الاسديان
الوالبيان
ط
ـ حمّال بن مالك بن حمّال
و
ي ـ
الربيل بن عمرو بن ربيعة
نسبهما:
الوالبي، هذه النسبة إلى والب بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد
بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان (13).
خبرهما:
روى
الطبري عن سيف، قال:
لمّا أتى سعداً كتاب عمر وهو بشراف أن يؤمّر على الاجناد، جعل على
الرجل حمّال بن مالك الاسدي.
وروى في ذكر واقعة القادسية، قال:
لمّا تكتّبت الكتائب، حمل أصحاب الفيلة على المسلمين ففرّقت بين
الكتائب فذعرت الخيل وكادت بَجيلة أن تؤكل، فرّت خيلها عنها وعمّن
معها نفاراً وبيقت الرجالة من أهل المواقف فأرسل سعد إلى بني أسد:
ذبّوا عن بَـجيلة ومن معها، فخرج طليحة بن خويلد، وحمّال بن مالك
والربيّل ابن عمرو في كتائبهم فباشروا الفيلة حتى عدلها ركبانها وكان
على كلّ فيل عشرون رجلاً.
وقال في رواية بعدها:
فلمّا رأى أهل فارس ما تلقى الفيلة من كتيبة أسد رموهم بحدّهم،
فأرسل سعد إلى عاصم التميمي فأنجدهم ونفّس عن أسد، وكان عاصم التميمي
حامية الناس في يوم أرماث وهو اليوم الاول من أيام القادسية.
وقال في رواية أخرى عن يوم أغواث، اليوم الثاني من أيام القادسية:
وقدم في ذلك اليوم رسول عمر بأربعة أسياف وأربعة أفراس ليقسّمها سعد
في من انتهى إليه البلاء إن كان قد لقي حرباً، فدعا حمّال بن مالك،
والربيل بن عمر والوالبيين وطليحة بن خويلد الفقعسي وكلّهم من بني
أسد، وعاصم بن عمرو التميمي فأعطاهم الاسياف فأصاب ثلاثة من بني أسد
ثلاثة أرباع السيوف، فقال في ذلك الربيّل بن عمرو:
لقد علم الاقـوام أنا أحقّهـم
إذا حصـلوا بالمرهفـات البواتر
وما فتئت خيلي عشـيّة أرمثـوا(14)
يذودون رهوا عن جموع العشائر
لدن غدوة حتى أتى اللّيل دونهم
وقد أفلحت أُخرى اللّيالي الغوابر
وقال سيف عن يوم عماس:
وعادت الفيلة يوم عماس تفرّق بين الكتائب كما فعلت يوم أرماث،
فلمّا رأى سعد ذلك سأل من جاءه مُسلماً من جند رستم عن مقتل الفيل،
فأجابوه انّه المشافر والعيون لا ينتفع بالفيل بعدها، فأرسل إلى
القعقاع وعاصم التميميين، أكفياني الفيل الابيض، وكان بإزائهما وكانت
الفيلة من حوله كلّها الفة له.
وأرسل إلى حمّال والربيّل اكفياني الفيل الاجرب، وكان بإزائهما
والفيلة كلّها الفة له.
قال
سيف: فأخذ القعقاع وعاصم رمحين أصمّين ليّنَيْن وتوجّها نحوه، ففعل
حمّال والربيّل الاسديان مثلهما.
قال: ثمّ حمل القعقاع وعاصم على الفيل الابيض ووضعا رمحيهما في
عينيه ففقأ عينيه، فقبع وطرح سائسه ودلّى مشفره فضربه القعقاع بالسيف
وقطّعه فوقع لجنبه. ثمّ قتلوا من كان عليه.
وقال: قال حمّال للربيّل: اختر امّا أن تضرب المشفر وأطعن في عينه
أو تطعن في عينه وأضرب مشفره، فاختار الضرب فحمل عليه حمّال وطعن في
عينه فأقعى(15) ثمّ استوى وضربه الربيّل فقطع
مشفره فبصر به سائسهه فضربه بالفأس في وجهه وجرحه.
وفي
رواية أخرى:
قال
الربيّل وحمّال: يامعشر المسلمين أيّ الموت أشد؟.
