من قادة فتح العراق

 74 ـ الحارث بن يزيد العامري آخر.

 تعذيب الحارث بن يزيد العامري المسلمين

بمكة. وهجرته إلى المدينة وقتله خطأ.

اختلاق سيف شخصاً مرادفاً لاسمه، جعله

مقدمة لجيش عمر بن مالك الزهري في فتح

هيت.

خبر غير سيف في فتح هيت وقرقيسيا، تحريف

سيف سنة الواقعة وقادتها وحوادثها.

مناقشة السند.

مقارنة الخبر.

مصادر البحث.

الحارث بن يزيد:

 أجمع المؤرّخون على أنّ الحارث بن يزيد القرشي العامري من بني لؤي بن عامر كان يؤذي المسلمين بمكة.

 وفي أنساب الاشراف: وكان شديداً على رسول اللّه (ص) وكان قد أعان على ربط عياش بن أبي ربيعة فحلف لئن أمكنته منه فرصة ليقتلنّه. فلمّا هاجر الصحابة أسلم الحارث ولم يعلموا بإسلامه وأقبل مهاجراً بعد أحد، حتى إذا كان بظاهر الحرة أو بالبقيع؛ لقيه عياش بن أبي ربيعة وظنّه على شركه فعلاه بالسيف حتى قتله، فنزلت فيه هذه الاية:

 (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلاّ خطأً ومن قتل مؤمناً خطأً فتحرير رقبة مؤمنة) الاية 92 من سورة النساء.

 فقال النبيّ لعياش: ((قم فحرّر)).

*        *        *

 هذا ماكان من أمر الحارث بن يزيد العامري، واختلق سيف في أساطيره شخصاً آخر وسماه باسم مرادف لهذا الاسم، ونسب إليه الاشتراك في قيادة جيش المسلمين في واقعة هيت كما رواه الطبري في فتوح الجزيرة من تاريخه، قال:

 في رجب من السنة السادسة عشر أرسل سعد بن أبي وقاص بأمر الخليفة عمر، عمر بن مالك بن عتبة بن نوفل بن عبد مناف في جند إلى جموع الجزيرة وجعل على مقدمته الحارث بن يزيد العامري، فخرج عمر بن مالك نحو هيت فنازل بها وقد خندقوا عليهم، فلمّا رأى منهم ذلك خلّف عليهم الحارث بن يزيد يحاصرهم وخرج في نصف الناس فجاء قرقيسيا على غرّة فأخذها عنوة فأجابوا إلى الجزية. وكتب إلى الحارث إن هم استجابوا ـ أي إلى الجزية ـ فخلّ عنهم ليخرجوا وإلاّ فخندق على خندقهم خندقاً أبوابه ممّا يليك، فاستجابوا للحارث فتركهم وانضمَّ إلى عمر بن مالك.

 مناقشة السند:

 روى سيف هذه الرواية عن:

 1 ـ محمّد. وهو عنده: محمّد بن سواد بن نويرة.

 2 ـ المهلّب. وهو عنده: مهلب بن عقبة الاسدي.

 وكلاهما من مختلقات سيف من الرواة.

 وفي سندها مجهولون آخرون لا ندري من عناهم سيف كما ذكرناه أكثر من مرّة!.

 مقارنة رواية سيف برواية غيره:

 في معجم البلدان ((هيت)) بلدة على الفرات من نواحي بغداد.

 و (قرقيسيا): بلدة على مصب نهر الخابور في الفرات، فهي في مثلّث بين الخابور والفرات.

 وروى البلاذري في فتحهما وقال:

 إنّ عمر بن الخطّاب ولّى عياض بن غنم بعد وفاة أبي عبيدة في طاعون عمواس سنة 18ه‍‍ حمصاً وقنسرين والجزيرة، فسار إلى الجزيرة في النصف من شعبان سنة 18ه‍‍ ففتح مدائن الجزيرة مصلحاً وأرضها عنوة.

 ثمّ قال:

 ووجّه حبيب بن مسلمة الفهري إلى قرقيسيا، ففتحها صلحاً.

 وقال:

 وبعث عمير بن سعد بن عبيد إلى رأس العين ـ وكانت قد امتنعت على عياض ـ ففتحها، ثمّ سلك الخابور وما يليه حتى أتى قرقيسيا وقد نقض أهلها فصالحهم على مثل صلحهم الاول، ثمّ أتى حصون الفرات حصناً حصناً، ففتحها على مثل ما فتحت قرقيسياء.

 ثمّ أتى هيت فوجد عمّار بن ياسر وهو يومئذ عامل عمر بن الخطاب على الكوفة ـ قد بعث جيشاً يستغزي ما فوق الانبار، وعلى الجيش سعد بن حرام الانصاري، وقد أتاه أهل هذه الحصون فطلبوا الامان فأمّنهم واستثنى على أهل هيت نصف كنيستهم.

 قال: ويقال: انّ سعد بن حرام بعث مدلاج بن عمرو السلمي فتولى فتحها.

 وقال ياقوت في مادة قرقيسياء:

 ((ولمّا فتح عياض بن غنم الجزيرة في سنة تسع عشرة وجّه حبيب بن مسلمة الفهري إلى قرقيسياء ففتحها على مثل صلح أهل الرقّة...)) الحديث. وأورد قبل هذا أيضاً ـ طرفاً من رواية سيف.

