في الحيرة

 المذار (1) والثني:

 وروى الطبري (2) عن سيف بعد فتح الابُّلة: أن هرمز كان قد استمد من ملك الفرس، فأمده بقارن بن قريانس، فبلغ المذار بعد الهزيمة ومقتل هرمز، فاجتمع الفُلاّل بثني ـ وذكر أن العرب تسمي كلّ نهر الثَّني ـ وقال: فالتقوا واقتتلوا على حنق وحفيظة، فقتل قارن، وقتل من الفرس ثلاثون ألفاً سوى من غرق.

 في الولجة:

 وروى سيف في أمر الولجة: أن ملك الفرس لما بلغه الخبر، أرسل الاندرزغر فجمع عرب الضاحية والدهاقين، وأرسل بهمن جاذويه مدداً له، فبلغ خالداً خبرهم، فجاءهم وقاتلهم قتالاً شديداً أعظم من قتال الثني، فانهزمت صفوف الاعاجم، وقتلوا، وانهزم الاندرزغر، ومات عطشاً في هزيمته، وقال: وبارز خالد رجلاً من فارس يعدل بألف رجل، فقتله، فلما فرغ اتكأ عليه ودعا بغدائه. قال

وكان ذلك في صفر من سنة اثنتي عشرة. والولجة مما يلي كسكر من البر.

 في أُلَّيْس:

 وروى في خبر ((أليس)): إن نصارى العرب وعرب الضاحية غضبوا لمن قتل منهم، فكاتبوا الفرس، فجاء إليهم القائد الفارسي جابان بجيشه. واجتمعوا بأليس، واقتتلوا قتالاً شديداً، وزاد كَلَبَهُم توقُّعُهم المدد من ملكهم، فآلى خالد ـ إن انتصر عليهم ـ ألاّ يُبقي منهم أحداً يقدر عليه، وأن يجري نهرهم بدمائهم، فلما انتصر عليهم منع عن قتل الاسرى، وأمر بجلبهم من كلّ جانب، فانتشر الجيش يجلب الاسرى من جوانب أليس، فأقبلت الخيول بهم أفواجاً، مستأسرين يساقون، ووكلّ بهم رجالاً يضربون أعناقهم في النهر، ففعل ذلك بهم يوماً وليلة، وطلبوهم الغد وبعد الغد حتّى انتهوا إلى النهرين، ومقدار ذلك من كلّ جانب أليس. فضرب أعناقهم، فقال القعقاع وأشباه له: ((إن الدماء لا تزيد على أن ترقرق منذ نهيت عن السيلان، وقالوا: إن الارض لما نشفت دم ابن ادم نهيت عن نشف الدماء، ونهي الدم عن السيلان إلاّ مقدار برده، فأرسل الماء على الدم تبر يمينك، وقد كان صد الماء عن النهر فأعاده، فجرى الماء دماً عبيطاً، وطحنت أرحاء كانت على النهر بالماء الاحمر قوت العسكر ـ ثمانية عشر ألفاً أو يزيدون ـ ثلاثة أيام، فسمي النهر ((نهر الدم)) لذلك، وبلغت قتلاهم سبعين ألفاً.

 ثمّ ذكر الطبري معارك كبيرة لخالد بنواحي الحيرة، وختم روايات سيف فيها بقوله (3): وقال القعقاع بن عمرو في أيام الحيرة:

     سقى اللّهُ قَتلى بالفراتِ مقيمةً

                             وأخرى بأثباجِ النّجافِ الكوانفِ

   فنحنُ وطأنا بالكواظِمِ هرمزاً

                               وبالثني قَرني قارِنٍ بالجوارِفِ

    ويَومَ أحَطنا بالقُصورِ تتابعتْ

                      على الحيرة الروحاء إحدى المصارفِ

   حططناهمُ منها وقد كاد عرشهمْ

                             يميلُ بهم فعلَ الجبانِ الُمخالِفِ

   رمينا عليهم بالقبولِ وقد رأوا

                            غُبوقَ المنايا حولَ تلك المحارِفِ

   صبيحة قالوا نحنُ قومُ تنَزَّلوا

                      إلى الريف من أرض العريبالمقانف(4)

 ويقصد سيف من هذه الابيات أن بطل أسطورته القعقاع افتخر ببطولاته في حروب خالد مع هرمز في الكاظمة، ومع قارن في الثني، ومع نصارى العرب، ومسالح كسرى، وغيرهم في الحيرة.