قالوا: أن يشدّ على هذا الفيل. فَنَزَّقا (16)
فرسيهما حتى إذا قاما على السنابك ضرباهما على الفيل الذي بإزائهما،
فطعن أحدهما في عين الفيل فوطئ الفيل من خلفه وضرب الاخر مشفره فضربه
سائس الفيل ضربة شائنة بالطبرزين في وجهه فأفلت بها وهو الربيّل.
وقال
في رواية أخرى:
كان
في الفيلة فيلان يعلّمان الفيلة فحملوهما على القلب... إلى قوله ـ
وبقي الفيل الابيض متحيّراً بين الصفّين إذا أتى صفّ المسلمين
وخزّوه، وإذا أتى صفّ المشركين نخسوه.
قال: وصاح الفيلان صياح الخنزير ثمّ ولّى الاجرب الذي عُوّر فوثب في
العقيق (17) فاتبعته الفيلة فخرقت صف الاعاجم
فعبرت العقيق في أثره فأتت المدائن في توابيتها وهلك من فيها.
وقال في ذكر حوادث السنة السادسة عشر عن عبور جيش المسلمين دجلة إلى
المدائن.
لمّا رأى سعد كتيبة عاصم وهي كتيبة الاهوال تحارب الفرس في الماء
وعلى الشرعة، شبهها بكتيبة الخرساء يعني الكتيبة التي كان فيها
القعقاع بن عمرو وحمّال بن مالك والربيّل بن عمرو.
وقال في أخرى: أوّل من دخل المدائن كتيبة الاهوال ثمّ الخرساء.
وعدا ماذكرنا ورد ذكر الربيّل في رواية وضعها سيف للدفاع عن عثمان،
قال فيها:
أقطع الزبير وخباباً وابن مسعود وابن ياسر وابن هبار أزمان عثمان
فإن يكن عثمان أخطأ، فالذين قبلوا منه الخطأ أخطأ، وهم الذين أخذنا
عنهم ديننا، وأقطع عمر طلحة وجرير بن عبداللّه والربيل بن عمرو،
وأقطع أبا مفزر دار الفيل في عدد ممّن أخذنا عنهم وإنّما القطائع على
وجه النفل من خُمس ما أفاء اللّه.
مناقشة
السند:
ورد
في أسانيد روايات سيف السابقة الاسماء الاتية:
أ ـ
محمّد: أي محمّد بن عبداللّه بن سواد بن نويرة أربع مرّات.
ب ـ
زياد: أي ابن سرجس الاحمري ثلاث مرّات.
ج ـ
المهلّب: أي ابن عقبة الاسدي مرّة واحدة.
وهم
من مختلقات سيف من الرّواة.
وأورد أسماء مجهولين لم ندر من ذا تخيّلهم سيف لنبحث عنهم.
نتيجة
البحث وحصيلة الخبر:
تفرَّد سيف بذكر تأمير حمَّال على الرّجل يوم القادسيّة؟
وتفرَّد بذكر أسطورة قتل التميميَّين الفيل الابيض، والاسديَّين
الفيل الاجرب؟
وتفرَّد بذكر أُسطورة الاسياف والافراس؟
وتفرَّد بذكر أيّام القادسيّة الثلاثة الشهيرة أرماث وأغواث وعماس؛
كما فصّلنا القول فيها في ترجمة القعقاع وعاصم بالجزء الاوّل.
وتفرَّد بذكر أُسطورة كتيبتي الاهوال والخرساء!
وجرياً على عادته جعل الفخر في كلّ هذه الاساطير لعدنان ثمّ لتميم
أبناء قبيلته خاصّة.
فقد
ذكر في حوادث يوم أرماث ـ أوّل يوم من أيّام القادسيّة عنده ـ:
أنّ
الفرس كادوا أن يأكلوا بجيلة القحطانيّة فدفع سعد بن أبي وقّاص أسد
العدنانيّة فذبّوا عنهم.
قال: فجعل الفرس حدّهم على بني أسد، فاستنجد سعد تميماً لاغاثتهم،
فأنجدوهم.
وقال: كان عاصم التميمي حامية الناس في ذلك اليوم.
