بُحـوث تمهيْديّة 4

 مايدلّ على أنّ الصحابي مختلق:

-‍ الرواية مصدر العلوم النقلية في الاسلام.

-‍ يأخذ المتأخّر من المتقدّم.

-‍ المؤلّفون الاوائل أخذوا من سيف.

-‍ ترجم العلماء أبطال أساطير سيف في عداد الصحابة.

-‍ لم نجد ذكر مختلقات سيف في غير حديث سيف

فاعتبرناهم من مختلقات سيف.

-‍ كتب راجعناها للبحث في أساطير سيف.

-‍ مصادر.

 بتني بحوث أجزاء عبداللّه بن سبأ وهذا الكتاب على أساس أنّ سيف بن عمر التميمي هو المخترع لكل ما ورد في بحوثها المتسلسلة من أساطير وأبطال الاساطير، وأحياناً أماكن الاساطير. وفي مايلي دليلنا على ذلك:

*        *        *

 لمّا كانت الرواية هي أساس علوم التاريخ والفقه والتفسير وجميع فنون الادب في الاسلام وليس لدى علمائها مصدر لهن غير الرواية كما يوجد لدى غيرهم ـ‍ أحياناً ـ فإنّهم ـ مثلاً ـ قد يرجعون إلى أشياء أثرية ويستنبطون منها بعض معلوماتهم.

 لما كان الامر لديهم هكذا فلا بدّ إذن أن يأخذ الرواية الخلف من السلف جيلاً بعد جيل حتّى يصلوا إلى عصر الواقعة، وتنحصر طريقهم بهذا ولا يرجعون إلى شي‌ء آخر، ولا يُوحى إليهم من وراء حجاب.

 وإذا رجعنا إلى كتب العلماء في العلوم المذكورة أعلاه وجدناهم ينقسمون فيما يروون إلى صنفين:

 منهم من يذكر سند روايته في كلّ ما يروي من خبر؛ مثل الطبري والخطيب البغدادي وابن عساكر في تواريخهم، والطبري والسيوطي في التفسير. ومنهم من لا يذكر سنده في ما يروي؛ مثل المسعودي في مروجه، واليعقوبي وابن الاثير وابن خلدون في تواريخهم (4).

 وبعد توضيح ماتقدّم وثبوته نقول: إذا كان المتأخّر يأخذ الخبر من المتقدّم ولا سبيل له غير ذلك ووجدنا عند المتأخّر خبراً لم يذكر سنده ولا ممّن أخذه، ووجدنا الخبر نفسه عند المتقدّم ثمّ بحثنا عن مصدر الخبر فوجدناه ينحصر بذلك المتقدّم، فلا بُدَّ أن نقول إنّ المتأخّر أخذه من ذلك المتقدّم.

 وفي ما نحن بصدده ضربنا ـ مثلاً لذلك ـ سند الاُسطورة السبئيّة في مقدّمة الجزء الاول من عبداللّه بن سبأ، وبرهنّا هناك على أنّ المؤرّخين القدامى والكتّاب المتأخّرين والباحثين من المستشرقين أخذوا الاُسطورة السبئية بعضهم من بعض، وأنَّ سند جميعهم في ماينقلون ينتهي إلى المصادر الاربعة الاتية:

 أ ـ تاريخ الطبري.

 ب ـ تاريخ دمشق لابن عساكر.

 ج ـ التمهيد والبيان لابن أبي بكر.

 د ـ تاريخ الاسلام للذهبي.

 ثمّ رجعنا إلى هذه المصادر الاربعة وتصفّحناها فوجدناها تروي الاُسطورة بأسانيدها مسلسلة عن سيف بن عمر وحده، ووجدنا سيف بن عمر يتفرّد برواية الاُسطورة السبئية. ثمّ درسنا سيف بن عمر فوجدنا أنّ نشاطه الادبي كان في الربع الاول من القرن الثاني الهجري.

