وقصّة عثور المصريين على كتاب عثمان الى واليه بمصر في ما أخرجه البلاذري وغيره(1).

واللفظ للبلاذري عن أبي مخنف قال : لمّا شخص المصريون بعد الكتاب الّذي كتبه عثمان فصاروا بأيلة(2) أو بمنزل قبلها رأوا راكبا خلفهم يريد مصر فقالوا له : من أنت فقال : رسول أمير المؤمنين إلى عبدالله بن سعد ، وأنا غلام أمير المؤمنين وكان أسود . فقال بعضهم لبعض : لو أنزلناه وفتَّشْناهُ ألاّ يكون صاحبه قد كتب فينا بشيء ، ففعلوا فلم يجدوا معه شيئا ، فقال بعضهم لبعض : خلّوا سبيله ، فقال كنانة بن بشر : أما والله دون أن أنظر في إداوته فلا . فقالوا : سبحان الله أيكون كتاب في ماء؟ فـقال : إنّ للناس حيـلاً . ثمَّ حلّ الإداوة فإذا فيها قارورة مختومة ـ أو قال مضمومة ـ في جوف القارورة كتاب في أنبوب من رصاص فأخرجه فقرئ فإذا فيه :

أمّا بعد : فإذا قدم عليك عمرو بن بديل فاضرب عنقه ، واقطع يدي ابن عديس ، وكنانة وعروة ، ثمَّ دعهم يتشحّطون في دمائهم حتّى يموتوا . ثمَّ أوثقهم على جذوع النخل .

فيقال : إنّ مروان كتب الكتاب بغير علم عثمان ، فلمّا عرفوا ما في الكتاب ، قالوا : عثمان محلٌّ ، ثمَّ رجعوا عودهم على بدئهم حتّى دخلوا المدينة فلقوا عليّاً بالكتاب ، وكان خاتمه من رصاص ، فدخل به عليٌّ على عثمان فحلف بالله ما هو كتابه ولا يعرفه ، وقال : أمّا الخط فخطّ كاتبي وأمّا الخاتم فعلى خاتميّ ، قال عليّ : فمن تتّهم قال : أتّهمك واتّهم كاتبي . فخرج عليٌّ مغضباً وهو يقول : بل هو أمرك .

قال أبو مخنف ، : وكان خاتم عثمان بدءاً عند حمران بن أبان ، ثمّ أخذه مروان حين شخص حمران إلى البصرة فكان معه .

وفي رواية أخرى : ثمّ وجدوا كتاباً إلى عامله على مصر أن يضرب أعناق رؤساء المصريين ، فرجعوا ودفعوا الكتاب إلى عليّ فأتاه به فحلف له انّه لم يكتبه ولم يعلم به .

فقال له علي : فمن تتّهم فيه

فقال : أتّهم كاتبي وأتّهمك يا علي! لانّك مطاع عند القوم ولم تردّهم عَنِّي .

وجاء المصريون إلى دار عثمان فأحدقوا بها ، وقالوا لعثمان وقد أشرف عليهم :

ياعثمان! أهذا كتابك فجحد وحلف .

فقالوا : هذا شرٌّ ، يكتب عنك بما لا تعلمه ، ما مثلك يلي أمور المسلمين ، فاختلع من الخلافة .

فقال : ما كنت لاُنزع قميصاً قمّصنيه الله .

وقالت بنو أميّة : ياعليّ! أفسدت علينا أمرنا ودسست والّبت .

فقال : ياسفهاء! إنّكم لتعلمون انّه لا ناقة لي في هذا ولا جمل ، وإنّي رددت أهل مصر عن عثمان ثمَّ أصلحت أمره مرّة بعد أخرى ، فما حيلتي؟ وانصرف وهو يقول : اللّهمّ إنّي بري ممّا يقولون ومن دمه إن حدث به حدث .

قال : وكتب عثمان حين حصروه كتابا قرأه ابن الزبير على الناس ـ وقيل بل قرأه الزبير والاوّل أصحّ ـ يقول فيه :

والله ماكتبت الكتاب ، ولا أمرت به ، ولا علمت بقصّته ، وأنتم معتبون من كلّ ماساءكم ، فأمِّروا على مصركم من أحببتم ، وهذه مفاتيح بيت مالكم فادفعوها إلى من شئتم .

فقالوا قد اتّهمناك بالكتاب فاعتزلنا .

وفي رواية أخرى للطبري(3) : حتّى إذا كانوا بالبويب وجدوا غلاماً لعثمان معه كتاب إلى عبدالله بن سعد فكرُّوا وانتهوا إلى المدينة وقد تخلّف بها من الناس الأشتر وحكيم بن جبلة فأتوا بالكتاب فأنكر عثمان أن يكون كتبه وقال : هذا مفتعل .

قالوا : فالكتاب كتاب كاتبك؟

قال : أجل ، ولكنّه كتبه بغير أمري .