وكذلك جعل الامر في يومي أغواث وعماس الّلذين اختلقهما بعد يوم
أرماث، فقد ذكر: أنّ فوارس عدنان هم الذين تغلّبوا على الفيلة ودفعوا
عاديتهم عن المسلمين؛ غير أنّه جعل فارسي أسد يُعوِّرون عين الفيل
الاجرب وفارسي تميم يفقآن عين الفيل الابيض وبذلك فضّل تميماً في
الفخر على سائر عدنان.
وذكر أنَّ كتيبتي الاهوال والخرساء العدنانيَّتين سبقتا الجيش في
عبور دجلة ودخول المدائن غير أنّ عاصماً وقعقاعاً التميميَّين كانا
قائدي الكتيبتين.
ووضع آخر رواية ذكر فيها اسم الربيل للدّفاع عن عثمان الخليفة
العدناني، وقال فيها:
إنّ
عثمان أقطع خبّاب بن الارت وعمّار بن ياسر وعبداللّه بن مسعود أبرار
الصَّحابة المستضعفين.
لا!
إنّ عثمان لم يقطعهم الاراضي بل قطع عطاء ابن ياسر، وابن مسعود، وأبي
ذرّ.
وإنّما كانت القطائع لبني أُميّة والمترفين معهم (18).
اختلق سيف لهذه الاساطير القعقاع وعاصماً وأبا مفزر كما شرحناه في
تراجمهم بالجزء الاوّل من هذا الكتاب.
واختلق كذلك الوالبيين الاسديين حمّالاً وربيّلاً، واخترع لهما كلّ
تلك الاساطير. وروى أساطيره عن رواة مختلقين ومجهولين آخرين وأشرك
معهم رواة آخرين افترى عليهم بإسناد بعض رواياته إليهم.
ونقل رواياته الانفة الطبري في تاريخه.
وأخذ من الطبري كلُّ من ابن الاثير وابن كثير وابن خلدون في
تواريخهم، ثمّ جاء بعد هؤلاء بدهر ابن حجر واعتمد روايات سيف السابقة
وترجم حمَّالاً وربيلاً في الاصابة، وصحَّف اسم الربيل بن عمرو إلى
الربيال بن عمرو وقال:
((حمَّال بن مالك بن حمَّال الاسدي ـ ذكر سيف في الفتوح أنّ سعد بن
أبي وقّاص أمَّره على الرّجل حين توجّه إلى العراق ـ ز)).
وفي
الاكمال لابن ماكولا:
((حمل بن مالك بن جنادة الاسدي شهد القادسيّة، قتل بنهاوند مع
النعمان بن مقرن في خلافة عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه ـ ذكره
سيف)).
أرى
(حمل بن مالك بن جنادة) تصحيفاً والصواب (حمّال بن مالك بن حمّال).
وخبر
قتله هذا الذي نقله ابن ماكولا عن سيف لم يذكره الطبري وابن حجر.
وقال في باب حمّال:
((حمّال بن مالك الاسدي أخو مسعود بن مالك شهدا جميعاً القادسيّة مع
سعد)).
ورد
ذكر مسعود بن مالك الاسدي في تاريخ الطبري عن سيف أنّ مسعود بن مالك
الاسدي وعاصم التميمي وآخرين طاردوا الفُرس ليلة الهرير.
وسمّى سيف تلك اللّيلة التي بعد نهار عماس بـ (ليلة الهرير).
وقد
روى الحديث عن النضر عن ابن الرفيل عن أبيه عن حميد بن أبي شجار.
مختلَق عن مختلَق عن الذي تخيّله أباه عن مختلَق آخر.
هذا
ما كان من أمر حمّال، أمّا الربيل فقد ورد في الاصابة كما يلي:
((
(ريبال) بن عمرو ذكره سيف في الفتوح وذكر له مقالات مشهورة فيها،
وذكر (الطبراني) أنّه كان من أُمراء سعد بن أبي وقّاص بالقادسيّة،
وقد قدّمنا غير مرّة أنّهم لم يكونوا يؤمِّرون إلاّ الصَّحابة ـ ز)).