 ودرسنا عصره فوجدنا العصبية القبلية قد عمَّت البلاد في عصره، يتبارى شعراء عدنان وقحطان بنظم القصائد في مدح أنفسهم وذمّ القبيلة الاخرى.

 ووجدنا سيف بن عمر، عدنانياً يتعصّب لقبيلته العدنانية، يختلق لهم الفضائل في أساطيره، ويتعصّب على القحطانيين فيختلق لهم المثالب فيها.

 ووجدنا الاُسطورة السبئية تنسب الفتن كلّها إلى القحطانيين وتدفع عن العدنانيين مانسب إليهم.

 ودرسنا بلد سيف ـ العراق ـ في عصره فوجدناه يعجّ بالزنادقة الذين يشوّشون على المسلمين دينهم في مايضعون من حديث.

 ووجدنا سيف بن عمر لا يقل عنهم خطورة في ماوضع من رواية.

 ووجدنا العلماء يصفونه بالكذب ويتّهمونه بالزندقة ويصفون حديثه

بالوضع والضعف.

 بعد كلّ هذه الدرسات، قلنا إنَّ سيف بن عمر هو الّذي اختلق الاُسطورة السبئية.

 ودرسنا أحاديثه في عبداللّه بن سبأ حسب تسلسلها الزمني بدءاً بحديثه في بعث أسامة ثمّ السقيفة ثمّ الردّة والفتوح، وقارنا بين أحاديثه فيهن وأحاديث غيره فوجدنا العلماء صادقين في ما وصفوه ووصفوا حديثه؛ فإنّه يحرّف الوقائع التاريخية الّتي يذكرها ويختلق أساطير كثيرة لا أصل لها.

 ويورد كلّ ذلك بأسلوب الحديث. ويضع لاحاديثه أسانيد ويرويها عن رواة غالباً لم يذكرهم غيره. ويختلق لاساطيره أشخاصاً ينسب إليهم البطولات، وبلاداً وقعت تلك الاساطير عليها.

 ووجدنا العلماء قد ترجموا أولئك الابطال وتلك البلاد في موسوعاتهم الرجالية والبلدانية(5) ومن هنا انتشرت أسماء مختلقاته من أماكن في عداد البلاد الاسلامية، ومختلقاته من شخوص في عداد الصحابة أو الرواة وقادة الفتوح والامراء والشعراء حسب ما نسب إليهم من صفة وعمل.

 هذا ماعرفناه في هذه البحوث المتسلسلة.

 وفي ما نحن بصدده في أجزاء هذا الكتاب من معرفة الصحابة الذين اختلقهم سيف بن عمر، نرجع إلى الخبر المذكور فيه اسم الصحابي المشكوك أمره، ونبحث عن سند الخبر؛ فإذا وجدنا السند ينتهي إلى غير سيف تركنا البحث حول الصحابي ولم نعتبره من مختلقات سيف.

 أمّا إذا وجدنا السند ينتهي إلى سيف؛ فعند ذاك نقوم ببحث واسع في مصادر الدراسات الاسلامية لنقارن بين ما ورد في حديث سيف وغير سيف، فإذا وجدنا اسم الصحابي المشكوك أمره مذكوراً في رواية مروية عن غير طريق سيف ـ أيضاً ـ تركنا البحث عنه. وإذا لم نجد لذلك الاسم ذكراً في غير رواية سيف قلنا: تفرّد سيف بذكره، واعتبرناه من مختلقاته من الصحابة أو الرواة أو البلدان. مثال ذلك:

 إنّا وجدنا أخباراً كثيرة عن أسرة مالك التميمي ثمّ العمري والاسيدي، وهم:

الصحابيان القعقاع وأخوه عاصم ابنا عمرو بن مالك، والصحابيان الاسود بن قطبة بن مالك، وابنة نافع بن الاسود، وبقية ذويهم من أفراد هذه الاسرة، وشككنا في أمرهم، فبحثنا أولاً عن كلّ خبر ورد عن كلّ فرد منهم في مصادر الدراسات الاسلامية، وجمعناها خبراً خبراً، ثمّ أرجعنا الاخبار الّتي ذكرت بلا سند إلى الاخبار ذات السند، فوجدنا أنّ جميع أخبار القعقاع ينتهي سندها إلى ثمانية وستين رواية من روايات سيف وجميع أخبار أخيه عاصم إلى نيف وأربعين رواية له، وأخبار الاسود بن قطبة وابنه نافع إلى قرابة عشرين رواية له.

