مقال للدكتور رشاد دارغوث
أرسل
إلينا الاستاذ الدكتور رشاد دارغوث النقّاد للكتب العلمية المقالة
الاتية، بعد أن ألقاها على المستمعين في الاذاعة عبر الاثير. لمّا
كان الاستاذ قد أجاد تلخيص الجزء الاول من هذا الكتاب في مقالته وكان
استذكار البحوث السابقة يساعد القارئ على استيعاب البحوث الاتية
رأينا أن نوردها هنا قبل بحوثنا التمهيدية شاكرين للاستاذ فضله.
ونورد في آخر الكتاب مقالاً آخر مع تعليقنا عليه إن شاء اللّه تعالى.
خَمْسوُنَ
وَمائَة صِحَابِيّ مُخْتَلَق
للاستاذ
العسكري
عميد كلية أصول الدين في بغداد
من الكتب القيّمة المثقّفة هذا السفر الضخم شكلاً
ومحتوىً. فقد أصدره مؤلّفه السيّد مرتضى العسكري عميد كلية أصول
الدين في بغداد وأخرجته دار الكتب في بيروت في أكثر من 420 صفحـة،
منها سبعون تتضمّن الفهارس المنوّعة لتيسير دراسته والاطلاع على
ماورد ذكره فيه من مصادر البحث وموضوعاته، ومن أعلام وشعوب وقبائل
ودول وأصحاب ملل ونحل، ورواة حديث، وشعراء ومؤلّفين، وآيات قرآنية
وأحاديث نبويّة، وشعر مروي للاستشهاد، وبلدان وأمكنة جغرافية، وممالك
ووقائع تاريخية، وكتب وصحف ووثائق دار حولها ذلك البحث المنهجي
الجامع. وهي جميعها فهارس مرتّبة على الهجاء.
أمّا البحث فيتناول (39) صحابيّاً (1)
من أصل المجموع البالغ مائة وخمسين الذين اختلقهم سيف بن عمر التميمي
ثمّ روى عن ألسنتهم الاحاديث وعزا إليهم الوقائع دون سند من الحقيقة.
والمؤلّف يوطيء لذلك بدراسة عن تاريخ هذا الرجل
الّذي عرف بهذه الصفة أي وضاعاً للحديث وزنديقاً أيضاً. ومع ذلك
اعتبره السّلف ـ بفضل كتابيه (الفتـوح الكبير والردّة) ثمّ (الجمل
ومسير عليّ وعائشة) ـ اعتبروه مؤرّخاً بل أهم رواية لحوادث التاريخ
الاسلامي في مستهلّه.
ثمّ يتناول المؤلّف الزندقة مبيّناً معناها في الاصل
وفي المصطلح العام. ذاكراً بعض زنادقة العصر الّذي عاش فيه سيف بن
عمر وخاصّة ابن المقفع وابن أبي العوجاء، ومطيع بن اياس. ليدل على
شيوع تلك الزندقة في أوساط رجال انتقلوا فجأة من دين (المانوية) إلى
دين الاسلام دون أن يدخل الايمان في قلوبهم، ويقول:
((هذه نماذج من الزنادقة ترينا سيرتهم أوجه نشاط
الزنادقة في عصر سيف. أحدهم يترجم كتب الزنادقة وينشرها بين
المسلمين، وثانيهم ينشر التفسّخ الخلقي والدعارة والمجون والتحلّل من
كلّ ضوابط الانسانية، وثالثهم جمّ النشاط كثير التنقّل. وهو في كلّ
مكان ساع دؤوب نشيط في تشويش عقائد المسلمين وبلبلة أفكارهم. شأنه في
ذلك شأن الاثنين الاخرين. ثمّ نجده قبل قتله يخبر بأنّه وضع أربعة
آلاف حديث يحلِّل فيه الحرام ويحرِّم فيه الحلال. فإذا كان هذا ـ أي
ابن أبي العوجاء ـ قد وضع أربعة آلاف حديث.. فإنّ سيفاً وضع آلافاً
من الاحاديث.
وقد أبرز فيها أروع أصحاب النبيّ سخفاء جناة،
والمغموصين في دينهم ذوي حجىً وورع ودين. واستطاع أن يدخل أساطير
خرافية في الدين الاسلامي شوّه بها الحقائق الاسلامية، وأثَّر فيها
على عقائد المسلمين وعلى رأي غير المسلمين في الاسلام)).
ومن تلك المفسدات عمل (سيف) على إحياء العصبية
الجاهلية.. فقد كان يجنح إلى العصبية (النزارية) وكانت عصبية السلطة
القائمة مدّة خلافة الراشدين والامويين والعباسيين.