نرى
أنّ (ريبالاً) تصحيف والصّواب (الربيل) بن عمرو الذي ذكرنا فيما سبق
نشاطه وشعره ومواقفه يوم القادسيّة في روايات سيف، وكذلك (الطبراني)
تصحيف؛ والصّواب (الطبري) الذي ينقل عنه ابن حجر في تراجم الصحابة.
أعاد ابن حجر في هذه الترجمة الاشارة إلى مستنده في ذكر صاحب
الترجمة في عداد الصحابة، وقال:
((وقد قدَّمنا غير مرَّة أنّهم لم يكونوا يؤمِّرون إلاّ الصَّحابة ـ
ز)).
ونقول: وقد قدَّمنا غير مرّة أنَّ قولهم هذا باطل كما برهنّا عليه
في مقدّمة هذه البحوث.
ونضيف إلى الصحابة السابقين الصحابي الاتي ذكره فإنّهم حسبوه من
الصحابة لانّ سيفاً تخيّله أميراً على جيش المسلمين في الفتوح.
مصادر
البحث:
نسب
والب الاسدي في جمهرة ابن حزم (194)، ولباب الانساب (3/260).
وروايات سيف عن مالك والربيل بتاريخ (الطبري 1/2298 و 2308 و 2324 ـ
2326 ـ 2376 و 2436).
وابن
الاثير (2/372 و 373 و 349 و 365 و 371).
وابن خلدون (2/324)، وابن كثير (7/43) بإيجاز كثير.
وترجمة حمّال بن مالك في الاصابة (1/351) ق، الترجمة 1816.
وترجمة ريبال بن عمرو في الاصابة (1/508) الترجمة (2707).
وترجمة حمّال في الاكمال (2/123 و 544).
وترجمة مسعود بن مالك الاسدي في تاريخ الطبري (1/2329).
ك ـ
طليحة العبدري:
في
الاصابة:
((طليحة بن بلال القرشي العبدري ـ ذكر ابن جرير أنّه كان على خيل
المسلمين يوم جلولاء وكان على الجميع هاشم بن عتبة بن أبي وقاص.
وقد
تقدّم غير مرة انّهم كانوا لا يؤمِّرون في الفتوح إلاّ الصَّحابة
واستدركه ابن فتحون ـ ز)).
العبدري:
هذه
النسبة إلى عبدالدار بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن
فهر، وبنو فهر، هم قريش ولا قريش غيرهم.
خبره:
روى
ابن جرير الطبري في (ذكر خبر جلولاء الوقيعة) من حوادث سنة 16هـ
بسنده إلى سيف خبرين، قال في أحدهما:
انّ
سعد بن أبي وقاص بعث ـ بأمر عمر ـ هاشم بن عتبة بن أبي وقاص إلى
جلولاء ومعه اثنا عشر ألف جندي. وعلى ميسرته عمرو بن مالك بن عتبة.
وقال في رواية أُخرى:
بعث
سعد عمرو بن مالك بن عتبة.
وقال فيها:
((وعلى خيل المسلمين يومئذ طليحة بن فلان أحد بني عبدالدار)).
مناقشة
السند:
روى
سيف الرواية الثانية عن عبيد اللّه بن المحفّز، عن أبيه.
مختَلَقٌ يروي عن أبيه المختلَقِ في مجموعة رواة سيف.
نتيجة
البحث:
إعتمد ابن حجر جملة واحدة وردة في رواية سيف بتاريخ ابن جرير الطبري
فحسب طليحة المذكور فيها من الصحابة وترجمه في القسم الاول من صحابته
اعتماداً على قول سيف أنّهم أمَّروه يومئذ على الخيل، وصرَّح
بإستناده إلى ضابطتهم المقرّرة لمعرفة الصحابي، وقال:
((وقد تقدّم مرَّة أنّهم كانوا لا يؤمِّرون في الفتوح إلا
الصَّحابة)).
ثمّ
قال:
((إستدركه ابن فتحون ـ ز)).
إذاً فقد سبق ابن فتحون ابن حجر في عدِّ طليحة من الصحابة، واستدركه
في تذييله على استيعاب ابن عبدالبر.
* * *
إلى
هنا ذكرنا في هذا الباب من مختلقات سيف من حسبوه من الصحابة لانّ
سيفاً ذكر له إمرةً في الفتوح.
