صـحابةأسماؤهم مترادفة
47
ـ خزيمة غير ذي الشهادتين.
48 ـ
سماك بن خرشة ليس بأبي دجانة.
خزيمة
بن ثابت:
من
مختلقات سيف في الصحابة من وضع لهم أسماء مرادفة لاسماء صحابة
حقيقيين، ووضع لهم أساطير من مخترعاته، فغمّ أمرهم على المؤرّخين
والتبس وذلك كخزيمة بن ثابت الانصاري.
فقد
كان في الصحابة أنصاري اسمه خزيمة بن ثابت الاوسي؛ شهد مع رسول اللّه
(ص) بدراً وما بعدها(19) ، وقيل شهد أحداً وما
بعدها، ولقّب خزيمة هذا (بذي الشهادتين) لقصة أجمع عليها المؤرّخون
وقالوا: (20) إنّ النبيّ ابتاع فرساً من أعرابي
اسمه ـ كما في أُسد الغابة ـ سواء بن قيس المحاربي (21)
فاستتبعه النبيّ ليقضي ثمن فرسه فأسرع النبيّ (ص) المشي وأبطأ
الاعرابي، واعترض الاعرابي رجال يساومونه بالفرس ولا يشعرون أنّ
النبيّ (ص) قد ابتاعه، حتّى زاد بعضهم الاعرابي في ثمن الفرس، فنادى
الاعرابي النبيّ (ص) وقال: ان كنت مبتاعاً هذا الفرس فابتعه وإلاّ
بعته. فقام النبيّ وقال: ((أو ليس قد ابتعته منه؟)) فقال الاعرابي:
لا واللّه مابعتك. قال النبيّ (ص): ((بلى قد ابتعته منك)). فاجتمع
الناس عليهما وهما يتراجعان، فجعل الاعرابي يقول هلم شهيداً يشهد
أنّي بعتك، فمن جاء من المسلمين قال للاعرابي: ويلك! إنَّ النبيّ لم
يكن يقول إلاّ حقّاً، حتّى جاءهم خزيمة فاستمع لمراجعة النبيّ
والاعرابي، وسمع الاعرابي يقول: هلمَّ شهيداً يشهد أنّي بايعتك؟ فقال
خزيمة: أنا أشهد أنّك قد بايعته. فقال له النبيّ: ((ماحملك على
الشهادة ولم تكن معنا حاضراً؟)) فقال: صدَّقتُ بما جئتَ به، وعلمت
أنك لاتقول إلاّ حقّاً. وفي رواية قال: أنا أصدّقك بخبر السماء ولا
أصدّقك بما تقول. فقال رسول اللّه (ص): ((من شهد خزيمة، أو شهد له
عليه فهو حسبه))(22).
وكان هذا سبب تلقيب خزيمة بذي الشهادتين، وأصبحت شهادته بعد هذا
تعدل شهادة رجلين، حتّى إذا أراد الخليفة عمر أن يجمع القرآن قال: من
كان تلقى من رسول اللّه (ص) شيئاً من القرآن فليأتنا به، وكانوا
كتبوا ذلك في الصحف والالواح والعسب(23)، وكان لا
يقبل شيئاً من ذلك حتّى يشهد عليه شهيدان(24) ،
فجاءهم خزيمة بآية: (مِنَ المؤمنينِ رجالٌ صدقوا ماعاهدوا اللّه
عليه...)(25) ((واكتفى الخليفة بشهادته عليها
وقال: لا أسألك عليها شاهداً غيرك))(26).
وأصبحت هذه الميزة لخزيمة مدعاة فخز لقبيلة الاوس حتّى إذا ما تفاخر
الحيّان الاوس والخزرج، قال الاوس ((... ومنّا من جعل رسول اللّه (ص)
شهادته بشهادة رجلين خزيمة))(27).
استشهد خزيمة هذا تحت راية عليّ بصفّين سنة سبع وثلاثين، قال
المؤرّخون في بيان وفاته: شهد خزيمة مع عليّ الجمل وصفّين كافّاً
سلاحه وهو يقول: لا أقاتل حتّى يقتل عمّار فأنظر من يقتله، فإنّي
سمعت رسول اللّه (ص) يقول ((تقتله الفئة الباغية)) فلمّا قتل عمّار
قال خزيمة: قد بانت لي الضلالة، ثمّ اقترب فقاتل حتّى قتل (28).
