في الفتوح ـ السوس:

روى الطبري عن سيف في حوادث السنَّة السّابعة عشرة أنَّ الخليفة عمر عينه بعد فتح تستر ورامهرمز على جند البصرة، فحضر فتح السوس وكان القائد العام أبا سبرة القرشي وقال في فتحها:

كان عليهم شهريار أخو الهرمزان فلمّا نزل عليها أبو سبرة أحاط المسلمون بها وناوشوهم القتال مرّات، كلُّ  ذلك يصيب أهل السوس في المسلمين فأشرف عليهم يوما الرهبان والقسيسون، فقالوا، يا معشر العرب! إنَّ ممّا عهد إلينا علماؤنا أنَّه لا يفتح السوس إلاّ الدَّجّال، أو قوم فيهم الدَّجال فإنّ كان الدّجال فيكم فستفتحونها وإنّ لم يكن فيكم فلا تُعنَوا بحصارنا.

وناوشوهم مرة أخرى فأشرف عليهم الرهبان والقسيسون وأعادوا القول وصاحوا بالمسلمين وغاظوهم، وكان صاف بن صياد (29)

يومئذ معهم، فأتى صاف باب السوس غضبان، فدقه برجله وقال: ((إنْفَتح بظار!)) فتقطَّعت السلاسل! وتكسرت الاغلاق وتفتحت الابواب!، ودخل المسلمون فألقى المشركون بأيديهم، وتنادوا: الصلح، الصلح، وأمسكوا بأيديهم فأجابهم المسلمون إلى ذلك بعد أنّ دخلوها عنوة.

هذا ما رواه الطبري عن سيف في فتح السوس ونقل عنه أبن الاثير وأبن كثير في تاريخيهما.

أما غير سيف فقد روى الطبري عن المدائني أنّه قال: كان أبو موسى محاصرا للسوس، حين جاءهم خبر فتح جلولاء وفرار ملكهم يزدجرد، فسألوا أبا موسى الامان فصالحهم، وقال البلاذري في فتوح البلدان: إنَّ أبا موسى قاتل أهلها ثمّ حاصرهم  حتّى نفد ما عندهم من الطعام، فضرعوا إلى الامان فقتل أبو موسى من سواهم من المقاتلة، وأخذ الاموال وسبى الذرية، وذكر ذلك بإيجاز الدينوري في الاخبار الطوال، وذكر أبن الخياط في تاريخه أنّ أبا موسى فتحها صلحا في السنة الثامنة عشرة.

 نتيجة المقارنة:

كان سبب فتح السّوس عند سيف وجود الدّجّال في جيش المسلمين كما أخبر بذلك رهبان السوس وقسيسوهم، وأنَّه دق الباب برجله، وقال (انفتح بظار) فإذا السلاسل تتقطّع! والاغلاق تتكسّر!، والابواب تتفتّح!، فيمسك أهل المدينة بأيديهم وينادون: الصلح، الصلح، وكان قواد المسلمين: أبا سبرة القرشي العدناني ومعه الصحابيان المختلقان زرّ والاسود من قبيلة تميم، بينّما ذكر غيره أنَّ سبب الفتح وصول نبأ فتح جلولاء وفرار ملكهم، ونفاد ما عندهم من الطعام، ولذلك ضرعوا إلى المصالحة، كما كان القائد أبا موسى الاشعري اليماني وليس بأبي سبرة العدناني.

إنَّ تعصب سيف للعدنانية هو الَّذي دعاه إلى أنّ يُغيِّر القائد القحطاني إلى آخر عدناني، ولعلّ سيفا نسب فتوح الاهواز إلى أبي سبرة خاصة لحكمة أخرى بالاضافة إلى ما ذكرنا وذلك أنَّ المؤرخين قالوا:

(لا نعلم أحدا من المهاجرين من أهل بدر رجع إلى مكة وسكن فيها غير أبي سبرة فإنّه رجع بعد وفاة النبي إلى مكة وسكن فيها حتّى توفي في خلافة عثمان، فكره له ذلك المسلمون وكان وُلدُه يغضبون من ذكر ذلك) فأراد سيف أنّ يدفع عن هذا الصحابي العدناني ما كره له المسلمون فذكر أنّه ولي الكوفة لعمر، وقاد الجيوش الاسلامية في فتح تستر والسوس وجند يسابور، وغيرها من كور الاهواز؛ فإنَّه لم يرجع إلى مكة بعد الهجرة وإنَّما ذهب إلى الجهاد في سبيل اللّه، واستجابة سيف لنداء العصبية القبلية في كلِّ ذلك واضحة، فإنّه سلب فيها المكارم من أشعري يماني ونسبها لاخر عدناني وأزال عنه ما عِيبَ عليه، ولكن ما الدّاعي له إلى وضع أسطورة فتح السوس بقول الدجال: ((انفتح بظار)) وبدقّ الباب برجله، وليس فيه موضع فخر لقبيلته تميم ولا لعدنان؟

ما الدافع له غير ما رُمي به من الزندقة؟ فلعلَّه أراد به تشويش التّاريخ الاسلامي والاستهزاء بعقول المسلمين مدى القرون!!


29  جاء في بعض الاحاديث، أنّ صاف بن صياد ولد بالمدينة في عصر الرسول، وأنّهم كانوا يرون أنّه الدجال، ويظهر أنّ ذلك كان مشهورا في عصر سيف، فوضع هذه الاسطورة، راجع صحيح البخاري 3 / 163 و2/ 179، ومسند أحمد 3 / 79 و97.