 هذا بعض ما أورده الطبري عن سيف في معارك خالد بالحيرة، ومن الطبري أخذ كلّ من ابن الاثير، وابن كثير، وابن خلدون في تواريخهم، وأشار ابن كثير إلى مصدريه: الطبري وسيف.

 ومن سيف أيضاً أخذ الحموي ما أورده بترجمة (الثني) وقال: (ويوم الثني لخالد بن الوليد على الفرس قرب البصرة مشهور، وفيه قال القعقاع:

 سقى اللّه قتلى بالفرات مقيمة ـ إلى ـ وبالثني قرني قارن بالجوارف).

 الثِّنْيُ والثَّنيُّ مكانان اختلقهما سيف:

استخرج الحموي من روايات سيف ترجمة للثِّنْي (بالكسر) وأورد فيها عن سيف شعرا وخبرا للقعقاع، كما أوردنا آنفا، وأُخرى للثَّنيِّ

(بالفتح) نسب فيها شعرا وخبرا لابي مفزَّر. وسيأتي تمام الخبر في ترجمة أبي مفزَّر، إن شاء اللّه تعالى.

 ومن سيف أخذ الحموي ـ أيضاً ـ ما ذكره في ((الولجة)) وقال: (الولجة بأرض كسكر موضع مما يلي البر، واقع فيه خالد بن الوليد

جيش الفرس فهزمهم، ذكره في الفتوح في صفر سنة 12، وقال القعقاع بن عمرو:

    ولم أرَ قوماً مثلَ قومٍ رأيتُهُم

                           على وَلجاتِ البرّ أحمى وأنجبا

  وأقتلَ للرّواسِ في كلّ مجمعٍ

                      إذا ضعضع الدهرُ الجموع وكبكبا(5)

إنتهى هذا ما ذكره الحموي، ومن الحموي أخذ عبدالمؤمن ما ذكره في ترجمة الثني، والولجة من مراصد الاطلاع.

 أما البلاذري فقد ذكر في أمر المذار (6) أنَّ المثنى بن الحارثة واقع مرزبان المذار فهزمه، وكان ذلك في عصر أبي بكر، وذكر في عصر عمر: أنّ عتبة بن غزوان أتى إليها فخرج إليه مرزبانها، فقاتله، فهزمه اللّه، وغرق عامّة من معه، وضرب عتبة عنق المرزبان.

 والولجة، والثني ـ بكسر أوله وسكون ثانيه ـ لم نجد لهما ذكراً عند غير سيف!

 وذكر البلاذري (7) في خبر أليس: أن خالد بن الوليد أتى أليس، فخرج إليه جابان عظيم العجم وصالحهم خالد على أن يكون أهل أليس عيوناً للمسلمين على الفرس وأدلاء وأعواناً.

 وجاءت قصة الدم واليمين على أن يجريه، في الاشتقاق لابن دريد هكذا: قال ((إنَّ المنذر الاكبر يوم اوارة قتل بكر بن وائل قتلاً ذريعاً، وكان يذبحهم على جبل، فالى أن يذبحهم حتّى يبلغ الدم الارض، فقال له الوصاف ـ الحارث بن مالك العجلي ـ: أبيت اللعن، لو قتلت أهل الارض هكذا لم يبلغ دمهم الحضيض، ولكن تأمر بصب الماء على الدم حتّى يبلغ الدم الارض. فسمي ـ الحارث الوصاف لذلك)). إنتهى. نرى أن سيفاً بلغته هذه العنجهية الجاهلية فأعجب بها ونسبها إلى خالد بطل مضر لتذهب مضر بفخر هذه المكرمة (8).

 مناقشة السند:

 في سند الحديث عبدالرحمن بن سياه ومحمّد بن عبداللّه والمهلب وهم ممن عرفناهم من مخترعات سيف من الرواة.

 وزياد بن سرجس الاحمري ويروي عنه سيف في تاريخ الطبري ثلاثاً وخمسين رواية ولم نجد له ذكراً عند غيره فاعتبرناه من مخترعات سيف من الرواة، وأسماء مجهولين آخرين وأسماء مشتركة بين عدة رواة لم ندر من عناه سيف لنبحث عنه.

 نتيجة المقارنة:

 تفرّد سيف برواية حديث ((الثني)) و ((الولجة)) وأخرجه الطبري في تاريخه وأسنده إلى سيف، ومن الطبري أخذ من جاء بعده من المؤرخين.

