يوم أرماث:

وقال في يوم أرماث: حملت فيلة الفرس ودارت رحى الحرب على بني أسد، وأحجمت الخيول عن الفيلة، فأرسل سعد إلى عاصم بن عمرو فقال: يا معشر بني تميم! ألستم أصحاب الابل والخيل، أمّا عندكم لهذه الفيلة من حيلة؟! قالوا: بلى واللّه! ثمّ نادى عاصم في رجال من قومه رماة وآخرين لهم ثقافة - وأهل الثقافة هم أهل الحذق والخفة في الطعن بالرمح - فقال لهم: يا معشر الرماة ذبوا ركبان الفيلة عنهم بالنبل، وقال: يا معشر أهل الثقافة، استدبروا الفيلة فقطّعوا وُضَنَها، وخرج عاصم يحميهم والرحى تدور على أسد، وقد جالت الميمنة والميسرة غير بعيد، وأقبل أصحاب عاصم على الفيلة فأخذوا بأذنابها وذباذب توابيتها، فقطعوا وُضَنَها وارتفع عواؤها فمّا بقي لهم فيل يومئذ إلاّ أُعرِي وقتل أصحابها، ونفس عن أسد وردوا فارسا عنهم، وكان عاصم عادية الناس وحاميتهم، وهذا يومها الاول وهو يوم أرماث. قال سيف: ولمّا رأت سلمى امرأة سعد بن أبي وقاص - وكانت قبله تحت المثنى - مّا تفعله الفرس، نادت: وامثنياه! ولا مثنى للخيل! وكان سعد مريضا لا يخرج إلى القتال، فلطم وجهها وقال: أين المثنى من هذه الكتيبة التي تدور عليها، يعني أسدا، وعاصما وخيله...

هذا ما رواه الطبري. أمّا الحموي فقد قال في ترجمة أرماث: كأنّه جمع رمث، اسم نبت بالبادية، كان أول يوم من أيام القادسية يسمونه أرماث... ولا أدري: أهو موضع أم ارادوا النبت المذكور؟ - إلى قوله:- وقال عاصم بن عمرو:

     حَمَينا يومَ أرماثٍ حمانا

                          وبعضُ القومِ أولى بالجمالِ (22)

 يوم أغواث:

وروي الطبري في يوم أغواث أنّه قدم رسول لعمر بأربعة أسياف وأربعة أفراس، ليقسمها في أهل البلاء انّ لقوا حربا، فأعطى الاسياف ثلاثة من بني أسد، والرابع لعاصم بن عمرو، وأعطى الافراس لثلاثة من بني تميم أحدهم القعقاع، وأسدي واحد.

 يوم عماس(23):

وقال في يوم عماس: سرَّب القعقاع أصحابه ليلا إلى مكانهم بالامس ليقدموا المعركة نهارا مائة مائة، فجيددوا رجاء المسلمين، وكذلك فعل عاصم بأصحابه، وقويت بذلك نفوس المسلمين، وفي هذا اليوم عادت الفيلة تفرق بين الكتائب كيوم أرماث، فأرسل سعد إلى القعقاع وعاصم ابني عمرو يقول لهما: اكفياني الفيل الابيض، وكانت الفيلة تألفه، فأخذا رمحين أصمَّين ليّنين، ودبّا في خيل ورجل، فقالا: اكتنفوه لتحيروه، ثمّ حملا، فوضعا رمحيهما معا في عيني الفيل الابيض، فقبع ونفض رأسه وطرح سائسه ودلى مشفره، فضربه القعقاع بسيفه فقطعه.

وذكر سيف لعاصم في ليلة الهرير وقبلها وبعدها بأسا وشوكة، وقال: ثبت بعد هزيمة المشركين جماعة من أبطالهم، فقابلهم أبطال المسلمين، وكان منهم عاصم وبإزائه زاذُ بن بُهَيْش، فقضى على من بإزائه(24) .

هذه رواية سيف عن القادسية في مّا يخص عاصما عند الطبري، ومنه أخذ ابن الاثير وابن خلدون دونما ذكر لسندهما، وابن كثير وذكر مصدره سيفا احدى عشرة مرة في هذا الخبر.

 نتيجة المقارنة:

تفرد سيف برواية مخاطبة الثور لعاصم في ميسان، وعزَّزها بثانية: وهي تحقيق الحجاج عن القصة، وشهادة الشهود لديه بصحتها، بينما

قال غيره: كانوا إذا احتاجوا إلى العلف والطعام أغاروا على أسفل الفرات - قسم من السواد - وهذا ما يناسب حالة الجيش المحارب يومذاك.

وروي أنّ كسرى أراد أنّ يحمل التراب على رأس أشرف الرسل إليه، فبادر عاصم بحمله وذهب إلى سعد تفاؤلا بذلك، وقال غيره: انّ رستم هو الذي فعل ذلك، والذي حمل التراب بردائه هو عمرو بن معد يكرب.

وتفرّد أيضا بذكر مواقف البطل عاصم في غاراته، وخطبه، ورجزه.

وبطولاته في أيام القادسية: أرماث وأغواث وعماس وما بعدها، تفرد بذكر ذلك خلافا: لما ذكره الدينوري والبلاذري، وأعرضنا عن إيراد ما ذكراه حذرا من التطويل. 

حصيلة الحديث:

أ - منقبة لبطل تميم عاصم في تكليم البقر إيّاه بلسان عربي فصيح.

ب - حضور بديهته في مقابلة كسرى بحمل التراب على عنقه تفاؤلا به.

ج - بطولات فذَّة تشرف تميما ثمّ نزارا، والبركة في أحاديث سيف.

 مناقشة السند:

في سند الحديث عن يوم الاباقر: عبد اللّه بن مسلم العكلي وكرب بن أبي كرب العكلي ولم نجد لهما في غير حديث سيف هذا ذكرا في مّا بحثنا من مصادر.

وفي إسناد مّا يليه من حديث جاء اسم النضر بن السري في ثلاث روايات، وابن الرفيل، وحميد بن أبي شجار في واحدة، وتكرّر ذكر اسم محمد وزياد، وسبق قولنا فيهم جميعا انّهم من مختلقات سيف من الرواة.


22 (الجمال): الجمال: الحسن.

23  راجع يوم أرماث في ترجمة القعقاع.

24 الطبري 4 / 88 ـ 136 ط. مصر الاولى، وطبعة أوربا 1 / 2225 ـ 2346.وتاريخ اليعقوبي 2 / 144 ومعجم البلدان. وفتوح البلدان 356 ـ 365، والاخبار الطوال ص 119 ـ 126.