في أرض فارس:

روي الطبري عن سيف في ذكر حوادث السنة السابعة عشرة أنّ العلاء بن الحضرمي كان على البحرين وكان يناوئ سعد بن أبي وقاص، فملا ظفر سعد في القادسية وجاء بأعظم مما فعله العلاء في حروب الردة، اراد العلاء أن يصنع شيئا في الاعاجم، ولم ينظر في الطاعة والمعصية، وحمل الناس في البحر إلى فارس، وكان عمر قد نهاه عن ذلك، فحاصر الفرس جيش المسلمين، فأمر الخليفة عمر عتبة بن غزوان أن يندب إليه الناس من البصرة ففعل، وكان عاصم من القادة الذين انتدبوا إليه، وروى أنّهم أعانوا الجيش المحاصر حتّى انتصر.

روي الطبري هذا الحديث عن سيف وأخذ منه ابن الاثير دونما ذكر لسنده، وابن كثير وقال: ((حكاه ابن جرير عن سيف))، وروى الطبري عن سيف بعد ذلك اشتراكهم في فتح عدة مدن آخرها جنديسابور! وذكر في فتح جند يسابور أنّهم اشتركوا في حصارها، وبينما الجيش مقيم عليها يقاتل أهلها، واذا بهم يفاجئون المسلمين بفتح أبواب المدينة، ويقولون للمسلمين: رميتم لنا بالامان فقبلناه، وأنكر المسلمون ذلك، وسألوا عمَّن فعل ذلك، وإذا في الجيش عبدٌ اسمه مكنف، أصله من جند يسابور فعل ذلك، فكتبوا إلى عمر فأجاز أمانه.

إلى هنا تنتهي رواية الطبري عن سيف، ومن الطبري أخذ من جاء بعده، وذكر هذا الخبر الحموي في لغة جند يسابور ثمّ قال:

وقال عاصم بن عمرو:

   لعَمْري لقد كانتْ قرابة مُكنفٍ

                            قرابةَ صدقٍ ليس فيها تَقاطُعُ

  أجارهُمُ من بعد ذُلٍّ وقلّةٍ

                             وخوفٍ شديدٍ والبلادُ بلاقعُ

      فجاز جوارَ العبد بعد اختلافنا

                                   وردَّ أمورا كان فيها تنازُعُ

    إلى الركن والوالي المصيب حكومةً

                                 فقال بحقٍّ ليس فيه تخالعُ (28)

ثمّ قال: هذا قول سيف. وقال البلاذري بعد ذكره فتح تستر: ثمّ سار أبو موسى الاشعري إلى جند يسابور وأهلها متخوفون، فطلبوا الامان، فصالحهم على أن لا يقتل منهم أحدا ولا يسبيه ولا يتعرض لاموالهم سوى السلاح، انتهى مّا ذكره الحموي في لغة جند يسابور.

وذكر الحميري أيضا في لغة جند يسابور من الروض المعطار الخبر كذلك وأضاف بعد البيت الرابع هذا البيت:

   وللّه جندي شاهبورَ لقد نجتْ

                           غداةَ نبتها بالبلاد اللوامع (29)

 نتيجة المقارنة:

تفرّد سيف بذكر منافسة العلاء لسعد، ومخالفته أمر الخليفة ووقوع الجيش في الحصار على أثر ذلك، وقد أشرنا إلى سبب هذا الوضع في أوَّل الكتاب، وتفرد سيف أيضا بذكر عاصم وما نسب إليه من مواقف وشعر، وأخرج الطبري حديث سيف دون رجزه، والحموي مع أبيات من رجزه ونص على مصدره والحميري مع خمسة أبيات من رحزه ولم يشر إلى مصدره(30) .

 مناقشة السند:

تكرر ذكر اسم محمد والمهلب في سند أحاديث سيف عن عاصم في فارس، وكذلك يتكرّر في مّا يأتي ، إلى آخر مّا نذكر من حديثه في هذا الفصل، وتكرر قولنا فيهما انّهما من مختلقات سيف من الرواة، وجاء مرَّة واحدة في سند حديثه عن فتح سوس قوله ((عمّن أورد فتح سوس)) ولا ندري من تخيله لنبحث عنه(31).

 حصيلة الحديث:

أ - مذمة لصحابي يماني حضرمي في عمل كاد أنّ يهلك جيش المسلمين بسببه.

ب - معارك حربية لم تقع.

ج - شعر يضاف إلى ثروتنا الادبية.

د - مآثر لبطل تميم: (عاصم).


28 بلاقع مفرده بلقع: الارض القفر في الروض المعطار ((إلى العدول والوالي المصيب)).

29 هكذا نقلته من مخطوطة مكتبة شيخ الاسلام في المدينة المنورة ومضى تفسيره.

30 الطبري ط. مصر 4 / 213 ـ 221، وابن الاثير 2 / 419 ـ 420، وابن كثير 7 / 83، وابن خلدون 2 / 341، وفتوح البلدان ص 537، وترجمة جند يسابور من الحموي، والحميري ورقة 97 / 2 مع اختلاف يسير.

31 ورد ((عمَّن أورد فتح سوس)) في حديث سيف في الطبري 1 / 2526. ط. أوربا.