بها
المتسامرون في ليالي الشتاء، أمّا إذا أردنا من التاريخ أن يكون
عِلماً فلا يكون سهلاً إلاّبمقدار ما نجد من السهولة في التحقيق والا
ستقصاء والاستنتاج، هذه الاعمدة التي يرتكز عليها كلّ علم ويشقى بها
كلّ باحث. وتتناسب أهمّية البحث التاريخي طرداً مع كمية الجهد المنفق
في إنتاجه، والجهد يفترض الاخلاص، وبالتالي موضوعية البحث. في ضوء
هذه الحقيقة البسيطة أستطيع أن أقول: إنّ كتاب ـ خمسون ومائة صحابي
مختلق ـ هو من الكتب الجديرة بالتقدير والاهتمام، لانّ مباحثه وُضعت
بعناية فائقة، وأُخضعت لاستقصاء طويل، ودلَّت على صبر ومعاناة هما
غاية كلّ بحث علمي نزيه.
وعلى الرغم من أنّ الكتاب يخفي وراءه هدفاً آنياً غير ملحوظ، فإنّ
موضوعية البحث كانت فيه أقوى من الهدف، ولهذا السبب يمكن القول: إنّ
الكتاب يؤلّف وثيقة علمية بالغة الاهمية بالنسبة لجميع المعنيين
بالدراسات الاسلامية من عرب ومستشرقين.
مؤلّف الكتاب هو السيّد مرتضى العسكري، من رجال الدين في بغداد.
وموضوعاته هي امتداد لموضوع سبق للمؤلّف أن تناوله في كتابه المعنون
ـ عبداللّه ابن سبأ ـ وقد عرض المؤلّف في كتابيه هذين قصة مؤرّخ من
مخضرمي الدولتين الاموية والعباسية يُدعى ـ سيف بن عمر التميمى ـ ألف
كتاباً في تاريخ الفتح الاسلامي في فترة مبكّرة من عصر التدوين. وقد
فُقِد هذا الكتاب ولكن أخباره ظلّت مبثوثة في المصادر التي اعتمدت
عليه وفي مقدّمتها تاريخ الطبري.
يعلن السيّد العسكري في هذه المباحث أنّ سيف بن عمر مؤرِّخ وضَّاع
كان يختلق الحوادث اختلاقاً ويتدخَّل في توجيهها بطريقة تخدم أغراضاً
ومصالح لا صلة لها بالمبادئ الموضوعية الباعثة على كتابة التاريخ،
ومن هذه:
1 ـ
مصالح السلطة الاُموية التي عاش سيف أكثر حياته في كنفها، ويتمثّل
ذلك بصورة خاصة في تاريخه لقصّة مقتل عثمان بن عفّان، وإضفاء بطولات
خاصة على الشخصيات الاُموية منذ بدء التاريخ الاسلامي.
2 ـ
مصالح قبيلته ـ تميم ـ وتعكسها شخصيات كان لها دور حاسم في الفتح
الاسلامي. يقول العسكري: إنّها من مخترعات سيف.
3 ـ
تعمُّد التشويش على التاريخ الاسلامي، وينسب المؤلّف ذلك إلى زندقة
سيف بن عمر.
وقد
اختلق سيف رجالاً من الصحابة يبلغ عددهم مئة وخمسين حسب إحصائية
السيّد العسكري، وعدداً كبيراً من الرواة، وأماكن جغرافية لا وجود
لها على الخارطة، وأحداثاً لم تقع.
وفي
الكتاب الذي بين أيدينا دراسة تحليلية لتسعة وثلاثين صحابياً من
مجموع أبطال سيف بن عمر يجزم العسكري أنّهم لا يملكون ـ مع الحوادث
والمواقع المقترنة بأسمائهم ـ أي وجود تاريخي.