 نتيجة البحث المقارن:

 روى سيف فتح هيت وقرقيسياء في السنة السادسة عشرة، ورواها غيره في السنة التاسعة عشرة، وذكر سيف أنّ القائد العام سعد بن أبي وقاص أرسل عمرو ابن مالك، أو عمر بن مالك، وفي مقدمته الحارث العامري فولي الحارث أمر هيت وفتح ذاك قرقيسياء.

 بينما ذكر غيره أنّ القائد العام لفتح الجزيرة كان عياض بن غنم، وأرسل حبيب ابن مسلمة الفهري ففتح قرقيسيا ثمّ نقضوا، وأتاها عمير بن سعد وجدّد معهم الصلح.

 وأنّ عمّار بن ياسر والي الكوفة أرسل سعد بن حرام فصالح بعض الحصون واستثنى على أهل هيت نصف كنيستهم، أو انّ سعد بن حرام هذا بعث مدلاجاً ففتحها.

 حصيلة الاختلاق:

 اختلق سيف خبر فتح عمرو بن مالك قرقيسياء والحارث هيت، وروى عنه الطبري، ومن الطبري أخذ ابن الاثير في تاريخه.

 وأورد ياقوت أراجيز رواية سيف مع ذيول من خبره بمادة: قرقيسياء وهيت.

 وأخذ صاحب الاصابة ترجمة الحارث من سيف.

 قال:

 ((الحارث بن يزيد العامري آخر ـ شهد الفتوح بعد النبيّ (ص)، ذكره سيف وروى عن عمر أنّه كتب إلى سعد بن أبي وقاص أن يجعل عمرو بن مالك بن عتبة ابن وهيب مقدمة العسكر إلى هيت ليحاصرها، فحاصرها عمرو وترك الحارث ابن يزيد العامري على نصف العسكر وتقدّم هو إلى قرقيسيا فذكر القصّة.

 قلت: وقد تقدّم أنّهم كانوا لا يؤمِّرون إلاّ الصحابة. إستدركه ابن فتحون ـ )) انتهى.

 ونقل ابن الاثير خبر سيف هذا عن تاريخ دمشق لابن عساكر في ترجمته:

عمر بن مالك بن عتبة بن نوفل تارة، وأخرى عقبة قال في ترجمة عمر بن مالك ابن عتبة بن نوفل:

 ((شهد فتح دمشق وولي فتح الجزيرة ـ لا يعرف)).

 ونرى انّ الاثنين واحد وإنّما وقع التحريف في مالك بن عتبة أو مالك بن عقبة ومصدر الترجمتين خبر سيف بن عمر، ومع ذلك لم نجزم بأنّ عمر بن مالك من مختلقات سيف كما جزمنا بأنّ (الحارث بن يزيد العامري آخر) اختلقه مرادفاً لاسم الحارث بن يزيد العامري قتيل العياش بن أبي ربيعة، كما اختلق خزيمة بن ثابت غير ذي الشهادتين مرادفاً لاسم خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين، وسماك بن خرشة الانصاري ليس بأبي دجانة مرادفاً لاسم سماك بن خرشة أبي دجانة.

 سلسلة رواة الخبر:

أ ـ من روى عنه سيف في فتوحه:

 1 و 2 ـ محمّد وطلحة من مختلقاته من الرواة ومجهولون آخرون.

ب ـ من روى عن سيف:

 1 ـ الطبري في تاريخه.

 2 ـ إبن عساكر في تاريخه.

 3 و 4 ـ إبن فتحون وابن حجر بترجمة (الحارث بن يزيد العامري ـ آخر).

 5 ـ ونقل ابن الاثير في تاريخه عن الطبري.

 6 ـ ونقل ابن الاثير في أُسد الغابة عن ابن عساكر بترجمة عمر بن مالك.

*        *        *

 بهذا نختتم باب قادة العراق مع سعد بن أبي وقاص لنورد بعده باب قادة حروب الردّة.

 وقدّمنا هذا الباب على مايليه خلافاً لسير الحوادث التاريخية لما في تراجمه من أمثلة مبيّنة لما نحن بصدد بيانه أكثر ممّا في غيره من الابواب الاتية، وفّقنا اللّه تعالى لاكماله بمنّه وكرمه. 

مصادر البحث:

 خبر الحارث بن يزيد العامري قتيل عياش بن أبي ربيعة في ترجمته بالاستيعاب (1/116) وقد ترجم له مرّتين: مرّة الحارث بن يزيد بن أنسة، وأخرى الحارث ابن يزيد القرشي العامري. وتبعه ابن الاثير في أُسد الغابة (1/353) كذلك، ونبّه على ذلك، وترجمته في الاصابة (1/295).

 وخبر الحارث بن يزيد العامري مختَلَقُ سيف في تاريخ الطبري (1/2479)، وتاريخ ابن الاثير، والاصابة (1/295).

 وخبر فتح هيت وقرقيسياء من غير حديث سيف في فتوح البلدان (205 و 207 و 208 و 209 و 212)، وفي معجم البلدان بمادة هيت.

 وترجمة عَمَرُ بن مالك بن عقبة في أُسد الغابة (4/81).

 وترجمة عُمَرُ بن مالك بن عتبة في أُسد الغابة (4/81 ـ 82)، والاصابة (2/514).

 وترجمة عمر بن عتبة بن نوفل في الاصابة (2/82).

 ونسب بني زهرة في جمهرة ابن حزم (ص: 128 ـ 135)، وفي نسب قريش (ص: 261 ـ 265)، ولم أجد فيهما ذكراً لعمر بن مالك بن عتبة أو عقبة.