قالوا : فانّ الرسول الّذي وجدنا معه الكتاب غلامك

قال : أجل ولكنّه خرج بغير إذني .

قالوا : فالجمل جملك .

قال : أجل ولكنّه أخذ بغير علمي .

قالوا : ما أنت إلاّ صادق أو كاذب . فان كنت كاذباً فقد استحققت الخلع لما أمرت به من سفك دمائنا بغير حقّها ، وإن كنت صادقاً فقد استحققت أن تخلع لضعفك وغفلتك وخبث بطانتك ، لانّه لاينبغي لنا أن نترك على رقابنا من يقتطع مثل  هذا الأمر دونه لضعفه وغفلته ، وقالوا له : إنّك ضربت رجالا من أصحاب النبيّ (ص) وغيرهم حين يعظونك ويأمرونك بمراجعة الحقّ عندما يستنكرون من أعمالك فأقد من نفسك من ضربته وأنت له ظالم .

فقال : الإمام يخطئ ويصيب فلا أقيد من نفسي لانّي لو أقدت كلّ من أصبته بخطأ آتي على نفسي .

قالوا : إنّك قد أحدثت أحداثاً عظاماً فاستحققت بها الخلع ، فإذا كلّمت فيها أعطيت التوبة ، ثمَّ عدت إليها وإلى مثلها ، ثمَّ قدمنا عليك فأعطيتنا التوبة والرجوع إلى الحقّ ولامنا فيك محمّد بن مسلمة وضمن لنا ماحدث من أمر فاحضرته فتبرّأ منك وقال : لا أدخل في أمره ، فرجعنا أوّل مرّة لنقطع حجّتك ونبلغ أقصى الإعذار إليك نستظهر بالله عزّ وجلّ عليك فلحقنا كتاب منك إلى عاملك علينا تأمره فينا بالقتل والقطع والصلب وزعمت انّه كتب بغير علمك وهو مع غلامك وعلى جملك وبخطّ كاتبك وعليه خاتمك فقد وقعت عليك بذلك التهمة القبيحة مع ما بلونا منك قبل ذلك من الجور في الحكم والاثرة في القسم ، والعقوبة للامر بالتبسّط من الناس ، والإظهار للتوبة ثمّ الرجوع إلى الخطيئة ، ولقد رجعنا عنك وما كان لنا أن نرجع حَتَّى نخلعك ونستبدل بك من أصحاب رسول الله (ص) من لم يحدث مثل ما جرّبنا منك ، ولم يقع عليه من التهمة ما وقع عليك فاردد خلافتنا واعتزل أمرنا ، فانّ ذلك أسلم لنا منك ، وأسلم لك منّا .

فقال عثمان : فرغتم من جميع ما تريدون؟

قالوا : نعم .

قال : ـ بعد الحمد والثناء ـ أمّا بعد : فانّكم لم تعدلوا في المنطق ولم تنصفوا في القضاء ، أمّا قولكم : تخلع نفسك . فلا أنزع قميصا قمّصنيه الله عزَّ وجلّ وأكرمني به وخصّني به على غيري ولكنّي أتوب وأنزع ولا أعود لشيء عابه المسلمون ، فإنّي والله الفقير إلى الله الخائف منه .

قالوا : إنّ هذا لو كان أوّل حدث أحدثته ثمّ تبت منه ولم تقم عليه لكان علينا أن نقبل منك ، وأن ننصرف عنك ، ولكنّه قد كان منك من الأحداث قبل هذا ما قد علمت ولقد انصرفنا عنك في المرّة الاولى وما نخشى أن تكتب فينا ولا من اعتللت به بما وجدنا في كتابك مع غلامك ، وكيف نقبل توبتك ، وقد بلونا منك أنّك لاتعطي من نفسك التوبة من ذنب إلاّ عدت إليه؟ فلسنا منصرفين حتّى نعزلك ونستبدل بك ، فان حال من معك من قومك وذوي رحمك وأهل الإنقطاع دونك بقتال قاتلناهم حتّى نخلص إليك فنقتلك أو تلحق أرواحنا بالله .

فقال عثمان : أمّا أن أتبرّأ من الإمارة فإن تصلبوني أحبّ إليّ من أن أتبرّأ من أمر الله عزّ وجلّ وخلافته ، وأمّا قولكم : تقاتلون من قاتل دوني . فانّي لاآمر أحداً بقتالكم فمن قاتل دوني فإنّما قاتل بغير أمري ، ولعمري لو كنت أُريد قتالكم لقد كتبت إلى الأجناد ، فقادوا الجنود ، وبعثوا الرجال أو لحقت ببعض أطرافي بمصر أو العراق فالله الله في أنفسكم ; أبقوا عليها إن لم تبقوا عليّ ; فانّكم مجتلبون بهذا الأمر إن قتلتموني دماً . قال : ثمَّ انصرفوا عنه وآذنوه بالحرب وأرسل إلى محمّد ابن مسلمة فكلّمه أن يردّهم فقال : والله لاأكذب الله في سنة مرّتين .

