إمرتُه في عصر عمر:

روي كلُّ من الطبري في حوادث سنة 21ه‍‍ وأبو نعيم في ذكر فتح أصبهان عن سيف بن عمر: أنَّ عمر لمّا رأى يزدجرد ـ ملك الفرس ـ يُثيرُ عليه كلّ عامٍ حربا، أذن للناس في الانسياج في أرض العجم،  حتّى يغلبوا يزدجرد على ما كان في يدي كسرى، وكان ذلك في زمان ولاية زياد بن حنظلة حليف بني عبد بن قصي على الكوفة، وكان زياد من المهاجرين، فعمل قليلا وألحّ في الاستعفاء فأعِفي، وكان زياد قد ولي قضاء الكوفة في وسط إمارة سعد، وروي الطبري في ذكر حوادث 22ه‍‍ عن سيف: أنّ الخليفة ولّى زيادا على الجزيرة.

كلُّ هذا تفرد بِروايته سيف، وأخذ منه الطبري، وأبو نعيم، ومن الطبري انتشر ذلك في الموسوعات التاريخية كابن الاثير في الكامل، وابن كثير في تاريخه.

 نتيجة البحث وحصيلة الحديث:

بعد هذه الرواية عُدَّ البطل الاسطوري زياد من المهاجرين والولاة والقضاة، ولعل سيفا قال: ((إنّه عمل قليلا وألحّ في الاستعفاء)) ليكون ذلك جوابا لسائل يسأل: كيف ولي زياد العراق وبقي ذكره مكتوما، ولم يشتهر أمره؟ فيكون جوابه: ((سببه قلة زمان عمله)) وكيف ما كان، فقد أضاف سيف إلى مفاخر تميم بطلا شاعرا قاضيا واليا من المهاجرين!

 مع علي بن أبي طالب:

روى الطبري عن سيف في حوادث سنة 36ه‍‍، أنَّ أهل المدينة أحبوا أنّ يعلموا رأي علي في معاوية وقتال أهل القبلة: أيجسر عليه، أم ينكل عنه؟ فدسوا إليه زياد بن حنظلة التميمي، وكان منقطعا إلى علي، فجلس إليه ساعة، فقال له علي: ((يا زياد تيسر)).

فقال: ((لاي شي‌ء)).

فقال: ((لغزو الشام!)).

فقال زياد: ((الاناة، والرفق أمثل)). وقال:

    ومن لم يصانع في أمور كثيرة

                               يُضرَّسْ بأنيابٍ ويوطأ بمنْسِمِ

فتمثل علي وكأنّه لا يريده:

 متى تجمعُ القلبَ الذّكيّ وصارما

                                 وأنفا حِميّا تجتنبكَ المظالِمُ

فخرج زياد والناس ينتظرونه، فقالوا: ما وراءك؟!

فقال: السيف يا قوم! فعرفوا ما هو فاعل.

ثمّ ذكر بعد ذلك تثاقل الناس عن الخروج مع إمامهم علي بن أبي طالب، وأنَّ زياد بن حنظلة لمّا رأى ذلك أبتدر إلى علي وقال: ((من تثاقل عنك، فإنا نخف معك، ونُقاتِلُ دونك)).

هذه رواية سيف عند الطبري ومن الطبري أخذ ابن الاثير.

وعلى هذه الرِّواية اعتمد صاحب الاستيعاب ومن تبعه في قولهم: ((وكان منقطعا إلى علي))، ولعلهم استنبطوا من قوله: ((فإنّا نخفُّ معك، ونقاتل دونك)) أنَّه شهد مع علي مشاهده فذكروا ذلك في ترجمته، وإلى بعض هذا الحديث أشار ابن أعثم في تاريخه.

ولم نجد عند غير سيف شيئا ممّا ذكر سيف هنا، ولا ذكرا لزياد في حروب الامام في ((الجمل)) و((صفّى )) و((نهروان))، ولا ذكرا في تراجم شيعة الامام وأصحابه (57). ونقل المامقاني جميع ما ذكره صاحب أسد الغابة وبعضَ ما ذكره صاحب الاستيعاب، ولمّا كانا قد قالا: ((وكان منقطعا إلى علي وشهد معه مشاهده كلها))، قال المامقاني ((إنّي أعتبِر الرَّجلَ إماميا، حسن الحال)).

 نتيجة البحث:

وأخيرا لا ندري لِماذا أختلق سيف هذا التميمي البطل منقطعا إلى علي، والتميمي البطل الاخر القعقاع مستغربا في أمر علي؟ وسيف هادف في وضعه وأختلاقه، هل قصد بذلك أن يستعذب شيعة علي هذا الوصف من أبطال أساطيره، ليضمن بذلك انتشار اساطيره في أوساطهم، كما ضمن أنتشارها في أوساط غيرهم، أم استهدف أمرا آخر؟!.

جعل سيف من زياد خصيصا بالامام إلى حدّ أحتاجه الناس بمّا فيهم جلّة الصحابة كعمار بن ياسر، وقيس بن سعد، وابن عباس، للاطلاع على نوايا الامام، وذكر أنّه ابتدر إلى القول: ((إنّا نخف معك، ونقاتل دونك)) لمّا رأى تثاقل الناس، ورجل كهذا لا يعرفه أحد غير سيف ورواته.


57  جاء في باب ذكر من فشل عن بيعة الامام عليّ، من تاريخ ابن اعثم، (2 / 257):

((فوثب إلى عليّ (رض) رجل اسمه زياد بن حنظلة التميمي، فقال: يا أمير المؤمنين ما الرأي إلاّ ما رأيت، ومن عاند نفسه فانك غير مشفع به، فان بايعك كرها فدع عنك هؤلاء الراغبين عنك، فَواللّه لانت الامين والمأمون على الدين والدنيا والسلام، ثمّ أنشأ التميمي أبياتا مطلعها:

أبا حسن متى ما تدع فينا

                           نجبك كأننا دفاع بحر ـ إلى آخرها))

انتهى. لم يذكر ابن أعثم سنده إلى سيف، جريا على عادته في عدم ذكره اسانيد أخباره في تاريخه.