هذا
هو الصحابي خزيمة ذو الشهادتين، وكان في قصّة استشهاده منقصة مزدوجة
لبني أمية: قتلهم ايّاه، وهو ذو الشهادتين ومن مشاهير أصحاب رسول
اللّه (ص) ومن مفاخر الاوس، وأخرى شهادته بأنّ عمّاراً قتيل الفئة
الباغية وشهادته بضلالة من قتله. أيسكت سيف عن هذه الفضيلة لعمّار،
وهو الّذي أجهد نفسه في سبيل تسفيهه والافتراء عليه (29)
وذلك لموقفه من بني أمية. أيسكت سيف عن هذه المنقصة المزدوجة لبني
أمية وهو الّذي يحتطب في حبالهم. ويدافع عن آثامهم، كلاّ! إنّ سيفاً
لا يسكت عنها وإنّما يعالجها بما اختلق.
اختلق صحابياً آخر باسم خزيمة بن ثابت ليكون هو المقتول في صفّين
بسيوف أمية وليس الصحابي ذا الشهادتين، ووضع من الحديث ما أخرجه
الطبري في تاريخه عن سيف عن محمّد وطلحة أنّ عليّاً لمّا رأى من أهل
المدينة ما لم يرض، جمع وجوه أهل المدينة وخطب فيهم وطلب منهم أن
ينصروه قال:
((فأجابه منهم رجلان من أعلام الانصار: أبو الهيثم بن التيهان ـ وهو
يدري ـ وخزيمة بن ثابت وليس بذي الشهادتين، مات ذو الشهادتين زمان
عثمان).
وروى بعدها عن محمّد ـ وقيل هو العرزمي ـ عن عبيد اللّه عن الحكم
وهو ابن عتيبة ـ قال: قيل له: أشهد خزيمة ذو الشهادتين ((الجمل))؟
قال: ليس به، ولكنّه غيره من الانصار، مات ذو الشهادتين في زمان
عثمان وعزّز هاتين الروايتين بأخريين عن الشعبي، روى في أولاهما عن
مجالد ((انّ الشعبي قال: باللّه الّذي لا إله إلاّ هو، مانهض في تلك
الفتنة إلاّ ستة بدريين ما لهم سابع أو سبعة ما لهم ثامن)).
وفي
الثانية عن عمرو بن محمّد، عن الشعبي قال: (باللّه الّذي لا إله إلاّ
هو، مانهض في ذلك الامر إلاّ ستة بدريين ما لهم سابع. فقلت اختلفتما
ـ القائل سيف ـ قال: ((لم نختلف إنّ الشعبي شكّ في أبي أيّوب، أخرج
حيث أرسلته أم سلمة إلى عليّ بعد صفين أو لم يخرج! إلاّ أنّه قدم
عليه وعليّ يومئذ بالنهروان، وأكّد سيف ماحدّث به سابقاً في خامسة
حيث قال فيها ((انّ زياد بن حنظلة(30) لمّا رأى
تثاقل الناس عن عليّ ابتدر إليه وقال: من تثاقل عنك، فإنّا نخفُّ معك
ونقاتل دونك(31))).
مناقشة
السند:
روى
سيف الحديث الاول عن محمّد وطلحة ومتى جمع بينهما (32)
فمحمّد عنده ابن عبداللّه بن سواد بن نويرة وهو من مختلقاته من
الرواة.
وطلحة عنده ابن الاعلم الحنفي ذكروا بهذا الاسم (33)
راوياً كان يسكن قرية جيان من قرى الري ولست أدري هل رآه سيف وهو
يسكن الكوفة من العراق أم وضع الحديث عن لسانه دون أن يراه؟!.
والحديث الثاني يرويه عن العرزمي وهو محمّد بن عبيد اللّه بن أبي
سليمان، عن أبيه، عن الحكم بن عتيبة.
ومحمّد عندهم ضعيف متروك الحديث (34) ولعلّ سبب
ضعفه ماروى عنه سيف من الموضوعات.