وفي رواية أخرى للبلاذري(4) :

انّ المصرييّن لمّا قدموا فشكوا عبدالله بن سعد بن أبي سرح ، سألوا عثمان أن يولّي عليهم محمّد بن أبي بكر . فكتب عهده وولاّه ووجّه معهم عدَّة من المهاجرين والأنصار ينظرون في ما بينهم وبين ابن سرح ، فشخص محمّد بن أبي بكر وشخّصوا جميعا ; فلمّا كانوا على مسيرة ثلاث من المدينة إذا هم بغلام أسود على بعير وهو يخبط البعير خبطا كأنّه رجل يَطلبُ أو يُطلبُ .

فقال له أصحاب محمّد بن أبي بكر : ما قصّتك وما شأنك كانّك هارب أو طالب .

فقال لهم مرّة : أنا غلام أمير المؤمنين وقال مرَّة أخرى : أنا غلام مروان ، وجَّهَني إلى عامل مصر برسالة .

قالوا : فمعك كتاب؟

قال : لا . ففتّشوه ، فلم يجدوا معه شيئا ، وكانت معه إداوة قد يبست فيها شيء يتقلقل فحرّكوه ليخرج فلم يخرج فشقّوا الإداوة فإذا فيها كتاب من عثمان إلى ابن أبي سرح .

فجمع محمّد من كان معه من المهاجرين والأنصار وغيرهم ثمّ فكّ الكتاب بمحضر منهم فإذا فيه :

إذا أتاك محمّد بن أبي بكر وفلان وفلان ، فاحتل لقتلهم وأبطل كتاب محمّد وقرَّ على عملك حتّى يأتيك رأيـي ، و احبـس  من يجىء  إليّ  متظلّـما  منك  إن شاء الله .

فلمّا قرأوا الكتاب فزعوا وغضبوا ورجعوا إلى المدينة وختم محمّد بن أبي بكر الكتاب بخواتيم نفر مِمَّنْ كان معه ، ودفعه إلى رجل منهم وقدموا المدينة ، فجمعوا عليّاً وطلحة والزبير وسعداً ومن كان من أصحاب النبيّ (ص) ثمّ فَكُّوا الكتاب بمحضر منهم ، وأخبروهم بقصّة الغلام وأقرأوهم الكتاب ، فلم يبق أحد من أهـل الـمدينة إلاّ حنـق على عثمان ، وزاد ذلك من كان غَضِبَ لابن مسعود وعمّار بن ياسر وأبي ذرّ حنقاً وغيظاً ، وقام أصحاب النبيّ بمنازلهم ما منهم أحد الاّ وهو مغتمّ لما في الكتاب .

وحاصر الناس عثمان ، وأجلب عليه محمّد بن أبي بكر ببني تيم وغيرهم ، وأعانه على ذلك طلحة بن عبيدالله ، وكانت عائشة تقرصه كثيراً . . . الحديث .

 

و - ايضاً - روى الطبري في تاريخه (5) وقال : 

( وأمّا الواقدي فانه ذكر في سبب مسير المصريين الى عثمان ونزولهم ذا خُشُب أموراً كثيرة، منها ما تقدم ذكره; ومنها ما أعرضت عن ذكره كراهة منّى لبشاعته(6). ومنها ما ذكر أنّ عبد الله بن جعفر حدّثه عن أبي عون مولى المسور، قال : كان عمرو بن العاص على مصر عاملاً لعثمان; فعزله عن الخراج، واستعمله على الصلاة، واستعمل عبد الله بن سعد على الخراج; ثمّ جمعها لعبد الله بن سعد، فلّما قدم عمرو بن العاص المدينة جعل يطعن على عثمان، فأرسل اليه يوماً عثـمان خالياً به، فقال : يابن النابغة، ما أسرع ما قمل جرّبان جُبتّك! انّما عهدك بـالعمل عاماً أوّل. أتطعن عليّ وتأتيني بوجه وتذهب عنّي بآخر! والله لولا أُكْلَةٌ مافـعلت ذلك. قال: فقال عمرو: ان كثيراً ممّا يقول الناس وينقلون الى ولاتهم باطل ; فاتَّق اللّه  يا أمير المؤمنين في رعيّتك ! فقال عثمان : والله لقد استعملتك على ظَلِعْك، وكثرة القالة فيك. فقال عمرو. قد كنت عاملاً لعمر بن الخطاب، ففارقني وهو عنّي راض . قال : فقال عثمان : وأنا والله لو اخذتك بما اخذك به عمر لاستقمت; ولكنّي لنت عليك فاجترأت علىّ ، أما والله لأنّا أعزّ منك نفراً في الجاهليّة ; وقبل أن أليَ هذا السلطان. فقال عمرو : دع عنك هذا، فالحمد لله الـذي أكـرمنا بـمحمّد (ص) وهدانا به ; قد رأيت العاصي بن وائل ورأيت أباك عفّان ، فو الله للعاص كان أشرف من أبيك . قال فانكسر عثمان، وقال : ما لنا ولذكر الجاهليّة!.