وتستند مكتشفات العسكري على الاعتبارات التالية:
1 ـ
إنّ سيف بن عمر هو المصدر الوحيد لرواية هذه الاخبار، وعنه أخذ
الطبري، ومن أخذ فيما بعد من الطبري كابن الاثير وابن كثير وابن
خلدون، ويضاف إلى الطبري عدد ضئيل من المؤرّخين كانت لديهم نسخ من
كتاب الفتوح الذي ألفه سيف. وهذه الاخبار بأبطالها ومواقعها لم يرد
لها ذكر في المصادر التي لم تأخذ من سيف، مثل كتب السيرة ومؤلّفات
البلاذري. فثمّة حوادث اختلقها سيف لم تُذكر هنا، وأخبار محرّفة عن
وقائع تاريخية ذكرت في هذه المصادر بشكل آخر، والطبري نفسه لم يقصر
رواياته على سيف؛ إذ كان ينقل أخباراً من مصادر أُخرى مناقضة لها،
وكان في بعض الاحيان ينبّه إلى هذا التناقض.
2 ـ
ويعطي سند سيف دليلاً آخر. فقد تتبَّع العسكري رجال سيف الذين أسند
إليهم أخباره فلم يجد لاكثرهم ذكراً في كتب الرجال؛ ممَّا دفعه إلى
الجزم بأنّ هؤلاء الرواة هم أيضاً من مخترعات سيف.
3 ـ
إضفاء صفة خرافية على حروب الفتح باختراع حوادث خارقة للعادة، مثل
الحوار الذي أجراه بين الحيوانات وبعض قادة الفتح من بني تميم. وكان
الحوار يجري بلسان عربي فصيح، ومن البديهي أنّ المنطق العلمي يرفض
هذه الاخبار رفضاً قاطعاً، سواء جاءت عن طريق سيف أم عن غيره.
ويلاحظ أنّ سيفاً يبسط الاحداث ويختزلها بصورة اعتباطية، فالقلعة
التي تقاوم المسلمين سنتين قبل أن يتمكّنوا من اقتحامها تستسلم عند
سيف في لحظات!، والجيش الذي يخوض ضد الفاتحين معركة ضارية ويستبسل في
الدفاع عن مواقعه يتشتّت في أخبار سيف بضربة واحدة من مقاتل مسلم!،
وأكثر الانتصارات التي أحرزها المسلمون في حروب الفتح ترجع إلى معجزة
تحدث لهم قبل المعركة أو أثناءها. إنّ هذه الطريقة في عرض الحوادث
التاريخية تفضح زيف المؤرّخ وتترك رواياته هدفاً مباشراً لهجوم
المنطق العلمي البعيد عن التعصّب والغرض. وهكذا تيسّر للاستاذ
العسكري توجيه ضربة قاضية إلى هذا المؤرّخ الخطر بعد أن استقصى ـ
بطريقة تثير الاعجاب ـ جميع المصادر المتعلّقة بالمشكلة، وتوصَّل
بمهارة كبيرة إلى فرز أخبار سيف من غيرها تمهيداً لتحرير مصادر
التاريخ الاسلامي من مختلقات هذا المؤرّخ.
وهنا ربَّ سائل يسأل: كيف خفي أمر سيف بن عمر على المؤرِّخين
القدماء؟ وأجيب أنّه لم يكن خافياً. فالطبري الذي اعتمد أكثر من غيره
على كتاب الفتوح لم يكن واثقاً كلّ الثقة من رواياته، فكان يعارضها
بروايات أُخرى كالواقدي، أو بواسطة سنده الخاص. وبقيّة المؤرِّخين لم
يأخذوا من سيف، مؤلّفو السيرة كلّهم، البلاذري ـ وهو أكبر مؤرِّخي
الفتوح على الاطلاق ـ، اليعقوبي، المسعودي وغيرهم. وقد تنبَّه رجال
الحديث إلى سيف فنصَّ بعضهم على تضعيفه، وأشاروا إلى أنّه وضّاع.
وهذا كلّه يؤلّف خلفية تاريخية لم يكن ممكناً بدونها إنجاز المهمّة
المعقّدة التي تولاّها السيّد مرتضى العسكري.