صرَّحوا بذلك في بعض تلك التراجم وفي بعض آخر لم يصرِّحوا بإستنادهم
إلى الضابطة المذكورة.
وأحياناً إذا ما وجدوا في الخبر ما يناقض كون الشخص صحابياً حاولوا
أن يجدوا مخرجاً للتناقض كما يظهر ذلك في الترجمة الاتية:
مصادر
البحث:
رواية سيف تأمير هاشم في جلولاء بتاريخ الطبري (1/2456).
ورواية سيف تأمير عمرو بن عتبة وعلى الخيل طليحة في تاريخ الطبري
(1/2461).
ونسب بني عبدالدار في اللباب (2/112)، وجمهرة ابن حزم (12 ـ 13)،
ونسب قريش للزبير بن بكار (250 ـ 256).
وترجمة طليحة في الاصابة (2/226 ق1) الترجمة (4289).
ل ـ
خليد:
في
الاصابة:
((خليد بن منذر بن ساوى العبدي ـ ذكر الطبري أنّ العلاء بن الحضرمي
أمَّره على جماعة ووجّهه في البحر إلى فارس سنة سبع عشرة وكان أبوه
قد مات إثر موت النبيّ (ص).
قلت
وقد تقدّم أنّهم كانوا لا يؤمِّرون إلا الصّحابة فدلّ على أنّ الخليد
وفادة واللّه أعلم)).
نسبه:
المنذر بن ساوى بن الاخنس التميمي الدارمي العبدي الاسبذي.
والعبدي هذه النسبة إلى عبداللّه بن دارم. وأخطأ من ظنّ أنّها نسبة
إلى عبدالقيس.
والاسبذي هذه النسبة إلى الاسبذ قرية بهجر كما في جمهرة ابن حزم
وفتوح البلاذري وفي الاخير:
((ويقال: نسب إلى الاسبذيين وهم قوم كانوا يعبدون الخيل بالبحرين)).
قال
البلاذري في ترجمة البحرين من فتوحه:
في
سنة ثمان وجّه رسول اللّه (ص) العلاء بن عبداللّه بن عماد بن الحضرمي
إلى البحرين ليدعو أهلها إلى الاسلام أو الجزية، وكتب إلى المنذر بن
ساوى وإلى سيبخت مرزبان هجر يدعوهما إلى الاسلام أو الجزية، فأسلما
وأسلم معهما جميع العرب هناك وبعض العجم. فأمّا أهل الارض من المجوس
والنصارى فإنّهم صالحوا العلاء وكتب بينه وبينهم كتاباً.
قال: ومات المنذر بن ساوى بعد وفادة النبيّ بقليل.
* * *
كان
هذا خبر المنذر بن ساوى وقد تخيّل سيف له ولداً سماه خليداً مرادفاً
لاسم خليد بن كأس الذي ولاّه الامام عليّ على خراسان (19).
وأضاف إليه ابن حجر في ترجمته بالاصابة (العبدي) كما كان ينسب إليه
المنذر ابن ساوى.