 ثمّ درسنا أسانيد أحاديث سيف عن القعقاع فوجدنا فيها اسم ثلاثين راوياً لم نجد لهم ذكراً في غير أحاديث سيف، وقد تكرّر اسم أحدهم في سند ثمانية وثلاثين من أحاديثه عن القعقاع، والاخر في سند خمسة عشر حديثاً عنه، والثالث في عشرة، والرابع في ثمانية، وأربعة منهم في حديثين، والباقين في حديث واحد، وقد يذكر في سند حديث واحد عن القعقاع اسم أكثر من راوٍ من هؤلاء الذين اعتبرناهم من مختلقات سيف من الرواة.

 ووجدنا في أسانيد حديثه عن عاصم اسم اثني عشر راوياً لم نجد لهم ذكراً في غير حديث سيف، يتكرّر ذكر أحدهم في سند ثمانية وعشرين حديثاً له، وآخر في ستة عشر، وهكذا، وقد يرد في سند حديث واحد له اسم أكثر من راوٍ واحدٍ من هؤلاء الرواة المختلقين.

 وجدنا في أسانيد حديثه عن الاسود وابنه نافع تسعة رواة كذلك.

 ووجدنا أيضاً في أسانيد حديثه عنهم أسماء مجهولين ـ غير من ذكرنا ـ لم تتيسّر لنا معرفتهم.

 هذا ما كان في أسانيد أحاديثه عن أفراد هذه الاُسرة، ووجدنا سيفاً يذكر عنهم أخباراً على عهد الرسول (ص) ويوم السقيفة وفي حروب الردّة في الجزيرة العربية، والفتوح في العراق والشام على عهد أبي بكر، والفتوح في الشام والعراق وإيران على عهد عمر وعثمان، وأخباراً في الفتن على عهد عثمان وعليّ حتّى عصر معاوية.

 ذكر عن أفراد هذه الاسرة بطولات في الحروب، وأراجيز فيها وإمارات على ولايات، وكرامات، وأخباراً أخرى تفرَّد سيف بذكرها جميعاً.

 ثبت لدينا تفرُّد سيف بن عمر بذكرها جميعاً بعد أن أرجعنا الاخبار المروية فيها أسماؤهم بلا سند إلى أحاديث ذات سند ثمّ وجدنا أنّ تلك الاحاديث رويت كلّها عن طريق سيف بن عمر وحده!!.

 ثمّ رجعنا إلى كتب السير الّتي ذكرت تاريخ عصر الرسول (ص) كسيرة ابن هشام (ت 213 أو 218ه‍‍) وعيون السير لابن سيّد الناس (ت: 734ه‍‍) ونظائرهما فلم نجد لهم ذكراً فيما أوردوا من أخبار عصر الرسول (ص).

 ورجعنا إلى كتب الحديث الّتي تورد الاحاديث المروية عن رسول اللّه (ص) بواسطة أصحابه؛ كمسند الطيالسي (ت 204ه‍‍)، ومسند أحمد (ت 241ه‍‍)، ومسند أبي عوانة (ت 316ه‍‍)، وصحيحي البخاري (ت 256ه‍‍) ومسلم (ت 261ه‍‍)، وموطأ مالك (ت 179ه‍‍)، وسنن ابن ماجة (ت 273ه‍‍) والسجستاني (ت 275ه‍‍)، والترمذي (ت 279ه‍‍)، وكثير غيرها، فلم نجد لاحدهم ذكراً في أسانيد تلك الاحاديث ولا في متونها.