والحكم عندهم اثنان: أحدهما قاض بالكوفة والاخر من شيوخ الحديث(35).
ولست أدري هل أدركهم سيف ورآهم ووضع عن لسانهم الحديث أم روى عنهم
دون أن يراهم.
وأياً ما كان الامر فليس لنا أن نحملهم وزر كذب سيف بعد تفرّده
بالرواية عنهم.
والرواية الخامسة رواها عن عبداللّه بن سعيد بن ثابت، عن رجل.
وعبداللّه بن سعيد من مختلقاته من الرواة.
ومن
ذا يكون (الرجل) الّذي روى عنه سيف لنبحث عنه؟؟.
مقارنة الخبر:
يهدف سيف في رواياته الخمس أن يشهر تخلّف أهل المدينة وخاصة
المهاجرين والانصار عن المسير في جيش الامام وكرههم الاشتراك في تلك
الحروب ويؤكّد بيمين غموس (36) عدم مشاركة
البدريين فيها إلاّ ستة أو سبعة ويعجبني من سيف هذا التحرّز من
الوقوع في الكذب عندما يردّد العدد بين ستة أو سبعة ومايخترع لتبرير
الاختلاف من قصة أبي أيّوب. ولا بُدَّ لنا في كشف الحقيقة من مقارنة
خبر سيف بأخبار غيره في مواقف الصحابة مع الامام في حروبه وخاصة
خزيمة ذا الشهادتين.
موقف خزيمة وغيره من الصحابة مع الامام في رواية غير سيف:
أ ـ
في بيعة الامام.
قال
اليعقوبي في تاريخه (37):
لمّا بويع عليّ قام قوم من الانصار فتكلَّموا... ثمّ قام خزيمة بن
ثابت الانصاري وهو ذو الشهادتين، فقال: يا أمير المؤمنين ما أصبنا
لامرنا هذا غيرك، ولا كان المنقلب إلاّ إليك، ولئن صدقنا أنفسنا فيك،
فلانت أقدم الناس إيماناً وأعلم الناس باللّه وأولى المؤمنين برسول
اللّه لك مالهم، وليس لهم مالك... الحديث.
ب ـ
موقف أهل المدينة من حرب الجمل وفيهم خزيمة:
قال
ابن أعثم (38) في فتوحه: لمّا بلغ عليّاً مسيرُ
عائشة من مكة إلى البصرة نادى أصحابه فجمعهم، ثمّ قال:
((أيّها الناس انّ اللّه تبارك وتعالى بعث كتاباً ناطقاً لا يهلك
عنه إلاّ هالك، وإنّ المبتدعات المشتبهات هنّ المهلكات المرديات إلاّ
من حفظ اللّه وإن في سلطان اللّه عصمة أمركم؛ فأعطوه طاعتكم. ألا
وتهيّأوا لقتال الفرقة الذين يريدون تفريق جماعتكم، فلعلّ اللّه
تعالى يصلح بكم ما أفسد أهل الشقاق، ألا إنّ طلحة والزبير قد تمالا
عليّ بسخط أقاربي، ودعوا الناس إلى مخالفتي، وأنا سائر إليهم
ومنابذهم
حتّى
يحكم اللّه بيني وبينهم. والسلام)).
قال: فأجابه الناس ـ الحديث.
ج ـ
خزيمة يوم الجمل.
قال
المسعودي (39) وأعطى على الراية ابنه محمّداً يوم
الجمل وأمره أن يحمل فأبطأ محمّد بحملته فأتاه عليّ وأخذ الراية وحمل
عليهم.
قال
ثمّ جاء ذو الشهادتين خزيمة بن ثابت إلى عليّ فقال: يا أمير
المؤمنين! لا تنكس اليوم رأس محمّد واردد عليه الراية. فدعا به وردّ
عليه الراية.
د ـ
عدد البدريين وغيرهم من الصحابة يوم الجمل:
روى
الذهبي عن سعيد بن جبير قال:
كان
مع عليّ يوم الجمل ثمانمائة من الانصار وسبعمائة ممّن شهد بيعة
الرضوان(40) .