خبره:
روى
الطبري عن سيف في ذكر حوادث السنة السابعة عشرة، قال: كان العلاء بن
الحضرمي على البحرين وكان يناوئ سعد بن أبي وقاص، فلمّا ظفر سعد في
القادسية وجاء بأعظم ممّا فعله العلاء في حروب الردّة؛ أراد العلاء
أن يصنع شيئاً في حرب الفرس، فندب الناس إلى غزو فارس في البحر،
فأجابوه ففرّقهم أجناداً وجعل على أحدها الجارود بن المعلّى وعلى
الاخر سوّار بن همّام، وعلى الاخر خليد بن منذر بن ساوى، وأمَّر خليد
بن منذر بن ساوى على جميعهم، وحملهم في البحر إلى فارس بغير إذن عمر
ولم ينظر في الطاعة والمعصية، وكان عمر قد نهى عن الغزو في البحر
اتباعاً بسنة رسول اللّه وأبي بكر، وخوف التغرير. فلمّا عبرت الجنود
إلى فارس خرجوا إلى اصطخر (20) وبإزائهم أهل فارس
وعليهم الهربذ فحالت بينهم وبين سفنهم، فقام خليد في الناس فقال:
أمّا بعد فإنّ اللّه إذا قضى أمراً جرت به المقادير حتى تصيبه، وإنّ
هؤلاء القوم لم يزيدوا بما صنعوا على أن دعوكم إلى حربهم، وإنّما
جئتم لمحاربتهم والسفن والارض لمن غلب، فاستعينوا بالصبر والصلاة
وإنّها لكبيرة إلاّ على الخاشعين، فأجابوا إلى ذلك فصلَّوا الظهر ثمّ
ناهدوهم فاقتتلوا قتالاً شديداً في موضع من الارض يدعى (طاووس) وجعل
السوار يرتجز يومئذٍ ويذكر قومه ويقول:
يا آلَ عبد القيس للقـراع
قـد حَفَلَ الامداد بالجِـراع
وكلّهـم في سـننِ المِصاع
يُحسن ضرب القوم بالقطّاع (21)
حتى
قتل وجعل الجارود يرتجز ويقول:
لو كان شـيئاً أمماً أكلتُهُ
أو كان ماء سادماً جَهَرْتُهُ
لكنّ بحراً جاءنا أنكـرته(22)
حتى
قتل، ويومئذٍ ولي عبداللّه بن السوار والمنذر بن الجارود حياتهما إلى
أن ماتا وجعل خليداً يومئذ يرتجز ويقول:
يالَ تميـم اجمعـوا النزول
وكان جيش عمـر يـزول
وكلّكـم يعلـم ما أقــول
انزلوا، فنزلوا فاقتتل القوم، فقتل أهل فارس مقتلة لم يقتلوا مثلها
قبلها، ثمّ خرجوا يريدون البصرة وقد غرقت سفنهم، ثمّ لم يجدوا إلى
الرجوع في البحر سبيلاً ثمّ وجدوا شهرك قد أخذ على المسلمين بالطرق،
فعسكروا وامتنعوا في نشوبهم، ولمّا بلغ عمر الذي صنع العلاء من بعثه
ذلك الجيش في البحر أُلقي في روعه نحوٌ من الذي كان فاشتدّ غضبه على
العلاء وكتب إليه يعزله، وتوعَّده وأمره بأثقل الاشياء عليه وأبغض
الوجود إليه بتأمير سعد عليه، وقال: إلحق بسعد بن أبي وقاص فيمن
قِبَلَكَ. فخرج بمن معه نحو سعد وكتب إلى عتبة بن غزوان أنَّ العلاء
بن الحضرمي حمل جنداً من المسلمين فأقطعهم أهل فارس وعصاني، وأظنّه
لم يرد اللّه بذلك فخشيت عليهم أن لا ينصروا أن يغلبوا وينشبوا،
فاندب إليهم الناس واضممهم إليك من قبل أن يجتاحوا. فندب عتبة الناس
وأخبرهم بكتاب عمر، فانتدب عاصم بن عمرو التميمي والاحنف بن قيس
التميمي وأبو سبرة وغيرهم في اثني عشر ألفاً فخرجوا وعليهم أبو سبرة،
فسار بالناس وساحل بهم حتى التقوا بخليد، فقابلوا المشركين وقد توالى
الامداد على أهل فارس فاقتتلوا، ففتح اللّه على المسلمين وقتل
المشركين، وأصاب المسلمون منهم ماشاءوا فانكفأُوا بما أصابوا، وكان
عتبة كتب إليهم بالحثّ وقلّة العرجة فرجعوا إلى البصرة سالمين.
مناقشة
السند:
روى
سيف هذا الخبر عن:
محمّد والمهلب من مختلقاته من الرواة.
ولخبر سيف السابق تتمة أوردها الحموي بترجمة طاووس قال:
((موضع بنواحي بحر فارس، عن سيف، كان (العلاء (23)
الحضرمي) أرسل إليه جيشاً في البحر من غير إذن عمر فسخط عليه وعزله
وراح إلى الكوفة إلى سعد ابن أبي وقاص لانّه كان يعضده فمات في ذي
قار، وقال خليد بن المنذر في ذلك:
بطاووس ناهبنا الملوك (وخيلنا(24))
عشـيّة شهراك علون الرواسيا
أطاحت جموع الفرس من رأس حالق
تراه كموار السحاب مناغيا
فلا يبعدن اللّه قـوماً تتابعوا
فقد خضبوا يوم اللقاء العواليا(25)
نتيجة البحث:
اختلق سيف هذه المعركة بكل تفاصيلها وكلّ مافيها.
