يوم
الجراثيم:
1 -
روي الطبري عن سيف إقامة سعد بن أبي وقاص بعد القادسية أمام نهر دجلة
حائرا، وقد فاضت، وكانت السنة كثيرة المدود ودجلة تقذف بالزبد، فرأى
رؤيا أنّ خيول المسلمين اقتحمتها فعبرتها، فعزم سعد لتأويل رؤياه،
فجمع الناس فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال: ((إنّ عدوكم قد اعتصم
منكم بهذا البحر فلا تخلصون إليه معه وهم يخلصون إليكم إذا شاءوا في
سفنهم فيُناوشونكم.. - إلى قوله - إنّي قد عزمت على قطع هذا البحر
إليهم)) فقالوا جميعا: ((عزم اللّه لنا ولك على الرشد فافعل)) فندب
الناس إلى العبور وقال من يبدأ فيحمي لنا الفراض حتّى تتلاحق به
الناس لكي لا يمنعوهم من العبور؟ فانتدب له عاصم بن عمرو ذو البأس،
وانتدب بعده ستمائة من أهل النجدات، فاستعمل عليهم عاصما، فسار بهم
حتّى وقف على شاطئ دجلة، وقال: من ينتدب معي لنمنع الفراض من عدوكم،
ولنحميكم حتّى تعبروا إلينا؟ فانتدب له ستون، فجعلهم نصفين على خيول
إناث وذكورة، لكيون أسلس لعوم الخيل، ثمّ اقتحموا دجلة، فلمّا رآهم
الاعاجم وما صنعوا، أخرجوا للخيل التي تقدمت مثلها، فلقوا عاصما وقد
دنا من الفراض، فقال عاصم: الرماح، الرماح! أشرعوها وتوخوا العيون،
فالتقوا، وتوخى المسلمون عيونهم، فولّوا ولحقهم المسلمون، فتقلوا
عامتهم، ونجا من نجا منهم عورانا، وتلاحق الستمائة بالستين غير
متعبين، فلمّا رأى سعد عاصما على الفراض قد منعها، أذن للناس في
الاقتحام وقال: قولوا: (( نستعين باللّه ونتوكلّ عليه، حسبنا اللّه
ونعم الوكيل، لا حول ولا قوة إلاّ باللّه العلي العظيم)) وتلاحق معظم
الجند، فركبوا اللُّجَّة، وإنّ دجلة لترمي بالزبد، وانّها لمسودة،
وإنَّ الناس يتحدثون في عومهم وقد اقترنوا مّا يكترثون كما يتحدثون
في مسيرهم على الارض، ففجأوأ أهل فارس بأمر لم يكن في حسابهم،
فأجهضوهم وأعجلوهم عن جمهور أموالهم، ودخلها المسلمون في صفر سنة
عشر... الحديث.
2 -
وروي في حديث آخر مثله عن رجل عن أبي عثمان النهدي قال: طبقنا دجلة
خيلا ورجلا ودواب، حتّى ما يرى الماء من الشاطئ أحد فخرجت بنا خيلنا
إليهم تنفض أعرافها، لها صهيل، فلمّا رأى القوم ذلك انطلقوا لا يلوون
على شيء... الحديث.
3 -
وروى في حديث آخر له: قال سعد وهو واقف قبل أنّ يقحم الجمهور وهو
ينظر إلى حماة الناس وهم يقاتلون على الفراض، ((واللّه لو كانت
الخرساء - يعني الكتيبة التي كان فيها القعقاع بن عمرو - فقاتلوا
قتال هؤلاء القوم لكانت قد أجزأت وأغنت)).