وروى عن السدّي، قال:
شهد
مع عليّ يوم الجمل مائة وثلاثون بدرياً(41).
ه
ـ موقف الصحابة مع الامام بصفّين:
روى
نصر بن مزاحم في صفين (42) قال:
لمّا أراد عليّ المسير إلى أهل الشام دعا إليه من كان معه من
المهاجرين والانصار فحمد اللّه وأثنى عليه وقال:
((أمّا بعد: فانّكم ميامين الرأي، مراجيح الحلم، مقاويل بالحقّ،
مباركو الفعل والامر، وقد أردنا المسير إلى عدونا وعدوّكم فأشيروا
علينا برأيكم)).
فقام هاشم بن عتبة بن أبي وقاص فحمد اللّه وأثنى عليه بما هو أهله،
ثمّ قال:
((أمّا بعد يا أمير المؤمنين: فأنا بالقوم جدّ خبير. هم لك ولاشياعك
أعداء وهم لمن يطلب حرث الدنيا أولياء، وهم مقاتلوك ومجاهدوك لا
يبقون جهداً، مشاحة على الدنيا، وضنّاً بما في أيديهم منها، وليس لهم
أربة غيرها إلاّ ما يخدعون به الجُهّال من الطلب بدم عثمان بن عفان،
كذّبوا ليس بدمه يثأرون ولكن الدنيا يطلبون، فسر بنا إليهم فإن
أجابوا إلى الحقّ فليس بعد الحقّ إلاّ الضلال، وإن أبوا إلاّ الشقاق
فذلك الظن بهم واللّه ما أراهم يبايعون وفيهم أحد ممَّن يُطاع إذا
نهى ويُسمع إذا أمر)).
وقام عمّار بن ياسر فذكر اللّه بما هو أهله، وحمده، وقال:
((يا أمير المؤمنين: ان استطعت ألاّ تقيم يوماً واحداً فافعل أشخص
بنا قبل استعار نار الفجرة واجتماع رأيهم على الصدود والفرقة، وادعهم
إلى رشدهم، وحُضَّهم، فإن قبلوا سُعِدوا، وإن أبوا إلاّ حربنا
فواللّه إنَّ سفك دمائهم والجد في جهادهم لقربة عند اللّه وهو كرامة
منه)).
ثمّ
قام قيس بن سعد بن عبادة فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال:
((يا أمير المؤمنين! إنكمش بنا إلى عدوّنا ولا تعرِّج، فواللّه
لجهادهمم أحبّ إليَّ من جهاد الترك والروم؛ لادهانهم في دين اللّه،
واستذلالهم أولياء اللّه من أصحاب محمّد (ص) من المهاجرين والانصار
والتابعين بإحسان، إذا غضبوا على رجل حبسوه أو ضربوه أو حرموه أو
سيّروه، وفيئنا لهم في أنفسهم حلال ونحن لهم فيما يزعمون قطين ـ يعني
رقيق ـ)).
فقال أشياخ الانصار (منهم خزيمة بن ثابت، وأبو أيوب الانصاري
وغيرهما):
لِمَ
تقدَّمتَ أشياخ قومك وبدأتهم يا قيس في الكلام؟ فقال: أما إنّي عارف
بفضلكم، معظّم لشأنكم، ولكنّي وجدت في نفسي الظغن الّذي جاش في
صدوركم حين ذكرت الاحزاب.
فقال بعضهم لبعض: ليقم رجل منكم فليجب أمير المؤمنين عن جماعتكم،
فقالوا: قم يا سهل بن حنيف! فقام سهل فحمد اللّه وأثنى عليه ثمّ قال:
((يا أمير المؤمنين، نحن سلمُ لمن سالمت، وحربُ لمن حاربت، ورأينا
رأيك ونحن كفّ يمينك، وقد رأينا أن تقوم بهذا الامر في أهل الكوفة
فتأمرهم بالشخوص وتخبرهم بما صنع اللّه لهم في ذلك من الفضل، فإنّهم
هم أهل البلد وهم الناس، فإن استقاموا لك استقامَ لك الّذي تريد
وتطلب. وأمّا نحن فليس عليك منّا خلاف، متى دعوتنا أجبناك ومتى
أمرتنا أطعناك)).