 ورجعنا إلى كتب الطبقات؛ كطبقات ابن سعد (ت 230ه‍‍) الّذي يذكر طبقات الصحابة ووالتابعين حسب نسبتهم إلى بلادهم، وطبقات خليفة بن خياط (ت 240ه‍‍)، والنبلاء للذهبي (ت 748ه‍‍)، وغيرها فلم نجد لاحدهم ذكراً فيها.

 ورجعنا إلى كتب معرفة الرواة؛ كالعلل لاحمد بن حنبل، والجرح والتعديل للرازي (ت 327ه‍‍)، وتاريخ البخاري، وكثير غيرها.

 ورجعنا إلى كتب الانساب؛ كجمهرة نسب قريش للزبيري (ت 236ه‍‍)، وجمهرة ابن حزم (ت 456ه‍‍)، والانساب للسمعاني (ت 562ه‍‍)، وغيرها.

 ورجعنا إلى كتب تراجم الصحابة؛ كالاستيعاب، وأُسد الغابة، والاصابة وغيرها، المطبوع منها والمخطوط على قدر استطاعتنا.

 ورجعنا إلى كتب التاريخ العام؛ كتاريخ خليفة بن خياط والطبري (ت 310ه‍‍)، والتواريخ الخاصة؛ كصفين لنصر بن مزاحم (ت  212ه‍‍) وتاريخ دمشـق لابن عساكر (ت 571ه‍‍)، وكثير غيرها.

 ورجعنا إلى كتب الادب؛ كالاغاني للاصبهاني (ت 356ه‍‍)، والمعارف لابن قتيبة (ت 276ه‍‍)، والعقد الفريد لابن عبد ربّه (ت 328ه‍‍)، إلى كثير غيرها.

 وبعد كلّ هذه المراجعات وجدنا أنَّ جميع الاحاديث الّتي وردت فيها أسماء هؤلاء الصحابة تنتهي أسانيدها إلى سيف وحده.

 وبالاضافة إلى دراسة أسانيد أحاديث سيف؛ قمنا بدراسة متن الحديث أي بدراسة كلّ خبر ورد عن سيف في شأنهم على حدة، وقارنَّا بين حديث سيـف وحديث غيره من الرواة في الخبر نفسه، وكنّا نجد بعد ذلك أحد اثنين:

 إمّا أن يكون خبر سيف مختلقاً كلّه، بسنده ومتنه وما فيه من شعر وخطبة ومعجزة، وحرب ومعاهدة، وبطل قائد صحابي، ومكان ذكر وقوع الحادث فيه، مثل:

 خبر طاهر بن أبي هالة ربيب رسول اللّه (ص) عند سيف، وحروبه في الردّة و(الاخابث) المكان الّذي وقعت الحرب فيه.

 وخبر أُطِّ بن أبي أُطٍّ التميمي والنهر المنسوب إليه. إلى كثير غيرهما وغير أخبارهما.

 أو أنّه حرّف خبراً صحيحاً ونسبه إلى غير صاحبه ممَّن اختلقهم من صحابة وتابعين، أو غير ذلك من أنواع التحريف الّذي لا يُصَدَّقُ وقوعه دون الرجوع إلى أجزاء عبداللّه بن سبأ وأجزاء هذا الكتاب.

 وبعد كلّ هذه الدراسات الطويلة وعدم العثور على رواية واحدة مسندة عن غير طريق سيف يرد في سندها أو متنها اسم أحدهم أو خبره؛ حسبنا هؤلاء من مختلقات سيف من الصحابة.

 والفرق بين مختلقات سيف من الصحابة، والصحابة الذين كان لهم وجود حقّاً. انّه بينما ينحصر ذكر من اختلقهم سيف بأحاديث سيف وحسب، نجد أنّ الصحابة الذين كان لهم وجود حقّاً، يذكرهم كلّ راوٍ يذكر الخبر المنسوب إليهم.

 مثال ذلك: أنّ خالد بن الوليد لاينحصر ذكر اسمه وأخباره براوٍ واحد. بل يذكره من ذكر في سيرة الرسول (ص) خبر مهاجمة فرسان المشركين من جبل أُحد يوم أُحد. كقائد لهم.