قال : وخرج عمرو ودخل مروان ، فقال : يا أمير المؤمنين ; وقد بلغت مبلغاً يذكر عمرو بن العاص أباك ! قال عثمان : دع هذا عنك، من ذكر آباء الرجال ذكروا أباه.

قال : فخرج عمرو من عند عثمان وهو محتقد عليه، يأتي عليّاً مرّة فيؤلّبه على عثمان، ويأتي الزبير مرّة فيؤلّبه على عثمان، ويأتي طلحة مرّة فيؤلّبه على عثمان، ويعترض الحاجّ فيخبرهم بما أحدث عثمان، فلمّا كان حصْر عثمان الأوّل; خرج من المدينة، حتّى انتهى الى أرض له بفلسطين يقال لها السبع; فنزل في قصر له يقال له العجلان; وهو يقول : العجب ما يأتينا عن ابن عفّان!

قال : فبينا هو جالس في قصره ذلك، ومعه ابناه محمّد وعبد الله; وسلامة ابن روح الجذامّي، اذْ مرّ بهم راكب، فناداه عمرو : من أين قدم الرجل؟ فقال : من المدينة، قال : ما فعل الرجل ؟ يعني عثمان ، قال تركتُه محصوراً شديد الحصار. قال عمرو : أنا أبو عبد الله; قد يضرط العَيْر(7) والمكواة في النار . فلم يبرح مـجلسه ذلك حتى مرّ به راكب آخر، فنـاداه عـمرو : ما فعل الرّجل ؟ يعنى عثمان ، قال : قتل ، قال : أنا أبو عبد الله; اذا حكَكْتُ قرْحةً نكأتها، إن كنت لاحرّض عليه; حتّى إني لاحرّض عليه الراعي في غنمه في رأس الجبل. فقال له سلامة بن روح : يا معشر قريش; إنّه كان بينكم وبين العرب باب وثيق فكسرتموه،فما حملكم على ذلك !؟ فقال : اردنا ان نخرج الحقّ من حافرة الباطل، وأن يكون الناس في الحقّ شرعاً سواء، وكانت عند عمرو أخت عثمان لامّه أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، ففارقها حين عزله.

ولمّا كانت مصر أشدّ على عثمان من غيره(8) وأراد عثمان أن يخفّف من غلوائهم أرسل إلى رئيسهم ابن أبي حذيفة بمال في مارواه البلاذري(9) أيضا وقال : وبعث عثمان إلى ابن أبي حذيفة بثلاثين ألف درهم وبحمل عليه كسوة فأمر به فوضع في المسجد وقال : يامعشر المسلمين الا ترون إلى عثمان يخادعني عن ديني ويرشوني عليه!!؟ فازداد أهل مصر عيباً لعثمان وطعناً عليه واجتمعوا إلى ابن أبي حذيفة فرأسّوه عليهم .

وروى الطبريّ(10) بسنده إلى الزبير بن العوام قال : كتب أهل مصر بالسقيا أو بذي خشب(11) إلى عثمان بكتاب ، فجاء به رجل منهم حتّى دخل به عليه ، فلم يردّ عليه شيئا ، فأمر به فأخرج من الدار ، وكان أهل مصر الّذين ساروا إلى عثمان ستمائة رجل على أربعة الوية لها رؤوس أربعة ، مع كل رجل منهم لواء ، وكان جماع أمرهم جميعاً إلى عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعي ، وكان من أصحاب النبيّ (ص ) ، وإلى عبدالرحمن بن عديس التجيبي ، فكان في ماكتبوا :

بسم الله الرّحمن الرّحيم .

أمّا بعدُ ، فاعلم أَنّ الله لايغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم ، فالله اللّهَ ، ثمّ اللّهَ اللّهَ فانّك على دنيا فاستتمّ معها آخرة ولا تنس نصيبك من الآخرة فلا تسوغ لك الدنيا ، وأعلم اِنّا واللّه وللّه نغضب ، وفي الله نرضى ، وإنّا لن نضع سيوفنا عن عواتقنا حتّى تأتينا منك توبة مصرّحة أو ضلالة مجلّحة مبلجة(12) ، فهذه مقالتنا لك وقضيّتنا إليك ، والله عذيرنا منك والسلام .