 والحموي أورد موجز حديث سيف في الثني ولم يذكر مصدره، وفي الولجة ذكر مصدره حيث قال: ((وفي كتاب الفتوح)) ويقصد كتاب فتوح سيف، وكان عنده نسخة بخط ابن الخاضبة كما سنبيّنه في محله إن شاء اللّه.

 أما ((المذار)) و ((اليس)) فقد كان لهما وجود خارج حديث سيف غير أنه ذكر فتحهما بتحريف، فالذي بدأ حرب المذار هو المثنى، وثنّى الحرب عليهم عتبة بن غزوان وضرب عنق مرزبانها، وفي أليس ذكروا أن خالداً صالحهم على أن يكونوا أدّلاء وعيوناً للمسلمين على الفرس، وسيف يذكر معركة هائلة وقسوة وفظاظة، فهل كان الدافع لسيف ذكر بطولات لمضر فحسب، أم أن له مع هذا دافعاً آخر، وهو بيان أنَّ الاسلام انتشر بحد السيف وإراقة الدماء لا بمساعدة الشعوب على حكامهم كما كان الواقع؟!.

 حصيلة الحديث:

 أ ـ قائد للفرس اسمه قارن بن قريانس. ب ـ مكان اسمه (الثني). وآخر اسمه ((الولجة))، يترجمان في الكتب البلدانية. ج ـ أربعة رواة للحديث: المهلب بن عقبة الاسدي، أبو عثمان يزيد بن أسيد الغساني، زياد بن سرجس الاحمري، عبدالرحمن بن سياه الاحمري، يضافون إلى رواة الحديث ندرسهم فيما يأتي إن شاء اللّه تعالى. د ـ رجز يضاف إلى تراثنا الادبي التاريخي. هـ قتل بطل فارسي يعدل بألف، واتكاء خالد عليه وتغديه في ساحة الحرب مما يعجب الاسطوريين ـ محبي الاساطير ـ والمنقبيين الراغبين في تكثير مناقب السلف الصالح. و ـ قتل عام استمرّ أياماً وليالي ممن يجلبون من الاراضي القريبة والبعيدة. ز ـ طحن الارحية ثلاثة أيام قوت ثمانية عشر ألفاً أو يزيدون بالماء الاحمر من الدم. ح ـ ثلاثون ألف قتيل في معركة الثني وسبعون ألفا في أليس. مائة ألف غير من غرق. ط ـ مكرمة لبطل تميم القعقاع وأشباهه ولولاهم لبقي خالد يضرب الاعناق على حد زعم سيف إلى ما شاء اللّه، وهذا ما يعجب به أعداء الاسلام الذين يرغبون أن يسمعوا كثرة القتلى في الفتوح الاسلامية، كلّ هذا من بركة أحاديث سيف!!


1  قال الحموي: المذار قصبة ميسان بين واسط والبصرة وتبعد عن البصرة اربعة أيام. وبها قبر عبد اللّه بن علي بن أبي طالب وأهلها شيعة طغام أشبه شي‌ء بالانعام فتحها عتبة أيام عمر بعد البصرة.

2  الطبري ط. اوربا، 1 / 2026 ـ 2036، وابن الاثير 2 / 148 ـ 149، وابن كثير 6 / 344 ـ 346، وابن خلدون 2 / 297 ـ 298.

3  الطبري ط. أوربا 1 / 2017، 2019 وفتوح البلدان للبلاذري ط. دار النشر للجامعيين، سنة 1388 ه‍ ص 342.

4  الاثباج جمع الثبج: وسط الشي‌ء أو أعلاه. والنجاف: مايلي الفرات من البر أو الريف (تفسير سيف) والكوانف: الحواجز مفردها كانفة، والكواظم والكاظمة: موضع. هرمز اسم قائد فارسي عند سيف، وقارن مثله، والجوارف جمع الجارفة أو المجرفة وهي آلة الجرف، والحيرة مدينة قرب الكوفة وصفها سيف بالروحاء. والمصارف: والابيات بعده هكذا وردت. (وكلها من شعر سيف وأحاديثه).

5  الولجات: موضع الولوج. الرواس: الامراء والحكام والحكم، وضعضع (كذا في طبعة أوربا) وفي غيرها صعصع بالصاد أي فرق.

6  البلاذري من فتوح البلدان 353 و 478.

7  المصدر السابق 339 و 342.

8  الاشتقاق لابن دريد ص 345، والجمهرة لابن حزم ص 295.