 ويذكر إسلامه مَنْ ذكر إسلام من أسلم من قريش بعد صلح الحديبية.

 ويذكره مَنْ ذَكر خبر وقعته ببني جذيمة. وكيف أصاب منهم كقائد لتلك الواقعة.

 ويذكره مَنْ ذَكر خبر قتل مالك بن نويرة وما فعله خالد يومذاك.

 ويذكره مَنْ ذَكر خبر حرب المسلمين لمسيلمة الكذّاب كقائد للمسلمين يومذاك.

 ويذكره مَنْ ذَكر خبر الفتوح في العراق والشام كقائد فيها وبطل.

 يذكره كلّ مَنْ ذَكر خبراً من هذه الاخبار. وغير هذه الاخبار مِنْ أَخبار خالد.

 ويأتي ذكره في مئات الاحاديث عند عشرات الرواة.

 يأتي ذكره في جميع كتب السير والحديث والطبقات الّتي تورّعت عن ذكر أحاديث سيف ومختلقات سيف.

 هكذا بحثنا عن كلّ صحابي شككنا في أمره. وسجّلنا في آخر كل خبر يجري البحث حوله نتيجة ماتوصّلنا إليه في بحثنا المقارن عن سند حديث سيف ومتنه.

ولايبقى بعد ما ذكرنا. وبعد مراجعة أبحاث هذا الكتاب وجه للشكّ في أنّ الصحابة المذكورين فيه اختلقهم سيف بن عمر عدا الاستبعاد، والاستبعاد لايناهض نتيجة البحث العلمي المقارن. مثال ذلك، ما قيل:

 ((هل من الممكن أن يكون سيف اختلق كلّ هذا؟ أي كتب تاريخاً من خياله: انّ الانسان ليتملّكه العجب لتلك المخيّلة الواسعة!)).

 وقد أجبنا عنه بقولنا: ((وما المانع منه؟! وأنت نفسك تقول ذلك في جرجي زيدان وقصصه، والحريري ومقاماته، وواضعي قصص عنترة وألف ليلة وليلة، وكليلة ودمنة. إلى غيرها من آلاف القصص الادبية والحكمية الّتي أبدع فيها القصّاصون، والاُدباء في كلّ لسان، وخلقوا من خيالهم الخصب شخصيات وأبطالاً لا وجود لها خارج قصصهم. وما المانع من أن يكون سيف كأحد هؤلاء؟! ولا غرابة في ذلك، وانّما الغرابة في اعتماد بعض المؤرّخين على قصص سيف، وترك غيرها من الروايات الصحيحة)).

 وماقيل:

 ((وكيف خفي أمر هذا العدد الهائل من أساطير وشخصيات مختلقة على العلماء طيلة اثني عشر قرناً لتُكتشف اليوم؟!)).

 فنقول: (لم تُتح الفرصة لدراسة سيف وأساطيره دراسة مقارنة في الازمنة الغابرة كما وفّق اللّه اليوم لينكشف أمره على يد العلماء).

 وماقيل:

 ((من اساءة الادب تخطئة علماء كالشيخ الطوسي (رض) في ما ذكر عن الصحابي القعقاع...)).

 فنقول: ((احترام العلماء لايقتضي الالتزام بآرائهم)).

 وتلقّينا أيضاً ـ بعد نشر هذه الابحاث بالاضافة إلى الاسئلة الكثيرة الّتي مردّها الاستبعاد ـ مضايقات شديدة وارهاقاً من بعض المجامع العلمية الدينية ومن بعض الافراد كذلك، ونرى أنّ منشأها الاعتزاز بما ورثوه منذ أكثر من ألف سنة من علم التاريخ والسيرة وكتبها الموثوقة لديهم وما وهموه مناقب للسلف الصالح، والتأثّر من هذه الابحاث الّتي هدّمت كثيراً منها من أساسه، وانّهم في ذلك يُشبهون من يملك مجموعة أثرية يعتزّ بها أيّما اعتزاز واذا بخبير يقوم بتزييفها مرّة واحدة فلا بُدَّ أن يصطدم صاحب تلك المجموعة بهذا الواقع المُرِّ، ويقابل من كشف عن زيف نفائسه بشي‌ء من الازورار والجفاء!!.