وقال اليعقوبي (43):
كان
مع عليّ يوم صفين من أهل بدر سبعون رجلاً وممّن بايع تحت الشجرة
سبعمائة رجل ومن سائر المهاجرين والانصار أربعمائة رجل ولم يكن مع
معاوية من الانصار إلاّ النعمان بن بشير ومسلمة بن مخلد.
قال
المسعودي (44):
((قتل من أهل العراق خمسة وعشرون ألفاً فيهم خمسة وعشرون بدرياً)).
كانت تلكم مواقف الصحابة وآراؤهم في تلك الحروب. أمّا تفصيل قتل
خزيمة فكما يلي:
في
ترجمته بطبقات ابن سعد(45) لمّا قتل عمّار دخل
خزيمة بن ثابت فسطاطه وطرح عليه سلاحه وشنّ عليه الماء فاغتسل ثمّ
قاتل حتّى قتل. وفي الموضّح للخطيب (46) عن
عبدالرحمـن بن أبي ليلى قال:
كنت
بصفين فرأيت رجلاً راكباً متلثماً قد أخرج لحيته من تحت عمامته (47)
فرأيته يقاتل الناس قتالاً شديداً يميناً وشمالاً، فقلت يا شيخ
أتقاتل الناس يميناً وشمالاً، فحسر عن عمامته ثمّ قال: سمعت رسول
اللّه (ص) يقول: ((قاتل مع عليّ وقاتل)) وأنا خزيمة بن ثابت الانصاري
(48).
وذكر نصر بن مزاحم (49) في أرجاز يوم صفين أنّ
خزيمة حمل وهو يقول:
قد مرّ يومان وهذا الثالث
هذا الّذي يلهث فيه اللاهث
هذا الّذي يبحث فيه الباحث
كم ذا يُرجى أن يعيش الماكث
الناس موروث ومنـهم وارث
هذا عليّ مَنْ عَصاه ناكث
وقال (50) في وقعة يوم الخميس:
وقتل في هذا اليوم خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وقالت ضبيعة ابنة
خزيمة ابن ثابت ترثي أباها ذا الشهادتين:
عيـن جودي على خزيمة بالدمــــع
قتيل الاحزاب يوم الفرات
قتـلوا ذا الشهادتين عُتّـوا
أدرك اللّه منهـم بالتِرات
قتلوه في فتيـة غير عُـزل
يُسـرعون الركوب للدعوات
نصروا السيد الموفّق ذا العد
ل ودانوا بذاك حتّى الممات
لعن اللّه معشـراً قتلـوه
ورماهم بالخـزي والافات
وقد
ذكره الامام بعد منصرفه من صفين ورثاه وبشجوٍ في خطبته الّتي انتدب
فيها أهل الكوفة لحرب أهل الشام، قال فيها:
((ما ضرّ اخواني الذين سُفكت دماؤهم بصفين أن يكونوا اليوم أحياء
يستسيغون الغصص ويشربون الرنق ـ إلى قوله ـ:
وأين إخواني الذين ركبوا الطريق ومضوا على الحقّ، أين عمّار وأين
ابن التيهان وأين ذو الشهادتين))(51).
كانت تلكم مواقف المهاجرين والانصار وأقوالهم في حروب الامام عليّ
وخاصة ذو الشهادتين منهم (52) غير أنّ سيفاً حاول
أن يحرّفها ويشوّش معالمها بما وضع واختلق، وحصل من جرّاء اختلاقه ما
يلي:
حصيلة
الحديث:
في
الاحاديث الخمسة السابقة حرّف سيف الحقائق وشوّش على العلماء ودسّ في
التاريخ ما لم يكن فيه؛ مثل خبر خزيمة بن ثابت الانصاري غير ذي
الشهادتين. فمن روايات سيف انتشر خبره في كتب الحديث والتاريخ
والادب، قال الخطيب البغدادي (53) في كتابه
الموضّح:
((ذكر وهم (54) في حديث سيف بن عمر التميمي...))