قال محمّد بن عمر : وحدّثني عبد الله بن محمّد، عن أبيه، قال : كان محمّد ابن أبي بكر ومحمّد بن أبي حذيفة بمصر يحرّضان على عثمان، فقدم محمّد بن أبي بكر وأقام محمّد بن أبي حذيفة بمصر; فلّما خرج المصريّون خرج عبد الرحمن بن عُديس البَلَويّ في خمسمائة واظهروا انّهم يريدون العمرة وخرجوا في رجب وبعث عبد اللّه بن سعد رسولا سار احدى عشرة ليلة يخبر عثمان انّ ابن عديس وأصحابه قد وجّهوا نحوه، وأنّ محمّد بن أبي حذيفة شيّعهم الى عجرود ، ثمّ رجع وأظهر محمّد أن قال : خرج القوم عُمّاراً، وقال في السرّ : خرج القوم الى إمامهم فإن نزع وإلاّ قتلوه; وسار القوم المنازل لم يعدّوها حتى نزلوا ذا خُشُب . وقال عثمان قبل قدومهم من جاءه رسول عبد الله بن سعد : هؤلاء قوم من أهل مصر يريدون - بزعمهم - العمرة، والله ما أراهم يريدونها; ولكن الناس قد دخل بهم; وأسرعوا الى الفتنة، وطال عليهم عمري; أما والله لئن فارقتهم ليتمنّون أنّ عمري كان طال عليهم مكان كلّ يوم بسنة ممّا يرون من الدماء المسفوكة، والإحَن والأثرة الظاهرة، والأحكام المغيَّرة (13).

قال : فلمّا نزل القوم ذا خُشب جاء الخبر أنّ القوم يريدون قتل عثمان إن لم ينزع، وأتى رسولهم الى علىّ ليلاً، والـى طلـحة، والـى عمّار بن ياسر وكتب محمّد بن أبي حذيفة معهم الى عليّ كتاباً، فجاءوا بالكتاب الى عليّ، فلم يظهر على مافيه ، فلما رأى عثمان ما رأى جاء عليّاً فدخل عليه بيته ، فقال: يابن عمّ، إنّه ليس لي متّرك ; وإن قرابتي قريبة ; ولي حقٌ عظيم عليك ، وقد جاء ما ترى من هـؤلاء القوم، وهم مصبحي; وأنا أعلم أنّ لك عـند الناس قدراً، وأنّهم يسمعون منك ، فأنا أحبّ أن تركب اليهم فتردّهم عنّي ، فإنّي لا أحبّ أن يدخلوا عليّ ، فإن ذلك جرأة منهم عليّ ، وليسمع بذلك غيرهم. فقال عليّ : علام أردّهم ؟ فقال : على أن أصير الى ما أشرت به عليّ ورأيته لي ; ولست أخرج من يديك ; فقال عليّ : انّي قد كنت كلمتك مرّة بعد مرّة ، فكلّ ذلك نخرج فتُكلم ، ونقول وتقول ; وذلك كلّه فعل مروان بن الحكم وسعيد بن العاص وابن عامر ومعاوية; أطعتهم وعصيتني. قال عثمان : فانّي أعصيهم وأطيعك (14).

قال : فأمر الناس ، فركبوا معه : المهاجرون والأنصار. قال وأرسل عثمان الى عمّار بن ياسر ، يُكّلمه أن يركب مع عليّ فأبى ، فأرسل عثمان الى سعد بن أبي وقاص ، فكلّمه أن يأتي عمّارً فيكلمه أن يركب مع عليّ ; قال : فخرج سعد حتّى دخل على عمّار ، فقال : يا أبا اليقظان ، ألا تخرج فيمن يخرج! وهذا عليّ يخرج فاخرج معه ، واردد هؤلاء القوم عن إمامك ، فانّي لأحسب أنّك لم تركب مركباً هو خيرٌ لك منه.

قـال : وأرسـل عثمان الى كثير بن الصّلت الكنديّ - وكان من أعوان عثمان - فقال : انطلق في اَثر سعد فاسمع ما يقول سعد لعمّار ، وما يردّ عمّار على سعد ، ثمّ  ائتني سريعاً.

قال : فخرج كثير حتى يجد سعداً عند عمّار مخلّياً به ، فألقم عينه جُحْر الباب ، فقام اليه عمّار ولا يعرفه ، وفي يده قضيب ، فأدخل القضيب الجُحر الذي ألقمه كثير عينه ، فأخرج كثير عينه من الجُحر ، وولّى مدبراً متقنّعاً. فخرج عّمار فعرف أثره ، ونادى : يا قليل ابن أمّ قليل ! أعليّ تطّلع وتستمع حديثي ! والله لو دريت أنّك هو لفقأت عينك بالقضيب ; فانّ رسول الله (ص) قد أحلّ ذلك. ثمّ رجع عمّار الى سعد ، فكلّمه سعد و جعل يفتله بكل وجه ; فكان آخر ذلك أن قال عمّار : والله لا أردّهم عنه أبداً. فرجع سعد الى عثمان فاخبره بقول عمّار ، فاتّهم عثمان سـعداً أن يكون لم يناصحه ، فأقسم له سعد با لله ; لقد حرّض . فقبل منه عثمان. قال : وركب عليّ (ع) الى أهل مصر ، فرّدهم عنه ، فانصرفوا راجعين (15).

