قادة الفتُـوح ـ المقدّمة
بيان
ضابطتهم في معرفة كون الشخص صحابياً.
وبطلانها
مصادر
قادة
الفتـوح:
نورد في هذا الباب من مختلقات سيف من عُدَّ من الصحابة استناداً إلى
ورود اسمه في روايات سيف أميراً في الفتوح. قال ابن حجر في الفصل
الاول من مقدمة الاصابة: ((في تعريف الصحابي)).
((وممّا جاء عن الائمة من الاقوال المجملة في الصفة التي يعرف بها
كون الرجل صحابياً ـ وإن لم يرد التنصيص على ذلك ـ ما أورده ابن أبي
شيبة في مصنفه(47) من طريق لا بأس به: انّهم كانوا
في الفتوح لا يؤمِّرون إلاّالصحابة))(48).
وقال في الفصل الثاني منه: ((في الطريق إلى معرفة كون الشخص صحابياً
ضابط يستفاد من معرفته صحبة جمع كثير يكتفى فيهم بوصف يتضمّن أنّهم
صحابة مأخوذ من ثلاثة اثار:
الاول: أخرج: ... (49) من طريق ... (50)
قال: كانوا لا يؤمِّرون في المغازي إلاّالصحابة فمن تتبّع الاخبار
الواردة في المغازي والفتوح، وجد من ذلك شيئاً كثيراً وهم من القسم
الاول))(51) انتهى.
* * *
بحثنا عن مصدر الخبر الذي نقله ابن حجر عن ابن أبي شيبة، وتمسَّك هو
وغيره من مترجمي الصحابة في معرفة كون الشخص صحابياً؛ فلم نجده إلاّ
في روايات سيف. كما وردت بتاريخ الطبري وتاريخ ابن عساكر، قال سيف:
((وكانت الرؤساء تكون من الصحابة حتى لا يجدون من يحتمل ذلك))(52).
وفي
رواية أخرى له في تاريخ الطبري:
عن
عمرو بن محمّد، عن الشعبي، قال:
كتب
أبو بكر إلى خالد بن الوليد وعياض بن غنم ـ لمّا أرسلهما إلى العراق
ـ.
((أن استنفروا من قاتل من أهل الردّة ومن ثبت على الاسلام بعد رسول
اللّه (ص) ولا يغزونَّ معكم أحد ارتدَّ حتى أرى رأيي. فلم يشهد
الايام مرتدُّ))(53).
وفي
ثالثة ـ أيضاً ـ في تاريخ الطبري بسند سيف السابق:
((كان أبو بكر لا يستعين في حربه بأحد من أهل الردّة حتى مات، وكان
عمر قد استعان بهم فكان لا يؤمِّر منهم أحداً إلاّ على النفر وما دون
ذلك، وكان لا يعدل أن يؤمِّر الصحابة...)) الحديث (54).
وفي
رابعة عن سيف قال:
((وقالوا جميعاً لا يستعين أبو بكر في الردّة ولا على الاعاجم
بمرتدّ واستنفرهم ولم يولِّ منهم أحداً))(55).
* * *
هكذا روى سيف في روايات متعددة. ويناقض ماذكر خبر تأمير عمر امرأ
القيس قبل أن يصلِّي للّه ركعة واحدة ـ كما في الاغاني، قال ـ:
((أسلم امرؤ القيس على يد عمر، وولاّه قبل أن يصلِّي للّه ركعة
واحدة))(56).
وتفصيل الخبر في رواية بعدها عن عوف بن خارجة المرّي قال:
((واللّه إنّي لعند عمر بن الخطاب (رض) في خلافته إذا أقبل رجل أفجح
أجلح أمعر (57) يتخطى رقاب الناس حتى قام بين يدي
عمر فحيّاه بتحيّة الخلافة.
فقال له عمر: فمن أنت؟.
قال: أنا أمرؤ نصراني، أنا امرؤ القيس بن عدي الكلبي، فعرفه عمر،
فقال له: فما تريد؟.
قال: الاسلام.
فعرضه عليه عمر، فقبله ثمّ دعا له برمح فعقد له على من أسلم بالشام
من قضاعة (58) فأدبر الشيخ واللواء يهتز على
رأسه...) الحديث (59).