لديَّ ملاحظة ختامية تتعلّق بإصطلاح استعمله المؤلّف بكثرة وهو لفظ
ـ الاُسطورة ـ أطلقه على أخبار سيف المزيّفة، والاصطلاح في هذا
الموضوع تعوزه الدقّة. فالاُسطورة اسم يطلق في المباحث العلمية
المعاصرة على الملاحم القديمة التي تتدخَّل الالهة أو الكائنات
العليا في صياغة أحداثها، مثل أساطير البابليين واليونان. ويقابل
الاُسطورة في الانكليزية كلمة ـ مايث ـ. وثمة اصطلاح ثان في
الانكليزية هو ـ ليكند ـ تسمَّى به القصص التي تحتوي على حوادث خارقة
للعادة ولكنّها ليست من قبيل الملاحم، ومثالها الاخبار التي تقصُّ
معجزات القدّيسين والاولياء. ولم يتّفق الباحثون العرب على تخصيص
اصطلاح عربي مقابل الاصطلاح الانكليزي. وأنا أفضّل استعمال لفظ ـ
الخرافة ـ وتمييزه عن ـ الاُسطورة ـ في الاستعمال، حتى تكتسب كلتا
اللفظتين شخصيتها الخاصَّة بها أُسوة بما حدث لهما في الانكليزية.
ونأتي إلى مختلقات سيف بن عمر فنجدها تخضع للسير التاريخي دون أن
تكتسب مسحة قصصية أو ملحمية. وكتاب (الفتوح) لا يختلف في أُسلوبه عن
أُسلوب غيره من كتب التاريخ، ولهذا السبب لا تصح تسمية أخباره
أساطير. على أنّ الحوادث الخارقة للعادة المبثوثة في تضاعيف هذه
الاخبار تجعلها قريبة من مفهوم الخرافة ـ ليكند ـ. ولكن أخبار سيف
ليست كلّها معجزات أو خوارق، فثمّة أكاذيب عادية لا تحتوي على شيء
من ذلك. وقد كان القدماء يسبغون على الخبر الكاذب مسمَّيات شاعت على
سبيل الاصطلاح مثل: موضوع أو منحول. ولكنّي لا أملك صلاحية الاقتراح
باستعمال لفظ بذاته، كلُّ مايمكنني اقتراحه في هذه الملاحظة العجلى
هو وجوب مراعاة
الدقّة في استعمال مصطلحات البحث قدر الامكان. والباحث الفاضل
الاُستاذ السيّد مرتضى العسكري أقدر من سواه على تكييف لغته الخاصة
بما يستجيب لمقتضيات البحث العلمي (15).
* * *
نشر
هذا المقال في جريدة التآخي البغدادية (عدد 26/8/1968م)
ومجلة رسالة الاسلام في عددها المزدوج (9 ـ 10) جمادي الاولى سنة
1388ه بقلم الكاتب الفاضل هادي العلوي، وفي ما يلي ملاحظتنا حول
بعض نقاط وردت فيه:
أ ـ
قوله: ((مؤلّف الكتاب هو السيّد مرتضى العسكري من رجال الدين في
بغداد)).
أقول: ليس في الاسلام (رجال دين) كما هو الشأن في المسيحية ـ اليوم
ـ وإنّما يقال ((علماء المسلمين)) لمن صدق عليهم الوصف وتخصّصوا
بالعلوم الاسلامية.
* * *
ب ـ
قوله: ((وعلى الرغم من أنّ الكتاب يخفي وراءه هدفاً آنياً غير ملحوظ،
فإنّ موضوعية البحث كانت فيه أقوى من الهدف)).
أقول: لست أدري ماذا قصد بالهدف الاني غير الملحوظ؟ هل قصد من ذلك
إنّي إستهدفت خدمة الدين الاسلامي وهذا ينافي موضوعية البحث كما أنّ
ذلك قد يفهم من وصفي بأنّي من رجال الدين. أم القصد غير هذا؟ لست
أدري.
الذي أدري أنّي صرفت ماينوف على الاربعين سنة من عمري في دراسة
الاسلام، وكتبت خلاصات من دراساتي في مذكرات، وقمت بنشر بعضها في
سلسلة دراسات في الحديث والتاريخ، وقصدت من نشر ما نشرت في تلك
السلسلة بيان التحريف الذي وقع سهواً أو عمداً في مصادر تاريخ
الاسلام وحديثه، وسبّب غموضاً وصعوبة في تفهّم الاسلام الصحيح في
الجانب الذي حرّف حديثه وتاريخه.