اختلق منافسة الصحابي العلاء بن الحضرمي اليماني لسعد بن أبي وقاص
الصحابي العدناني، وكذّب عليه وافترى.
واختلق انتداب العلاء جيشه، وتعيين قادة عليه وكذب.
واختلق عبور الجيش البحر مع نهي عمر عن ذلك.
واختلق معركة طاووس، واستشهاد أبطال المسلمين فيها.
واختلق أراجيز أُنشدت فيها، والخطبة التي قيلت فيها.
واختلق إدراك عمر الواقعة بظهر الغيب، وإدراكه سببها.
واختلق تأنيب عمر العلاء من أجله، وعزله، وتأمير سعد عليه.
واختلق انتداب عمر بن غزوان لانجادهم، وإرسال عتبة اثني عشر ألفاً
لانجادهم.
واختلق المعركة التي وقعت بعدها.
اختلق هذه كلّها، واختلق القائد التميمي خليد بن المنذر الذي قاد
المسلمين فيها.
واختلق الارض (طاووس) بفارس التي وقعت المعركة عليها.
واختلق الراويين اللَّذين روى الاسطورة عنهما.
اختلق، ثمّ اختلق، ثمّ اختلق!!
فبماذا حقَّق سيف من أهدافه في ما اختلق.
أ ـ
وصم الصحابي القحطاني العلاء الحضرمي بالرياء والحسد،
ومعصية الخليفة، وبذلك شوّه جهاده في ماسبق في الردّة والفتوح.
ب ـ
أضاف إلى أمجاد تميم مجدّاً في ما اخترع للبطل الاسطوري من إقدام
وشعر ينوِّه فيه باسم قبيلته.
ج ـ
شوّش على المسلمين تاريخهم، وأضاف إلى الحروب التي نسبها إليهم أنّهم
أراقوا فيها الدماء حرباً أُخرى وذلك بدافع ما اتهم به من الزندقة.
اعتمد رواياته أمام المؤرّخين الطبري في تاريخه:
ومن
تاريخه أخذ كلُّ من ابن الاثير وابن كثير وابن خلدون في تواريخهم.
واعتمد رواياته الحموي فترجم طاووس في معجم البلدان.
والحميري فترجم طاووس في الروض المعطار.
ومن
الحموي نقل عبدالمؤمن ترجمة طاووس في مراصد الاطلاع.
واعتمدها ابن حجر وترجم خليداً في عداد الصحابة بالاصابة.
مشكلة
يحلّها ابن حجر:
لمّا كان المنذر بن ساوى ممّن عاش في البحرين ومات فيها وكان سيف قد
تخيّل خليداً ابنه وتخيّل أنّ العلاء جهّز جيشاً من البحرين وأمَّر
عليه خليد من البحرين وهذا يناقض اعتبار خليد من الصحابة لانّ
الصحابي من صحب النبيّ في المدينة، لهذا حاول ابن حجر أن يجد مخرجاً
لهذا التناقض، فقال بعد قوله: ((وقد تقدّم أنّهم كانوا لا يؤمِّرون
إلاّ الصحابة فدلَّ على أنَّ للخليد وفادة واللّه أعلم)).
وبيان ذلك:
إنّ العلاّمة ابن حجر لمّا استنتج من رواية سيف ((أنّهم أمَّروا خليد
بن المنذر في واقعة طاووس)) أنَّ خليداً كان من أصحاب النبيّ وفق
ضابطتهم ((أنّهم كانوا لا يؤمِّرون إلاّ الصحابة)).
وكون خليد بن المنذر ممّن صحب النبيّ في المدينة يناقض كونه من
سكّان البحرين وأنّه منها أمَّر على الجيش حسب رواية سيف، لهذا بحث
ابن حجر عن مخرج لهذا التناقض فوجده في أن يرى أنّ خليداً وفد من
البحرين إلى النبيّ في المدينة واكتسب بذلك صحبة رسول، ثمّ رجع إلى
البحرين ومن هناك أمَّر على الجيش، وهذا ماقصده بقوله: ((فدلّ على
أنّ للخليد وفادة)) يعني تأميره على الجيش دلّ على أنّه له وفادة إلى
الرسول أكسبته صحبته وعاد بعدها إلى البحرين.