وكتيبة عاصم هي كتيبة الاهوال، فشبه كتيبة الاهوال لمّا رأى منهم في
الماء والفراض بكتيبة الخرساء... - إلى قوله -: فلمّا استووا على
الفراض هم وجميع أفراد كتيبة الاهوال بأسرهم أقحم سعد الناس وكان
الَّذي يساير سعدا في الماء سلمان الفارسي، فعامت بهم الخيل وسعد
يقول: ((حسبنا اللّه ونعم الوكيل، واللّه لينصرنَّ وليه، وليظهرنَّ
اللّه دينه، وليهزمنَّ اللّه عدوَّه، انّ لم يكن في الجيش بغي أو
ذنوب تغلب الحسنات)) فقال له سلمان: ((الاسلام جديد، ذللت لهم واللّه
البحور كما ذلل لهم البر، أمّا والَّذي نفس سلمان بيده ليخرجن منه
أفواجا كما دخلوه أفواجا)) (25) فطبقوا الماء حتّى
ما يرى الماء من الشاطئ وانّهم فيه أكثر حديثا منهم في البر لو
كانوا فيه، فخرجوا منه - كما قال سلمان - ((لم يفقدوا شيئا ولم يغرق
منهم أحد)).
4 -
وفي حديث آخر وسند آخر قال: إنّهم سلموا من عند آخرهم إلاّرجلا من
بارق يسمّى غرقدة، زال عن ظهر فرس له شقراء، كأني أنظر إليها تنفض
أعرافها عريا والغريق طاف، فثنى القعقاع بن عمرو عنان فرسه إليه،
فأخذ بيده فجرَّه حتّى عبر، فقال البارقي - وكان من أشد الناس -
عجزت الاخوات أنّ يلدن مثلك يا قعقاع، وكان للقعقاع فيهم خؤولة.
5 -
وقال في حديث آخر بسند آخر: فمّا ذهب لهم يومئذ إلاّ قدح كانت
علاقته رثة فانقطعت، فذهب به الماء، فقال الرجل الَّذي كان يعاوم
صاحب القدح معيرا له: أصابة القدر فطاح، فقال: واللّه إنّي لعلى
جديله (26) مّا كان ليسلبني اللّه قدحي من بين أهل
العسكر، فلمّا عبروا إذا رجل ممن كان يحمي الفراض قد سفل حتّى طلع
عليه أوائل الناس، وقد ضربته الرياح والامواج حتّى وقع إلى الشاطئ
فتناوله برمحه، فجاء به إلى العسكر، فعرفه فأخذه صاحبه، وكان حليفا
لقريش من عنز يدعي مالك بن عامر، فقال للذي يعاومه
ويدعى عامر بن مالك: ألم أقل لك؟!
6 -
وقال في حديث آخر بسند آخر: لمّا أقتحم سعد الناس في دجلة اقترنوا،
فكان سلمان قرين سعد إلى جانبه يسايره في الماء، وقال سعد: ((ذلك
تقدير العزيز العليم)) والماء يطمو بهم، وما زال فرس يستوي قائما إذا
أعيا ينشر له تلعة فيستريح عليها كأنّه على الارض، فلمّ يكن في
المدائن أمر أعجب من ذلك، وذلك ((يوم الماء)) وكان يدعى ((يوم
الجراثيم))!.
7 -
وفي حديث آخر له، روى عن عدة رواة أنّهم قالوا: كان يوم ركوب دجلة
يدعى ((يوم الجراثيم)) لا يعيا أحد إلاّ أُنشزت له جرثومة يريح
عليها!
8 -
وفي حديث آخر بسند آخر قال الراوي: خضنا دجلة وهي تطفح، فلمّا كنّا
في أكثرها ماء لم يزل فارس واقف مّا يبلغ المأ حزامه.
9 -
وفي حديث آخر بسند آخر قال الراوي: ((لمّا عبر المسلمون يوم المدائن
دجلة، فنظروا إليهم يعبرون، جعلوا يقولون بالفارسية:
((ديوان آمد)) وقال بعضهم لبعض: واللّه ما تقاتلون الانس وما تقاتلون
إلاّ الجن، فانهزموا!
وأخرج هذه الرواية الطبري عن سيف، وأخذ من الطبري من جاء بعده من
المؤرخين دونما ذكر لسندهم، وأخرج بعضها أبو نعيم في دلائل النبوَّة
بسنده إلى سيف.
وأما
غير سيف فقد ذكر الحموي في ترجمة الكوفة بعد إشارته إلى وقعة رستم
بالقادسية: وكان الدهاقين قد ناصحوا المسلمين ودلّوهم على عورات
فارس، وأهدوا لهم وأقاموا لهم الاسواق، ثمّ توجه سعد نحو المدائن إلى
يزد جرد... - إلى قوله -: فلمّ يجد معابر، فدلّوه على مخاضة عند قرية
الصيادين أسفل المدائن، فأخاضوها الخيل حتّى عبروها.