 خلاصة البحث:

 الرواية هي مصدر علم التاريخ ونظائره في الاسلام، يتلقّاها علماء الخلف عن السلف جيلاً بعد جيل حتّى يصلوا إلى عصر الواقعة.

 وفي هذا السبيل منهم من يذكر سند روايته فيما يروي كالطبري، ومن لايذكر كالمسعودي.

 ولمّا كان المتأخّر يأخذ الرواية من المتقدّم فإذا وجدنا خبراً واحداً عند كلّ من المتأخّر والمتقدّم ولم يذكر المتأخّر سند روايته فلا بُدَّ أن نقول: إنَّ المتأخّر قد أخذها من المتقدّم. كما وجدنا زهاء اثني عشر قرناً يأخذ العلماء الاُسطُورة السبئية بعضهم عن بعض، وينتهي سند جميعهم فيها إلى سيف الّذي جاء قبلهم.

 وسيف هذا درسناه في ما سبق من هذا الكتاب فوجدنا أنّ نشاطه الادبي كان في الربع الاول من القرن الثاني الهجري، وأنَّ المؤلّفين الاوائل الذين جاؤوا بعده أخذوا منه.

 ووجدنا العصبية القبلية قد تأجّجت في عصره حتّى دفعت ببني عدنان أن ينظموا القصائد في ذمّ قحطان ومدح أنفسهم وكذلك العكس، وقد بزّهم سيف في ما وضع من أساطير في مدح عدنان وذمّ قحطان.

 ووجدنا بلده في عصره يعجّ بالزنادقة الذين يشوّشون على المسلمين في مايضعون من حديث، وقد سبقهم سيف في ما اختلق من أساطير!.

 ودرسناه في كتاب عبداللّه بن سبأ فوجدنا العلماء يصفونه بالكذب

ويتّهمونه بالزندقة ويصفون حديثه بالوضع.

 ودرسنا حديثه، فيه فوجدنا العلماء صادقين فيما وصفوه ووصفوا حديثه، فهو يحرّف الحوادث التاريخية في مايروي، ويختلق أساطير كثيرة يوردها كلّها بأسلوب الحديث، ويضع لاحاديثه أسانيد، ويرويها غالباً عن رواة لم يعرفهم غيره، ويختلق لاساطيره شخوصاً ينسب إليهم بطولات وأعمالاً، ووجدنا العلماء يترجمون أولئك الابطال في كتبهم اعتماداً عليه، ومن هنا انتشرت مختلقاته من شخوص في عداد الصحابة أو الرواة أو قادة الفتوح أو الامراء أو الشعراء حسب ما نسب إليهم من صفة وعمل. عرفنا هذا في كتاب عبداللّه بن سبأ وبحوث هذا الكتاب.

 وقد شخّصنا مختلقات سيف من الصحابة بما قمنا به من دراسة في هذا الصدد وذلك بأنّا نجمع أخبار الصحابي الّذي نشكّ في أمره فإذا وجدنا في شأنه خبراً غير ذي سند نبحث لدى المتقدّمين حتّى نجد سنده. وإذا وجدنا اسمه أو خبراً من أخباره جاء في غير حديث سيف لم نعتبره من مختلقات سيف ونترك البحث عنه، أمّا إذا انحصرت أخباره بروايات سيف؛ عند ذاك نقوم بمقارنة أخبار سيف فيه بالاخبار المشابهة لها ونذكر النتيجة في آخر البحث، ونعتبر ذلك الصحابي من مختلقات سيف.