قال محمّد بن عمر : حدّثني محمّد بن صالح ، عن عاصم بن عمر ، عن محمود بن لبيد ، قال : لما نزلوا ذا خُشب ، كلّم عثمان عليّاً وأصحاب رسول الله صـلّى اللّه عليه وسلّم  أن يردّوهم عنه ، فركب عليّ وركب معه نفر من المهاجرين ، فيهم سعيد بن زيد ، وأبو جهم العدوي ، وجُبير بن مطعم ، وحكيم بن حزام ، ومروان بن الحكم ، وسعيد بن العاص ، وعبد الرحمن بن عتّاب بن أسيد; وخرج مـن الأنـصار أبـو أسيد الساعديّ وأبو حُميد الساعديّ ، وزيد بن ثابت ، وحسّان بن ثابت ، وكعب بن مالك ومعهم من العرب نيّار بن مكرز وغيرهم ثلاثون رجلاً ; وكلّمهم عليّ ومحمّد بن مسلمة - وهما اللّذان قدما - فسمعوا مقالتهما ، ورجعوا. قال محمود : فأخبرني محّمد بن مسلمة ، قال : ما برحنا من ذي خُشب حتّى رحلوا راجعين الى مصر ، وجعلوا يسلّمون عليّ ، فما أنسى قول عبد الرحمن بن عُديس : أتوصينا يا أبا عبد الرحمن بحاجة ؟ قال : قلت تتّقي الله وحده لاشريك له ، وتردّ من قبلك عن إمامه ، فانّه قد وعدنا أن يرجع وينزع . قال ابن عديس : أفعلُ ان شاء الله . قال : فرجع القوم الى المدينة (16).

وروى البلاذري(17) وقال : واتى المغيرة بن شعبة عثمان فقال له : دعني آت القوم فانظر ماذا يريدون ، فمضى نحوهم ، فلمّا دنا منهم صاحوا به :

يا أعور وراءك! يا فاجر وراءك! يا فاسق وراءك!

فرجع ودعا عثمان عمرو بن العاص ، فقال له : إئتِ القوم فادعهم الى كتاب الله والعتبى ممّا ساءهم ، فلمّا دنا منهم سلّم ، فقالوا : لا سلّم الله عليك! إرجع ياعدوّ الله! إرجع ياابن النابغة! فلست عندنا بأمين ولا مأمون .

فقال له ابن عمر ، وغيره : ليس لهم إلاّ عليّ بن أبي طالب ، فلمّا أتاه قال : يا أبا الحسن ! إئت هؤلاء القوم فادعهم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه .

قال : نعم إن أعطيتني عهد الله وميثاقه على انّك تفي لهم بكلّ ما أضمنه عنك .

قال : نعم ، فأخذ عليّ عليه عهد الله وميثاقه على أوكد ما يكون وأغلظ . وخرج إلى القوم .

فقالوا : وراءك!

قال : لا . بل أمامي ، تعطون كتاب الله وتعتبون من كل ما سخطتم . فعرض عليهم ما بذل .

فقالوا : أتضمن ذلك عنه .

قال : نعم .

قالوا : رضينا . وأقبل وجوههم وأشرافهم مع عليّ حتّى دخلوا على عثمان وعاتبوه ، فأعتبهم من كلّ شيء .

فقالوا : أكتب بهذا كتابا ، فكتب :

بسم الله الرّحمن الرّحيم .

هذا كتاب من عبدالله عثمان أمير المؤمنين لمن نقم عليه من المؤمنين والمسلمين ; أنّ لكم أن أعمل فيكم بكتاب الله وسنّة نبيّه . يُعطى المحروم . ويؤمن الخائف . ويردّ المنفيّ . ولا تجمّر في البعوث ، ويوفّر الفيء ، وعليّ بن أبي طالب ضمين للمؤمنين والمسلمين على عثمان بالوفاء بما في هذا الكتاب .

شهد الزبير بن العوام . وطلحة بن عبيدالله . وسعد بن مالك أبي وقّاص . وعبدالله بن عمر . وزيد بن ثابت . وسهل بن حنيف . وأبو أيّوب خالد بن زيد . وكتب في ذي القعدة سنة 35 . فأخذ كلّ قوم كتاباً فانصرفوا .

ويظهر من رواية البلاذري وغيره أنّ الخليفة كان قد كتب للمصريين خاصّة كتابا آخر غير هذا عزل فيه ابن أبي سرح عنهم وولَّى عليهم بدله محمّد ابن أبي بكر فقد جاء في رواية للبلاذري :

فقام طلحة إلى عثمان فكلّمه بكلام شديد ، وأرسلت إليه عائشة (رض) تسأله أن ينصفهم من عامله ، ودخل عليه عليّ بن أبي طالب وكان متكلّم القوم فقال له : إنّما يسألك القوم رجلا مكان رجل ، وقد ادّعوا قبله دماً فاعزله عنهم واقض بينهم ، فان وجب عليه حقّ فأنصفهم منه . فقال لهم : إختاروا رجلاً أولّيه عليكم مكانه . فأشار الناس عليهم بمحمّد بن أبي بكر الصدّيق(18) فقالوا : استعمل علينا محمّد بن أبي بكر . فكتب عهده وولاّه ووجّه معهم عدّة من المهاجرين والأنصار ينظرون فيما بينهم وبين ابن أبي سرح .