ثمّ أورد الحديثين الاوليـن، ثمّ قال:
((وهذا القول خطأ لا مرية فيه وذلك أنّ خزيمةة بن ثابت ذا
الشهادتين شهد مع عليّ صفين، أجمع علماء السير في ذلك، وليس سيف بن
عمر حجة في ما يرويه إذا خالف ذلك قول أهل العلم)).
ثمّ
أورد الروايات الّتي صرّحت بأنّ خزيمة ذا الشهادتين شهد صفين مع
الامام عليّ واستشهد فيها، ثمّ قال:
((وليس في الصحابة من اسمه خزيمة واسم أبيه ثابت سوى ذي الشهادتين.
واللّه أعلم)).
وأورد ابن حجر ترجمتين لخزيمة بن ثابت الانصاري (55)
أولاهما لذي الشهادتين الصحابي الشهير. والثانية لمختلق سيف هذا،
وقال في ترجمته:
((خزيمة بن ثابت الانصاري آخر ـ روى ابن عساكر في تاريخه من طريق
الحكم بن عيينه..)) إلى آخر الرواية الثانية، ثمّ قال:
((هكذا أورده من طريق سيف صاحب الفتوح، وقد وهّاه الخطيب...)) ثمّ
أورد كلام الخطيب بإيجاز، ثمّ قال:
((قلت: لا ذنب لسيف بل الافة من شيخه وهو العرزمي، نعم أخرج سيف
أيضاً في قصة الجمل أنَّ عليّاً خطب بالمدينة...)) إلى آخر الرواية
الاولي.
وقال ابن أبي الحديد (56):
(ومن غريب ما وقعتُ عليه من العصبية القبيحة أنّ أبا حيّان
التوحيدي(57) قال في كتاب (البصائر): إنّ خزيمة بن
ثابت المقتول مع عليّ (ع) بصفين ليس هو خزيمة بن ثابت ذا الشهادتين
بل آخر من الانصار صحابي اسمه خزيمة بن ثابت.
وهذا
خطأ لانّ كتب الحديث والنسب تنطبق بأنّه لم يكن في الصحابة من
الانصار ولا من غير الانصار خزيمة بن ثابت إلاّ ذو الشهادتين، وإنّما
الهوى لا دواء له.
على
أنّ الطبري صاحب التاريخ قد سبق أبا حيّان بهذا القول، ومن كتابه نقل
أبو حيّان، والكتب الموضوعة لاسماء الصحابة تشهد بخلاف ما ذكراه، ثمّ
أي حاجة لناصري أمير المؤمنين أن يتكثّروا بخزيمة وأبي الهيثم وعمّار
وغيرهم؟! لو أنصف الناس هذا الرجل، ورأوه بالعين الصحيحة لعلموا أنّه
لو كان وحده وحاربه الناس كلّهم أجمعون لكان على الحقّ وكانوا على
الباطل) انتهى كلام ابن أبي الحديد.
لقد
أصاب ابن أبي الحديد في بيان سبب اختلاق خزيمة غير ذي الشهادتين
عندما قال: (إنّه الهوى لا دواء له) غير أنّه لم يصب في نسبته إلى
التوحيدي مرة وإلى الطبري أُخرى، وكذلك ابن حجر ما أصاب عندما قال:
(الافة من العزرمي) وهو محمّد، ولا ذنب للعزرمي، وإنّما سيف هو الّذي
وضع حديثين في قصة خزيمة غير ذي الشهادتين أسند أحدهما إلى العرزمي
والحكم، وثانيهما إلى محمّد وطلحة.
أجل
انّ سيف بن عمر المختلق للاساطير هو المختلق لهذه الشخصية، وليس
غيره، وهؤلاء الاعلام معذورون في التباس الامر عليهم.
ونحن أيضاً لم نهتد إلى هذا النوع من الاختلاق عند سيف بيسر وسهولة
بل استغرق بحثه منّا زمناً غير قصير وجهداً غير قليل. لانّه لم يكن
من النوع الّذي اختلق أسماء أبطالها مضافاً إلى أساطيرها، فيكون أمر
اختلاقها جليّاً لنا، بل اختلق أسماء أشخاصها مرادفاً لاسماء شخصيات
لها وجود في التاريخ الاسلامي وشأن، وهذا ما كان يشوّش علينا
كثيراً.