 مثال ذلك مافعلنا مع أخبار الصحابة عاصم وأخيه القعقاع، والاسود وابنه نافع من أسرة مالك التميمي الاسيدي؛ فإنّا بعد أن جمعنا أخبارهم من بطون الكتب، وأرجعنا الخبر غير ذي السند إلى ذي السند؛ وجدنا انّ جميع الاخبار الّتي فيها ذكرهم تنتهي أسانيدها إلى زهاء ثلاثين ومائة حديث لسيف وحده، ووجدنا في أسانيد تلك الروايات أسماء عشرات من مختلقات من الرواة.

 وقد ذكر سيف عنهم أخباراً شملت عصر الرسول حتّى زمان معاوية من بطولات في الحروب، وأراجيز ومعجزات، ورواية حديث إلى غيرها، تفرّد هو بذكرها جميعاً!!!.

 وللبحث والمقارنة رجعنا إلى كتب السير الّتي ذكرت تاريخ عصر

الرسول(ص)، وكتب الحديث الّتي تورد الاحاديث المروية عنه بواسطة أصحابه، وكتب الطبقات الّتي ذكـرت طبقات الصحابة والتابعين حسب نسبتهم إلى بلادهم وتوزَّعت عن روايـة أحاديث سيف.

 ورجعنا إلى كتب معرفة الرواة وكتب الانساب وتراجم الصحابة والتاريخ والادب فوجدنا جميع الاحاديث الّتي ذكرت فيها أسماء هؤلاء الصحابة تنتهي أسانيدها إلى سيف وحده، وبالاضافة إلى دراسة أسانيدها أحاديث سيف فيها، قارنّا كلّ خبر نسبه سيف إليهم بما ذكر غيره مشابهاً لذلك الخبر، فوجدناه تارة يختلق الخبر بسنده ومتنه وما فيه من أشخاص ومكان، وأخرى يحرِّف الخبر الصحيح وينسبه إلى غير صاحبه ممَّن اختلقه. بعد كلّ هذه الدراسة اعتبرنا هؤلاء الصحابة من مختلقات سيف، وسجّلنا نتيجة البحث المقارن في السند والمتن في آخر خبر كلّ منهم.

*        *        *

 والفرق بين هؤلاء الصحابة الذين اختلقهم سيف ومن كان لهم وجود حقيقة مثل خالد بن الوليد وأشباهه أنّ هذا ورد ذكره في مئات الاحاديث لعشرات الرواة ويرد اسمه في كتب السير والحديث والطبقات الّتي تورّعت عن ذكر أحاديث سيف؛ بينما تنحصر ذكر مختلقات سيف بأحاديث سيـف والكتب الّتي اعتمدت أحاديث سيف. وقد أشرنا فيما سبق إلى كتب تراجم الصحابـة وقادة الفتوح والشعراء والانساب والبلدان وصنوف التاريخ وفنون الادب والحديث الّتي امتدّت إليها أغصان أساطير سيف.

 وقد نُسأل بعد هذا ويُعرض علينا أنَّه ما جدوى هذه البحوث؟. وللاجابة على هذا السؤال، كتبنا البحث التمهيدي الاتي:

 مصادر البحث:

 راجع تراجم القعقاع وعاصم والاسود بن قطبة وابنه نافع وطاهر بن أبي هالة وأُطِّ بن أبي أُطٍّ في الجزء الاول من هذا الكتاب.

 وراجع ترجمة خالد في الاستيعاب وأُسد الغابة والاصابة، وأخبار غزوة أُحد في الطبري، ووقعة بني جذيمة في الطبري (1/2649 ـ 1650).

 وخبر مالك والاسود العنسي في حروب الردّة في الطبري وأخبار الفتوح فيه.


4  إنّ المصادر الّتي نرجع إليها في هذه البحوث نترجمها في آخر الاجزاء على التوالي وقد مضت تراجم هذه المؤلفات ومؤلفات أخرى ذكرت في هذا الكتاب وتراجم مؤلفيها في آخر جزأي (عبد اللّه بن سبأ) فلا نعيدها ثانية.

5  إستنادا إلى روايات سيف عنهم.