وقال
الخطيب - بترجمة هاشم من تاريخه -: فلمّا هزم اللّه العدو ورجعوا إلى
المدائن، اتبعهم سعد والمسلمون، فدلَّ علج من أهل المدائن سعدا على
مخاضة بقطربل فخاضها المسلمون... الحديث.
وذكر
تفصيله الطبري عن ابن إسحاق وقال: فلمّا وضعوا على دجلة العسكر
والاثقال، طلبوا المخاضة فلمّ يهتدوا لها حتّى أتى سعدا علج من أهل
المدائن، فقال: أدلُّكم على طريق تدركونهم قبل أنّ يمعنوا في السير،
فخرج بهم على مخاضة بقطربل، فكان أول من خاض المخاضة هاشم بن عتبة في
رجاله، فلمّـا جاز اتبعته خيله، ثمّ أجاز خالد بن عرفطة بخيله، ثمّ
أجاز عياض بن غنم بخيله، ثمّ تابع الناس... الحديث.
وقال
ابن حزم في الجمهرة: ومن بني سنبس السليل بن زيد بن مالك المعلى الذي
غرق يوم جاز المسلمون دجلة إلى المدائن ولم يغرق من المسلمين يومئذ
أحد غيره(27) .
نتيجة
المقارنة:
كان
عبور الجيش يوم المدائن من مخاضة يعرفها علوج المنطقة دلّوا سعدا
عليها، فخاضها أولا هاشم في رجاله ثمّ خاضها خالد ثمّ عياض، وسيف
يحكي في أسطورته حيرة سعد أولا، ثمّ كشف الحجب له في رؤياه عن اقتحام
البحر، ثمّ انتدابه الجيش للعبور وقول الجميع له - بلسان واحد - عزم
اللّه لنا ولك على الرشد، وانتداب عاصم التميمي ذي البأس ليحمي
الفراض، وتوليته على ستمائة من أهل النجدات، وخوضه دجلة في ستين
منهم، ومحاربته الاعداء في الماء، وظفره عليهم، وتشبيه سعد كتيبته
المسماة بالاهوال بكتيبةأخيه الخرساء، ويصف سيف كيف اقتحم الماء
بعده سائر الجيش وطبقوه حتّى لا يرى الماء من الشاطىء، وانصرافهم
إلى الحديث في عومهم - وهم لا يكترثون - أكثر ممّا يتحدثون على
الارض، ويحكي أنّه إذا أعيا الفرس أُنتشزت له تلعة يستريح عليها كأنه
على الارض ولا يعيا أحد إلاّ أُنشزت له جرثومة يريح عليها، ولذلك
سِمّي اليوم يوم الجراثيم، ويحكي أنّه لم يغرق إلاّ غرقدة وكان من شد
الرجال ومن خؤولة القعقاع زال عن ظهر فرسه وطفا على الماء، فانتشله
القعقاع، وجرَّه حتّى عبر به، فقال غرقدة: عجزت الاخوات أنّ يلدن
مثلك، وحكى أنّه انقطعت علاقة قدح كانت رثة فذهب به الماء وضربته
الامواج والرياح حتّى ألقته إلى الشاطئ فرفعه حامي أسفل الفرات على
رمحه، وجاء به إلى الجيش، فعرفه صاحبه واسترجعه!!
هكذا
يروي سيف هذه الاسطورة! ولا أدري لِمَ لَمْ تنشز تلعة، أو جرثومة
لغرقدة حتّى غرق، وهل شاء القدر أن يصنع من ذلك مكرمة لبطل تميم
القعقاع فأغرقه، أمّ ماذا؟ وربما كان التجانس بين لفظ الغرقدة
والغريق والغرق - أيضا - ملحوظا لدى سيف الاديب
عند
وضعه هذه الاسطورة.