نتيجة البحث المقارن:
اختلق سيف خزيمة بن ثابت الانصاري غير ذي الشهادتين، وأورد ذكره في
حديثين وصنع لكلّ منهما سنداً، ومن سيف أخذ من ذكر قصّته وترجمته
كالطبري وابن عساكر، وابن حجر، ومن الطبري أخذ التوحيدي، وابن
الاثير، وابن كثير، وابن خلدون في تواريخهم إلى غيرهم ممّ أخذ ذلك (58).
إختلق سيف هذه الشخصيات الاُسطورية في القرن الثاني الهجري بدافع
الهوى والعصبية أو بدافع الزندقة (59) ـ كما
يتّهمه قسم من مترجميه ـ، ثمّ دخلت هذه الشخصيات الاسطورية في
التاريخ الاسلامي، وترجمها من ترجم أبطال الاسلام، وبقيت إلى يومنا
هذا، وأصبح هذا التاريخ له قداسته في عرف غالب المسلمين حتّى عصرنا
الحاضر! والان وبعد زهاء اثني عشر قرناً إذا حاولنا أن نبحث عنها
ونبيّن زيفها، وصحيحها من سقيمها ازورَّت عنّا وجوه عزيزة علينا،
وانقبضت دوننا صدور كريمة علينا(60)، حتّى أدّى
ذلك إلى توقيف إصدار قسم من هذه الابحاث إلى أن يشاء اللّه نشرها.
19 نسب خزيمة هذا في جمهرة بن حزم (ص 324)،
والاشتقاق لابن دريد (ص 447)، وذيل المذيّل للطبري (3 / 2400)،
ومعرفة الصحابة من مستدرك الحاكم ج: 3.
20 مسند أحمد (5 / 215)، وترجمته في طبقات
ابن سعد (4 / 378 ـ 379).
21 أسد الغابة (2 / 114) بترجمة خزيمة و(ص
373 و 374) بترجمة سواء وسواد، وابن عساكر بترجمة خزيمة، وفي تهذيبه
(5 / 133).
22 هذا النص الاخير من حديث الرسول (ص) في
أُسد الغابة بترجمة سواء وترجمة خزيمة من ابن عساكر وقد رويا ذلك عن
ابن داود والدارقطني وأبي يعلى وابن أبي شيبة.
23 العسب جمع عسيب والعسيب جريدة النخل.
24 لعلّهم قصدوا بذلك تعيين مكان الاية من
السورة.
25 الاحزاب / 23.
26 تفصيلها في ترجمة خزيمة من تاريخ ابن
عساكر، وفي تهذيبه (5 / 133)، ومسند احمد (5 / 189)، والاصابة (1 /
425) وأوردها البخاري موجزا في باب جمع القرآن من صحيحه (3 / 150)،
وفي تفسير سورة الاحزاب منه (3 / 117)، والموضّح للخطيب (1 / 276).
27 تفصيلها في ترجمة خزيمة من ابن عساكر
وتهذيبه، وأوردها في الاصابة مختصرا كما أوردناها.
28 تفصيلها في ترجمة عمار من الطبقات (3 /
359)، وأنساب الاشراف(1 / 170)، والاستيعاب (1 / 157) وترجمة خزيمة
من أسد الغابة (2 / 114) وابن عساكر، ومسند أحمد (5 / 214) وترجمة
عمار من ذيل المذيل للطبري (3 / 316)، والموضح للخطيب (1 / 277).
29 قارن بين رواية الواقدي في تولية عمار
واليا على الكوفة وعزله في تاريخ الطبري (1 / 2645) ورواية سيف في
ذلك ـ أيضا ـ عند الطبري (1 / 2672 ـ 2678) مضافا الى ما وضع لحط
قدره في أُسطورة عبد اللّه بن سبأ.
30 زياد من مخترعات سيف من الصحابة سبقت
ترجمته في الجزء الاول.
31 الروايات الخمس متتاليات في الطبري (1 /
3095 ـ 3096).والروايتان الاوليان أخرجهما الخطيب في الموضح (1 / 275
ـ 276)، والثانية منهما أخرجها ابن عساكر أيضا بترجمة خزيمة من
تاريخه بسنده عن سيف، مخطوطة المكتبة الظاهرية بدمشق رقم 3370، ج5،
ورقة 302 ـ 303.