وإنَّ هذا التحقيق العجيب من ابن حجر يرينا مدى (تثبّت) العلماء
الماضين (ره) في مايكتبون.
* * *
نختم بهذه الترجمة في هذا الباب إيراد تراجم مختلقات سيف من الصحابة
الذين اعتمدوا في ترجمتهم قول سيف ((انّهم أمّروه في الفتوح))
وذكروهم في عداد الصحابة، ونورد فيما يأتي من هذا الباب صنفاً آخر من
مختلقات سيف من الصحابة إن شاء اللّه.
مصادر
البحث:
ترجمة خليد في الاصابة (1/450 ق1) الترجمة (2285).
ونسب المنذر في جمهرة ابن حزم (232)، وفتوح البلاذري (95 ـ 101)
وفيه عبادة الاسبذيين للخيل، وكذلك في ترجمة المنذر في الاصابة
(3/493).
ورواية سيف عن خليد في تاريخ الطبري (1/2545 ـ 2548)، وفي باب غزو
فارس من البحر أو من البحرين عند ابن الاثير (2/419 ـ 421)، وابن
كثير (7/83 ـ 85)، وابن خلدون (2/340 ـ 341).
ومادة طاووس بمعجم البلدان ط. أوروبا (3/494)، ومراصد الاطلاع،
والروض المعطار للحميري.
وخبر خليد بن كاس في صفين (ص15)، والاخبار الطوال (153 ـ 154).
13 أوردنا نسب بني والبة بطوله ها هنا ـ في مقدمة
ترجمة اثنين من صحابة سيف المختلقين ـ ليكون مثلا على مايذكر علماء
التراجم أمثال ابن عبد البر وابن الاثير وابن حجر من سلسلة أنساب بعض
من يترجمونه في صدر الترجمة. وليعلم أنّ ذكر النسب بطوله لايدل على
صحة وجود صاحب الترجمة.
14 أرمثوا: يشير سيف به الى اليوم الذي سماه
الارماث في القادسية.
15 أقعى: جلس على استه ونصب فخذيه.
16 نزق الفرس: ضربه حتى ينزو وينزق.
17 العقيق في معجم البلدان: ((العرب تقول لكل مسيل
ماء شقّه السيل في الارض فأنهره ووسّعه: عقيق)).ثم ذكر الاعقة في
بلاد العرب وليس فيها ما ذكره سيف هنا، وعلى هذا فلنا أن نحسب العقيق
هذا من مختلقات سيف من الامكنة.
18 راجع أنساب الاشراف للبلاذري (5 / 25 ـ 81).
19 بما انّ اسم خليد وخبر توليته خراسان ورد في
كتاب صفين لابن مزاحم ولم يذكر اسم أبيه أشرنا الى خبره دفعا
للالتباس بينه وبين مختلق سيف صاحب الترجمة.
20 اصطخر: من أقدم مدن ايران بينها وبين شيراز
اثنا عشر فرسخا وهي في كورة اصطخر معجم البلدان.
21 (القراع): مضاربة الابطان بعضهم بعضا،
و(الجراع) جمع الجرعة: الارض ذات الحزونة تشاكل الرمل، و(المصاع) من
صاع القوم: حمل بعضهم على بعض وصاع الاقران: أتاهم من نواحيهم،
و(القطاع): صفة للسيف.
22 (الامم): القريب واليسير والقصد الوسط،
و(السادم): الماء المتغير لطول عهده، و(جهر البئر): نقاها وأخرج
مافيها من الحمأة.
23 في الاصل (للغلاب) تصحيف.
24 وفي ط. أوربا و(جيلنا) تصحيف.
25 (عشية شهراك): يقصد بها ليلة تخيّل أنّهم
حاربوا فيها شهرك. و(الرواسي): الجبال الثوابت و(رأس حالق): رأس جبل
منيف لا نبت فيه، و(العوالي): رؤوس القنوات.