بالاضافة إلى ذلك قصدت من نشر الكتاب المبحوث عنه في حينه تعريف
كلّية أصول الدين كما بيّنته في مقدّمة هذا الجزء.
* * *
ج ـ
ملاحظته كثرة استعمالي لفظ (الاُسطورة) في أخبار سيف المزيّفة،
ورأيه:
(أنّه تعوزه الدقّة).
أقول: إنّنا إمّا أن نستعمل في تسمية القصص المخترعة ألفاظ أوصاف
عامة (نكرة) مثل (المنحولة) و (الموضوعة) و (المكذوبة) وماشابهها فهي
غير معبّرة عن واقع تلك القصص وغير محددة لها.
وإمّا أن نستعمل في تسميتها أسماء خاصة، أي مصطلحات كاشفة لحقيقتها
مثل:
أ ـ
المثل.
ب ـ
الخرافة.
ج ـ
حديث خرافة.
د ـ
الاُسطورة.
وإذا أردنا أن نستعمل هذه الالفاظ في تسميتها ورجعنا إلى معاجم
اللغة لمعرفة معاني تلك الالفاظ؛ وجدناها تحدّدها كما يلي:
أ ـ
المثل:
قالوا فيه مايلي:
المثل عبارة عن قول شيء يُشبه قولاً في شيء آخر بينهما مشابهة
ليبيّن أحدهما الاخر ويصوِّره نحو قولهم ((في الصيف ضيِّعتِ
اللَّبن)) فإنَّ هذا القول يشبه قوله: أهملت وقت الامكان أمرك. وعلى
هذا الوجه ماضرب اللّه تعالى من الامثال، فقال: (وتلك الامثال نضربها
للناس لعلّهم يتفكّرون) وفي أخرى (وما يعقلها إلاّ العالمون) (16).
الحشر ـ 21 والعنكبوت ـ 43.
وقد
استعمل المثل القرآن الكريم في واحد وأربعين مكاناً، مثل قوله
تعالى: (مثل الّذين ينفقون أموالهم في سبيل اللّه كمثل حبّة أنبتت
سبع سنابل في كلّ سنبلة مائة حبّة واللّه يضاعف لمن يشاء واللّه واسع
عليم) البقرة ـ 261.
وقوله تعالى:
(مثل الّذين اتّخذوا من دون اللّه أولياء كمثل العنكبوت اتّخذت
بيتاً وإنَّ أوهن البيوت لبيت العنكبوت) العنكبوت ـ 41.
وقوله تعالى:
(وضرب اللّه مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت ربِّ ابن لي
عندك بيتاً في الجنّة ونجِّني من فرعون وعمله ونجِّني من القوم
الظالمين) التحريم ـ 11.
هذه
ثلاثة موارد استعمل القرآن فيها المثل، لما ضرب فيه مثلاً بالجماد
والحيوان والانسان في توضيح المراد.
ب و
ج ـ الخرافة و (حديث الخرافة).
قالوا فيهما مايلي:
انّ
خرافة كان رجلاً من بني عذرة أو من جهينة، اختطفته الجن ثمّ رجع إلى
قومه، فكان يحدِّث بأحاديث عمَّا رأى يعجب منها الناس، فكذَّبوه.
فجرى على ألسن الناس وقالوا: ((حديث خرافة)).
قالوا: ولا تدخله الالف واللام، إلاّ أن يراد به الخرافات الموضوعة
من حديث الليل، أجروه على ما يكذّبونه من الاحاديث وعلى كلّ ما
يستملح ويتعجّب منه (17).
د ـ
الاُسطورة.
أمّا الاُسطورة فقد قالوا عنها مايلي:
الاساطير: الاباطيل والاكاذيب والاحاديث لا نظام لها. وسطّر علينا:
أتانا بأحاديث تشبه الباطل، وسطّر فلان على فلان إذا زخرف له
الاقاويل ونمقها وتلك الاقاويل الاساطير وفي الاساس سطّر قص
بالاساطير وفلان سطّر ما لا أصل له أي يؤلف (18).
هذا
ما ذكروا لها من معنى في اللغة.