32 راجع الطبري (1 / 2208 و 3111).
33 الجرح والتعديل 2 / ق: 1 / 482.
34 التهذيب (9 / 322).
35 ميزان الاعتدال (1 / 577).
36 اليمين الغموس: الكاذبة يتعمّدها صاحبها.
37 تاريخ اليعقوبي (2 / 178 ـ 179).
38 فتوح ابن اعثم (2 / 289).
39 مروج الذهب (2 / 366 ـ 367).
40 تاريخ الاسلام للذهبي (2 / 171)، وقريب
منه بتاريخ خليفة (1 / 164).
41 تاريخ الاسلام للذهبي (2 / 171)، وقريب
منه بتاريخ خليفة (1 / 164).
42 صفين لنصر بن مزاحم (ص 92 ـ 94).
43 تاريخ اليعقوبي (2 / 188).
44 مروج الذهب (2 / 394).
45 ترجمة عمّار من طبقات ابن سعد.
46 هو الحافظ أبو بكر أحمد بن عليّ الخطيب
البغدادي (ت: 463 ه) من مؤلفاته:(موضح أوهام الجمع والتفريق) ونحن
نرجع هنا الى طبعة حيدر آباد سنة 1378 ه (1 / 277).
47ـ
لعلّ المقصود أدار حنكه حول وجهه وغرز ذيل الحنك في العمة وأخرج
لحيته مع وجهه.
48 الموضح للخطيب (1 / 277).
49 صفين لنصر بن مزاحم (ص: 358).
50 صفين (ص: 363 ـ 366).
51 الرنق: الماء الكدر. وابن التيهان أبو
الهيثم مالك بن التيهان الانصاري الاوسي شهد بيعة العقبة وبدرا وما
بعدها مع رسول اللّه وشهد صفين مع الامام عليّ واستشهد فيها. أُسد
الغابة (5 / 318) والخطبة 183 رواها نوف البكالي راجع شرح النهج (10
/ 99).
52 لايظنن أحد انّ الرغبة في بيان فضائل
الامام دعتنا الى التوسع في ذكر مواقف الانصار مع الامام عليّ، بل
كان لابد لنا في كشف نوايا سيف في إخفائه فضائل الامام وتحريفها عداء
للامام وتزلّفا الى بني أمية ان نشرح ذلك لتعرف أهداف سيف بوضوح. وفي
الترجمة الاتية أنكرنا اشتراك الصحابي الشهير أبي دجانة الانصاري في
حروب الامام حسب ماتقتضيه الموضوعية في البحث.
53 الموضح للخطيب (1 / 275 ـ 278).
54 ليس بوهم من سيف وأنمّا هو كذب متعمد منه.
55 الاصابة (1 / 425) ورقم ترجمة خزيمة غير
ذي الشهادتين (2252) ورقم ترجمة ذي الشهادتين (2251).
56 في شرح النهج، تحقيق (أبو الفضل) (10 /
109 ـ 110).
57ـ
أبو حيان علي بن محمد التوحيدي توفي أخريات القرن الرابع الهجري له
من التآليف: بصائر القدمأ وبشائر الحكمأ، ويقال له: البصائر
والذخائر. هدية العارفين ص 684.
58 ابن الاثير في تاريخه الكامل (3 / 84)
وابن كثير في تاريخ (7 / 233)، وابن خلدون في تاريخه (2 / 407 ـ 413)
وفي هذه الصفحة تعليقة من الامير شكيب بشأنه. ذكره المؤرخون عند
ذكرهم مسير أمير المؤمنين الى البصرة.
59 راجع عبد اللّه بن سبأ (أُوفست) طهران سنة
1393 ه فصل: (ترجمة سيف بن عمر).
60 راجع مجلة الازهر، المجلد: 32، العدد: 10،
ص 1150، والمجلد 33، العدد: 6، ص 760 ـ 761، ومجلة (راهنماى كتاب)
الفارسية ـ طهران، السنة الرابعة، العدد: 7، ص 696.والعدد: الثامن، ص
800، والتاسع، ص 894.