قال محمّد بن عمر : فحدّثني عبد  الله  بن محمّد ، عن أبيه قال : لمّا رجع عليّ (ع) الى عثمان رضي الله عنه ، أخبره أنهم قد رجعوا ، وكلّمه عليّ كلاماً في نفسه ، قال له : أعلم أنّي قائل فيك أكثر ممّا قلت . قال : ثمّ خرج الى بيته ، قال : فمكث عثمان ذلك اليوم ; حتّى اذا كان الغد جاءه مروان ، فقال له : تكلّم وأعلم الناس أنّ أهل مصر قد رجعوا، وانّ ما بلغهم عن امامهم كان باطلا فاّن خطبتك تسير في البلاد قبل أن يتحلّب الناس عليك من أمصارهم فيأتيك من لا تستطيع دفعه . قال : فأبى عثمان أن يخرج . قال : فلم يزل به مروان حتّى خرج فجلس على المنبر فحمد اللّه  وأثنى عليه ثمّ قال : أمّا بعد فأنّ هؤلاء القوم من أهل مصر كان بلغهم عن امامهم أمر ; فلّما تيّقنوا أنّه باطل مابلغهم عنه رجعوا الى بلادهم . قال  : فناداه عمرو بن العاص من ناحية المسجد اتّق الله يا عثمان ; فانّك قد ركبت نهابير(19) وركبناها معك ; فتب الى الله نتب قال : فناداه عثمان ; وإنّك هناك يا بن النابغة ! قملت والله جُبّتك منذ تركتك من العمل . قال : فنودي من ناحية أخرى : تب الى الله وأظهر التوبة يكفّ الناس عنك. قال : فرفع عثمان يديه مدّ اً واستقبل القبلة ، فقال : اللّهم  إني أوّل من تائب تاب إليك . ورجع الى منزله ، وخرج عمرو ابن العاص حتى نزل منزله بفلسطين ، فكان يـقول : والله ان كـنت لألقى الراعي فأحرّضه عليه.

قال محمد بن عمر : فحدّثني عليّ بن عمر ، عن أبيه ، قال : ثمّ إن عليّاً جاء عثمان بعد انصراف المصريين ، فقال له : تكلّم كلاماً يسمعه الناس منك ويشهدون عليه ، ويشهد الله على ما في قلبك من النزوع والإنابة ; فأنّ البلاد قد تمخّضت عليك فلا آمن ركباً آخرين يقدمون من الكوفة ، فتقول : يا عليّ ، اركب اليـهم ; ولا أقدر ان أركب اليهم ; ولا أسمع عذراً . ويقدم ركب آخرون من البصرة ، فتقول : يا عليّ اركب اليهم ; فإن لم أفعل رأيتني قد قطعت رحمك ، واستخففت بحقّك.

قال : فخرج عثمان فخطب الخطبة التي نزع فيها ، وأعطى الناس من نفسه التوبـة ، فـقام فحمد الله ، وأثنى عليه بما هو أهله ، ثمّ  قال : أمّا بعد أيّها الناس ; فو الله ما عاب من عاب منكم شيئاً أجهله ، وما جئت شيئاً الاّ وأنا أعرفه ; ولكنّي منتّنى نفسي وكذّبتني ، وضلّ عنّي رشدي ; ولقد سمعت رسول الله (ص) يقول : «من زلّ فليتب ، ومن أخطأ فليتب ; ولا يتمادى في الهلكة ; إنّ من تمادى في الـجور كان أبعد من الطريق» فأنا أوّل من اتّعظ ; أستغفر الله ممّا فعلت وأتوب اليه ، فمثلى نزع وتاب ; فاذا نزلت فليأتنى أشرافكم فليروني رأيهم ; فو الله لئن ردّني الـحقّ عبداً لأستّن بسنّة العبد ، ولأذلّن ذلّ العبد ، ولأكونّن كالمرقوق ; ان ملك صبر ، وان عتق شكر ; وما عن الله مذهب إلاّ اليه ، فلا يعجزنّ عنكم خياركم أن يدنوا الىّ ، لئن أبت يميني لتتابعني شمالي .