وفي
القرآن الكريم استعملت مضافة إلى الاولين في تسعة أماكن، مثل قوله
تعالى:
(يقول الذين كفروا إنْ هذا إلاّ أساطير الاوَّلين) الانعام ـ 25.
* * *
كان
ذلك تعريفهم لمعاني تلكم الالفاظ، ويتلخّص ماذكروا في أن:
(المثل) يقال لما يضرب به مثلاً لامر يراد توضيحه وتبيينه.
و
(الخرافة) للاحاديث المستملحة وما يتعجّب منه من حديث الليل.
و
(حديث خرافة) لقصص شبيهة بحديث (خرافة) فيها أخبار الجان.
و
(الاُسطورة) لاباطيل ملفّقة مزخرفة يسردها المحدّث، وقد وردت في
القرآن الكريم مضافة للاوّلين.
وعلى هذا ينبغي أن نسمّي أمثال:
ـ
قصص كليلة ودمنة بـ (الامثال) وغالباً مايقصد منه النصح والارشاد.
وأمثال قصص ألف ليلة وليلة بـ (الخرافة) وغالباً ما تقصّ للسمر
ويتفق القاص والمستمع على أنّها غير صادقة.
وأمثال قصص الاسود المتنبي مع ملكه الشيطان (19)
بـ (حديث خرافة) أو (قصص خرافية) وغالباً ما يتظاهر المحدّث بتصديقها
والمستمع يخالفه.
وينبغي أن تسمَّى بـ (الاُسطورة) القصص التي لم يقصد منها التوضيح
كالمثل ولا السمر وليس بحديث عن الجان وكانت أبعدها عن الصدق، زخرفها
المحدّث ونمَّقها وسردها على أنّها حقائق.
* * *
وإذا درسنا قصص سيف على ضوء ما ذكرنا نرى أنّه لا يناسب تسميتها
بغير (الاُسطورة) لانّه لم يقصَّها للتمثيل والتوضيح والنصح
والارشاد، ولا للمسامرة ولا لسرد أحاديث الجان، وإن وجدت فيها
أحياناً فَبِنُدْرَةٍ.
وإنّما هي من صنف أشدّ القصص كذباً وأبعدها عن الصدق، زخرفها
المحدّث وسردها بعنوان أنّها حقائق واقعة.
وقد
وجدنا اللغويين يسمُّون هذا الصنف من القصص بالاساطير.
هذا
إذا اعتمدنا لغتنا الغنية بالالفاظ والمصطلحات المعبِّرة، في ما يخص
ثقافتنا العريقة في العلم، ولا يجدر بنا غير ذلك.
نعم
إذا أردنا أن ندرس ثقافة الاخرين؛ فينبغي لنا أن نتقيَّد في تعريب
مصطلحاتهم إلى مايحدّدها من ألفاظنا تحديداً كاملاً قدر الوسع، كما
لو أردنا أن ندرس قصص آلهة اليونان ـ مثلاً ـ.
وإذا جارينا الناقد الفاضل واعتمدنا المصطلحات الاجنبية في دراسة
ثقافتنا ـ أيضاً ـ وجدنا (الاُسطورة) أنسب الاسماء لجلّ قصص سيف.
ذلك
لانّهم يطلقون الاُسطورة ـ غالباً ـ كما ذكر ـ على الملاحم القديمة
التي تتدخّل الالهة والكائنات العليا في صياغة أحداثها.
وكذلك شأن قصص سيف فإنَّها صوَّرت الملاحم التي وقعت بين الجيوش
الاسلامية في العصر الاسلامي الاول وسائر الاُمم، أو بين الصحابة
أنفسهم على مثال ما قصَّ وقوعها بين آلهة اليونان وغيرهم، ومثل ما
روى في ما قصَّ عن حرب القادسية عن النظر بن الرفيل، عن أبيه:
إنَّ رستم قائد الجيش الفارسي رأى بالدير انّ ملكاً جاء حتى دخل
عسكر
فارس فختم السلاح أجمع.