وهنا يفصل المؤلّف الفاضل ما كان بين هذه العصبية
النزارية أو المضرية وبين العصبية المضادة ـ القيسية أو اليمانية ـ
من تفاخر وتنافر سبقا الاسلام ثمّ استمرّا في كنفه. وذلك أنّ الرسول
هاجر إلى مدينة يثرب وكانت مسكناً للاوس والخزرج ـ وهما قبيلتان
يمانيتان ـ فلمّا قدم عليه الصلاة والسلام إلى (المدينة) قدم معه
جماعات من المضرية ولقّبوا بالمهاجرين، ولقد احتكّ الفريقان
المتنافسان مرّتين:
في الاولى هدّأ الرسول بنفسه الثورة وجنّب الاسلام
الطري العود حرباً أهلية، وفي الثانية هدّأها ابنُ عمّه الامام عليّ
إثر وفاة الرسول وتزاحم الفريقين على الاستئثار بخلافته.
ويلاحظ المؤلّف ـ بحقّ ـ أنّ للتنافس بين العصبيتين
مردوداً وفيراً وخيراً على الادب، ولكنّه لم يكن كذلك عند المؤرّخ
((سيف)). فقد اختلق هذا الراوية أُمة من الشعراء في كتابيه
المذكورَين يدافع كلّ منهم.. عن أمجاد مضر عامة وفرع تميم خاصة،
واختلق من الصحابة من ذوي الفضل والسبق جماعة كبرى تنتمي إلى تميم،
ومن القوَّاد الفاتحين ورواة الحديث اختلق كذلك جمعاً وفيراً. ولم
يكتف.. بل اختلق أيضاً هواتف من الجنّ يهتفون في الهواء بمفاخر هؤلاء
الابطال من بني قومه، كما اختلق لهم جنوداً من غير قبائل مضر حاشية
ورعايا، ونسب إليهم أدواراً ثانوية في تلك المعارك والحروب
الاُسطورية، فدخل في التاريخ الاسلامي من هذا النوع حشد كبير في عداد
الصحابة والتابعين.. لم يكن له وجود بتاتاً.
وفوق ذلك يرى المؤلّف البحّاثة أنَّ هذا التزييف أو
التزوير قد مدَّ ظلاله القاتمة على ما أُلِّفَ فيما بعد من تراجم
لهؤلاء الصحابة المختلقين؛ كمعجم الصحابة ((للبغوي)) (المتوفى
317ه)، وأُسد الغابة في معرفة الصحابة (لابن الاثير) (المتوفّى
630ه)، و (الاصابة في تمييز الصحابة) لابن حجر (المتوفّى 852ه)،
وسواها كثير.
وكذلك فإنّ ذلك التفصيل المقصود قد استمرّ في كتب
تراجم القواد الخاصة بالفتوح؛ ككتاب (طبقات أهل الموصل) لابي زكريّا
(المتوفّى 334ه)، وتاريخ مدينة دمشق لابن عساكر (المتوفّى 571ه)،
وسواهما، بل امتدّ ذلك كلّه فحمل على تأليف كتب متعدّدة ترفع اللبس
عن أسماء أولئك الابطال الموهومين، أو تورد أنسابهم المختلفة، أو
تترجم للاماكن وللمعارك الّتي نزلوها أو اشتركوا فيها..
في الوهم والخيال. وكذلك فقد رانت تلك الاكاذيب
بظلّها الثقيل على الموسوعات التاريخية الكبرى كتاريخ الطبري وابن
الاثير والذهبي وابن كثير وابن خلدون، ولم تسلم من العدوى لا كتب
الادب كالاغاني للاصفهاني، ولا كتب اللغة كاللسان لابن منظور، ولا
كتب الحديث كصحيح الترمذي.
وهنا يعدِّد الاُستاذ العسكري تسعة وثلاثين صحابياً
ـ من أصل المئة والخمسين المختلقين الذين اكتشفهم ـ ويلاحظ أنّ عشرين
منهم هم من بني تميم قوم ((سيف))، ثمّ يخصُّ المؤلّف كُلّاً منهم
بدراسة موضوعيّة مُسهبة ينتهي فيها بالبحث المقارن إلى إثبات ذلك
الاختلاق بالادلّة القاطعة والحجج الدّامغة المستفادة من روايات سيف
وسواه.
وفي اعتقادنا أنّ هذه الدراسة الموضوعية وهذا
التجرُّد العلمي البارزين في هذا السفر الضخم جديران باهتمام رجال
الدين وطلاّب المعرفة من المسلمين، وهما خليقان بأن يحملاهم على
تطهير التراث الاسلامي ممّا شابه ويشوبه ـ لا على الصعيد العقائدي بل
على الصعيدين الفقهي والشرعي ـ من خلافات ربّما كان وراءها أصلاً هذا
الاختلاق أو ذاك الدسّ، أو كلاهما معاً.
وبذلك يكون الاُستاذ مرتضى العسكري قد أدّى بهذا
الجهد المثمر خدمة كبرى إلى الحضارة عامة، وإلى الاسلام خاصة، وهو
طاقة حضارية عظمى بذاته، ونظام كامل للحياتين الدّنيا والاخرة على
السواء.
1 كان هذا في الطبعة البيروتية الاولى، وفي الطبعة
الثانية خصّ الكتاب بتراجم تميم وورد فيه 23 ترجمة.