ويخالفه ـ أيضاً ـ ما في قصة تأمير علقمة بن علاثة الكلبي بعد
ارتداده، وقصّته كما في الاغاني والاصابة (60)
بترجمته مايلي:
أسلم علقمة على عهد رسول اللّه وأدرك صحبته، ثمّ ارتدَّ على عهد أبي
بكر فبعث أبو بكر إليه خالداً ففرّ منه.
قالوا ثمّ رجع فأسلم.
وفي
الاصابة:
شرب
الخمر على عهد عمر فحدّه فارتدّ ولحق بالروم فأكرمه ملك الروم، قال
له: أنت ابن عمّ عامر بن الطفيل، فغضب وقال: لا أراني أعرف إلاّ
بعامر(61) فرجع وأسلم.
وفي
الاغاني والاصابة واللفظ للاول:
لمّا قدم علقمة بن علاثة المدينة وكان قد ارتدّ عن الاسلام، وكان
لخالد بن الوليد صديقاً، فلقيه عمر بن الخطاب (رض) في المسجد في جوف
الليل وكان عمر (رض) يشبه بخالد فسلّم عليه وظنّ أنّه خالد.
فقال له: عَزَلك؟.
قال: كان ذلك.
قال: واللّه ماهو إلاّ نفاسة عليك وحسداً لك.
فقال له عمر: فما عندك معونة على ذلك؟.
قال: معاذ اللّه، انّ لعمر علينا سمعاً وطاعة ومانخرج إلى خلافه.
فلمّا أصبح عمر (رض) أذّن للناس فدخل خالد وعلقمة.
فجلس علقمة إلى جنب خالد، فالتفت عمر إلى علقمة فقال له:
ـ
ايه يا علقمة! أنت القائل لخالد ما قلت؟.
فالتفت علقمة إلى خالد، فقال:
يا
أبا سليمان أفعلتها؟.
قال: ويحك! واللّه ما لقيتك قبل ما ترى، وانّي أراك لقيت الرجل.
قال: أراه واللّه.
ثمّ
التفت إلى عمر (رض) فقال:
ـ
يا أمير المؤمنين! ماسمعت إلاّ خيراً.
قال: أجل، فهل لك أن أوليك حوران (62).
قال: نعم.
فولاّه إيّاها فمات بها، فقال الخطيئة يرثيه... الحديث.
وزاد في الاصابة:
فقال عمر: لان يكون من ورائي على مثل رأيك أحبّ إليّ من كذا وكذا.
نتيجة
البحث المقارن:
نقلوا عن ابن شيبة أنّه روى من طريق لا بأس به أنّهم كانوا لا
يؤمِّرون في الفتوح إلاّ الصحابة، ولم يصفوا طريقه بالصحّة ولا
بالحسن؛ بل بما دونهما أي بـ(لا بأس به).
ورأينا سيفاً يقول:
((كان الرؤساء تكون من الصحابة)).
((وأنَّ أبا بكر لم يستعن في حروبه بمرتدّ ونهى أن يغزوا بمرتد، ولم
يشهد الايام مرتد)).
((وانّ عمر استعان بهم ولم يؤمِّرهم إلاّ على النفر، وكان لا يعدل
أن يؤمِّر الصحابة)).
ويقال النفر: لثلاثة رجال إلى عشرة أو سبعة.
هذا
ما قالوا، غير انّا وجدنا الخليفة يؤمِّر علقمة ـ الذي كان قد ارتدَّ
ـ على حوران، وكانت أُمراء البلاد الشامية يومذاك أُمراء على أجناد
تلك البلاد فجند الشام له أمير، وجند فلسطين له أمير، وجند قنسرين له
أمير وهكذا. وكان أمير جند كلّ بلد يؤمُّهم في الصلاة، ويغزو بهم في
الجهاد، ويفصل بينهم في الخصومات، ويحكمهم في السلم، ويقودهم في
الحرب.
ووجدنا الخليفة ـ أيضاً ـ يعقد اللواء لنصراني أسلم قبل أن يصلّي
للّه ركعة واحدة، وعَقْد اللواء على القبائل كان من أجل الحرب خاصة،
فإنّ تنظيمات الجيش يومذاك كانت تجري على أساس قبلي وكان ذلك جارياً
كذلك حتى حرب صفين وواقعة الطف بل وبعدهما.