وروى في ثانية بعدها:
إنّه لمّا نزل رستم النجف عادت عليه الرؤيا فرأى ذلك الملك ومعه
النبيّ (ص) وعمر فأخذ الملك سلاح أهل فارس فختمه ثمّ دفعه إلى النبيّ
(ص) فدفعه النبيّ إلى عمر.
قال
سيف فلمّا رأى الرفيل ذلك رغب في الاسلام فكانت داعيته إلى الاسلام.
وروى في قصة فتح بهرسير تكلّم الملائكة على لسان أبي مفرز وإجابتها
كسرى بقوله: (لا يكون بيننا وبينكم صلح حتى نأكل عسل أفريدون باترج
كوئى).
قال
ذلك وهو لا يدري ماذا نطق ولا أحد من الجيش الذي معه، فلمّا رأى ذلك
ملك فارس، قال:
((ياويلتنيه! إنَّ الملائكة تتكلّم على ألسنتهم تردّ علينا، تجيبنا
عن العرب)).
وروى في قصة مسير يزدجرد إلى خراسان بعد واقعة جلولاء قال:
((لمّا انهزم أهل جلولاء خرج يزدجرد يريد الري وكان ينام في محمله
والبعير يسير به ولا يعرسون، فانتهوا به إلى مخاضة وهو نائم في محمله
فأنبهوه ليعلم ولئلا يفزع إذا خاض البعير، فعنف وقال: بئسما صنعتم،
واللّه لو تركتموني لعلمت ما مدّة هذه الاُمة، إنّي رأيت: أنّي
ومحمّداً تناجينا عند اللّه، فقال له:
ـ
إملكهم مائة سنة.
فقال: ـ زدني.
فقال: ـ عشراً ومائة سنة.
فقال: ـ زدني.
فقال: ـ عشرين ومائة سنة.
فقال: ـ لك.
وأنبهتموني فلو تركتموني لعلمت ما مدّة هذه الاُمة...)).
* * *
وضعت جلّ قصص سيف مثل ما أوردناه أعلاه، تتقمّص ـ أحياناً ـ أبطالها
ثياب الكائنات العليا، وآونة تلتقي معها وتشير عليها وتلهمها.
استطاع سيف ـ في مجموع ما وضع واخترع منها ـ أن يرفع مستوى بعض
الشخصيات الاسلامية التي عاشت في صدر الاسلام عن مستوى الانسان
الاعتيادي، ومن ثَمَّ أثّر على نفوس غالب المسلمين وجعلهم ينظرون إلى
تلك الشخصيات ككائنات فوق البشر.
أدركت هذا بعد طول دراسة لاحاديث سيف، ومعرفة لسعة انتشارها في
مصادر الدراسات الاسلامية ودراسة لمدى ما أبقت من أثر في عقائد
المسلمين.
لهذا كلّه لا أجد لفظاً أنسب من الاُسطورة لتسمية قصص سيف في ما حكي
عمَّا شجر بين الصحابة منذ عصر عثمان وحتى حرب الجمل.
وفي
ما حكي عمَّا وقع بينهم وبين الاُمم الاُخرى لانّها أساطير كأساطير
آلهة اليونان وبابل عدا ما أوردت (أساطير خرافة) من الجزء الثاني من
عبداللّه بن سبأ، فإنّه لما أوردت فيه قصص الاسود المتنبي الكذّاب مع
من سماه سيف الملك الشيطان والذي تخيّله من الجان وكانت قصص الاسود
معه من قبيل (حديث خرافة) سمّيت تلك المجموعة من قصص سيف بـ (أساطير
خرافة) تغليباً لقصص الملك الجنّي في المجموعة على غيرها في التسمية.
وختاماً أشكر الناقد الفاضل على نيّته الخالصة في تنبيهي على ما رآه
خطأ في كلامي.
15 صفحات 167 ـ 171 من رسالة الاسلام، العدد (9،
10) السنة الثانية.
16 راجع مفردات راغب ولسان العرب والقاموس
وشرحه.
17 مادة (خرف) من لسان العرب والقاموس وتاج
العروس واللفظ للاول.
18 مادة سطر من لسان العرب والقاموس وتاج
العروس.
19 راجع فصل (أساطير خرافة) من عبد الله بن
سبأ ج 2.