يروي
سيف في هذه الاسطورة لكل من الاخوين: قعقاع وعاصم بطلي تميم مكرمة،
ويروي للجيش منقبة يسجلها المنقبيون كأبي نعيم
في
الدلائل ويقصها سيف في شكل أحاديث يؤيد بعضها بعضا الاخر، ويضع لكل
منها سلسلة من الرواة إتقانا للصنعة ويضع هذه
الاسطورة كجلّ أساطيره بأسلوب تمثيلي رائع، حيث يضع على لسان أبطال
أساطيره من حوار وحركة حتّى كأنها تنبض بالحياة، ويجسم حوادثها حتّى
كأنها بمرأى من القارئ، يشاهد حركاتهم ويسمع حوارهم، ويعيش في
أجوائهم، ويشعر بأحاسيسهم، وليست الاسطورة مع هذا بحاجة إلى سند
يصلنا بأبطالها، ويبرهن على صدقها. وفي حديث غرقدة من هذه الاسطورة
والذي ذكرناه بلفظ سيف شاهد على مّا نقول: زال غرقدة عن ظهر فرسه
الشقراء، وكأنَّ الراوي - حين روي - كان ينظر إليها وهي تنفض أعرافها
عريا! أمّا الغريق فقد طاف ولم تبتلعه اللجة التي كانت ترمي بالزبد،
وهنا يأتي دور البطل المنقد القعقاع، فإنّه يثني عنان فرسه ويأخذ بيد
الغريق ويجرُّه حتّى يعبر به والغريق كان من أشد الناس، وكان من
بارق، وللقعقاع فيهم خؤولة، فيقول الغريق المنتشل: عجزت الاخوات أنْ
يلدن مثلك يا قعقاع! وهو بيت القصيد في الرواية ((عجزت الاخوات أنْ
يلدن مثلك يا قعقاع بطل تميم)) ولغير هذا الحديث من الاسطورة أيضا
الميزة نفسها، والدور البطولي في الاسطورة لعاصم الذي خاطر واقتحم
البحر، وحارب العدو في الماء، وعلى الفراض حتّى دمر العدو، وقضى
عليه، ثمّ حمى الفراض حتّى عبر الجيش!
حصيلة
الحديث:
أ -
خطبة لسعد تضاف إلى النثر الفني.
ب -
أدعية لسعد ينبغي تدوينها في كتب الاذكار والادعية.
ج -
يوم خالد من أيام الاسلام الحربية، عمّ ذكره في موسوعات التأريخ
الاسلامي.
د -
منقبة للجيش الاسلامي دونت في كتب المناقب.
ه
- تسمية لكتيبة عاصم التميمي بالاهوال وكتيبة أخيه بالخرساء، وغير
هذا ممّا يضاف إلى مناقب الاخوين بطلي تميم!
مناقشة
السند:
لم
يذكر الطبري سند الحديث الاول، وروي سيف الحديث الثاني عن ((رجل))
ولا ندري ماذا تخيل سيف اسم هذا الرجل لنبحث عنه، وفي سند الحديث
الخامس والسابع ((محمد)) و((طلحة)) و((المهلب)) وسبق قولنا فيهم، وفي
سند الحديث الخامس ((عمير الصائدي)) ولم نجد له ذكرا في غير حديث سيف
هذا فلنا أنّ نضيف اسمه إلى قائمة مخترعات سيف من الرواة.
وأسند الحديثين الثالث والرابع إلى رواة لهم وجود خارج أحاديث سيف
غير أنّه ليس لنا أنّ نحمّلهم وزر مّا تفرد سيف في إسناده إليهم
بعدما رأينا وضعه واختلاقه.
25 أنّ سيفا وضع على سلمان هذا القول وأراد أنّ
يقول شأن الاسلام شأن كلّ جديد ينتشر أولا ثمّ ينحسر ويخرج الناس من
هذا الدين.
26 الطريقة والشاكلة.
27 الطبري ط. مصر 4 / 141 و 170 ـ 173، وتاريخ
بغداد للخطيب بترجمة هاشم 1 / 196، وذكر فتح المدائن من فتوح البلدان
للبلاذري 366 وترجمة الكوفة من معجم البلدان 4 / 323، ودلائل النبوة
3 / 208 ـ 209، وجمهرة أنساب العرب لابن حزم 378. وابن الاثير 2 /
372 ـ 374 و 398، وابن كثير 7 / 37 ـ 47 و 64، وابن خلدون 2 / 315 ـ
328 و 329.