وعلى هذا فإنّ الخليفة أَمرَّ امرأ القيس على قبائل قضاعة، وكان
امرؤ القيس من كلب وكلب من قبائل قضاعة أمرّه عليهم ليقودهم في ساحات
الجهاد في الجبهات الغربية.
إذاً فإنّ ضابطة علماء التراجم لمعرفة كون الشخص صحابياً باطلة لضعف
سندها، ومجانبتها للحق، ومع ذلك فإنَّ العلماء استندوا إلى هذا
الاساس الواهي وترجموا العشرات والمئات في عداد الصحابة.
ونورد على سبيل المثال في الابواب الاتية تراجم صحابة اختلقهم سيف،
خاصة قادةً للفتوح، واختلق لهم أخباراً وزَّعها على روايات متعددة من
موضوعاته إخفاء منه لمعالم الجرم، وتمويهاً على العلمأ، ولم يخيِّب
العلمأ ظنّه، بل اعتمدوا رواياته، وترجموا مختلقاته في عداد الصحابة.
ونبدأ في ما يلي بإيراد تراجم من تخيّلهم سيف مع سعد بن أبي وقاص في
فتوح العراق.
47 أبو بكر عبد الله بن محمد بن ابراهيم بن عثمان
بن أبي شيبة الكوفي العبسي (235 هـ) صدر من مصنّفه ثلاثة أجزاء ط.
حيدر آباد.
48 الاصابة (1 / 13).
49 هكذا بياض في جميع الاصول ونرى أن العبارة
كانت هكذا (أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه من طريق لابأس به) كما مرّ
آنفا وتأتي الاشارة اليه في ترجمة بشر بن عبد الله ـأيضاـ.
50 هكذا بياض في جميع الاصول ونرى أن العبارة
كانت هكذا (أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه من طريق لابأس به) كما مرّ
آنفا وتأتي الاشارة اليه في ترجمة بشر بن عبد الله ـأيضاـ.
51 الاصابة (1 / 16).
52 الطبري في حوادث سنة 13 هـ (1 / 2151)،
وتاريخ ابن عساكر (1 / 514).
53 تاريخ الطبري (1 / 2020 ـ 2021).
54 الطبري (1 / 2457 ـ 2458).
55 الطبري (1 / 2225).
56 الاغاني ط. ساسي (14 / 157)، وأوجزه ابن
حزم في جمهرة الانساب (457).
57 الافجح: من تدانب صدور قدميه وتباعد
عقباه. والاجلح: الذي انحسر شعره عن جانبي رأسه. والامعر: القليل
الشعر.
58 قضاعة قبائل كبيرة، منهم قبائل حيدان
وبهراء وبلى وجهينة، ترجمتهم في جمهرة أنساب ابن حزم (440 - 460)
وكانت ديارهم في الشحر ثم في نجران ثم في الشام فكان لهم ملك مابين
الشام والحجاز الى العراق، راجع مادة قضاعة، معجم قبائل العرب (2 /
957).
59 الاغاني ط. ساسي (14 / 158).
60 ترجمته في الاصابة (2 / 496 ـ 498)، وفي
الاغاني ط. ساسي (15 / 56). وقصة تنافر علقمة وعامر أيضا في الاغاني
(15 / 50 ـ 55)، وفي جمهرة ابن حزم (284) ونسب قضاعة في جمهرة ابن
حزم (440 ـ 462).
61 وقعت منافرة بين علقمة وعامر ذكرها
الاخباريون: قال في الاغاني ط. ساسي (15 / 50): ان علقمة كان قاعدا
ذات يوم يبول، فبصر به عامر فقال لم أر كاليوم عورة رجل أقبح....
فقال علقمة: أما واللّه ما وثبت على جاراتها ولاتنازل كناتها،
يعرض بعامر.
فقال عامل: واللّه لانا أكرم منك حسبا وأثبت منك نسبا.
فقال علقمة: لانا خير منك ليلا ونهارا.
فقال عامر: لانا أحبّ الى نسائك... الى آخر القصة في الاغاني.
وترجمة علقمة في الاصابة ولذلك أنف علقمة من أن يكرم على أنّه
ابن عم عامر ويشتهر ذلك عنه.
62 حوران: كورة واسعة من أعمال دمشق ذات قرى
كثيرة ومزارع ـ معجم البلدان (2/358).