قال : فرقّ الناس له يومئذ ، وبكى من بكى منهم ، وقام اليه سعيد بن زيد . فقال : يا أمير المؤمنين ، ليس بواصل لك من ليس معك ; الله الله في نفسك ! فأتمم على ما قلت . فلّما نزل عثمان وجد في منزله مروان وسعيداً ونفراً من بني أميّة ; ولم يكونوا شهدوا الخطبة ; فلّما جلس قال مروان : يا أمير المؤمنين، أتكلّم أم أصمت ؟ فقالت نائلة ابنة الفرافصه امرأة عثمان الكلبيّة لابل اصمت فانّهم والله قاتلوه ومؤثموه ; انّه قد قال مقالة لا ينبغي له أن ينزع عنها . فأقبل عليها مروان ، فقال: ما أنت وذاك ! فو الله لقد مات أبوك وما يحسن ان يتوضّأ ، فقالت له : مهلاً يا مروان عن ذكر الآباء تخبر عن أبي وهو غائب تكذب عليه ! وانّ أباك لا يستطيع أن يدفع عنه ; أما والله لولا أنّه عمّه ، وانّه يناله غمّه أخبرتك عنه ما لن أكذب عليه .

قال : فأعرض عنها مروان ، ثمّ قال : يا أمير المؤمنين ، أتكّلم أم أصمت ؟ قال : بل تكّلم ، فقال مروان : بأبي أنت وأمّي! والله لوددت أنّ مقالتك هذه كانت وأنت ممتنع منيع فكنت أوّل من رضى بها ، وأعان عليها ; ولكنّك قلت ما قلت حيـن بـلغ الحزام الطبيين ، وبلغ (20)السيل الزبي ، وحين أعطى الخطّة الذليلة الذليل ; والله لاقامة على خطيئة تستغفر الله منها أجمل من توبة تخوّف عليها ; وإنّك ان شئت تقرّبت بالتوبة ولم تقرر بالخطيئة ; وقد اجتمع اليك على الباب مثل الجبال من الناس . فقال عثمان : فاخرج اليهم فكلّمهم ، فإنّي أستحيي أن أكلّمهم . قال : فخرج مروان الى الباب والناس يركب بعضهم بعضاً ، فقال : ما شأنكم قد اجتمعتم كأنّكم قد جئتم لنهب ! شاهت الوجوه ! كلّ انسان آخذ باذن صاحبه . إِلاّ من أريد ! جئتم تريدون ان تنزعوا ملكنا من أيدينا! اخرجوا عنّا ، أما والله لئن رمتمونا ليمرّن عليكم منّا أمر. لايسرّكم ; ولا تحمدوا غبّ رأيكم ارجعوا الى منازلكم ; فانّا والله ما نحن مغلوبين على ما في أيدينا.

قال : فـرجع الناس وخـرج بعضهم حتّى أتى علياً فاخبره الخبر ، فجاء عليّ (ع) مغضباً، حتّى دخل على عثمان ، فقال : أما رضيت من مروان ولا رضيَ منك إلا بتحرّفك عن دينك وعن عقلك ، مثل جمل الظعينة يقاد حيث يسار به ; والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا نفسه ; وايم الله إني لأراه سيوردك ثمّ  لا يصدرك ; وما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك ، أذهبت شرفك ، وغلبت على أمرك . فلّما خرج عليّ دخلت عليه نائلة ابنة الفرافصة امرأته ، فقالت : أتكلّم أو أسكت ؟ فقال : تكلّمي ; فقالت : قد سمعت قول عليّ لك ، وانه ليس يعاودك ، وقد أطعت مروان يقودك حيث شاء . قال : فما أصنع ؟ قالت : تتّقي الله وحده لا شريك له ، وتتّبع سنّة صاحبيك من قبلك ، فإنّك متى أطعت مروان قتلك ; ومروان ليس له عند الناس قدر ولا هيبة ولا محبّة ; وانّما تركك الناس لمكان مروان ; فأرسل الى عليّ فاستصلحه ، فإنّ له قرابةً منك ، وهو لا يُعصى . قال : فأرسل عثمان الى عليّ ، فأبى ان  يأتيه ، وقال : قد أعلمتُه أنّي لست بعائد.

قال : فبلغ مروان مقالة نائلة فيه ، قال : فجاء الى عثمان فجلس بين يديه ، فقال : أتكلّم  أو أسكت  ؟ فقال : تكلّم ، فقال : انّ بنت  الفرافصة   ...   فقال عثمان : لا تـذكرنها بحرف فأسوء لـك وجهك ،فهي والله أنصح لي منك .قال : فكفّ مروان .

قال محمد بن عمر : وحدّثني شرحبيل بن أبي عون ، عن أبيه قال : سمعتُ عبـد الـرحمن بن الاسود بن عبد يغوث يذكر مروان بن الحكم ، قال : قبّح الله مروان ! خرج عثمان الى الناس فأعطاهم الرضا ، وبكى على المنبر وبكى الناس حتّى  نـظرت الى لحية عثمان مخضلّة من الدموع ، وهو يقول : اللّهم  إنّي أتوب اليك ; اللّهم  انّي أتوب اليك ، اللّهم  انّي أتوب اليك ! والله لئن ردّني الحّق الى أن أكون عبداً رقِّاً لأرضينّ به ; اذا دخلت منزلي فادخلوا عليّ ; فو الله لا أحتجب منكم ، ولاعطينّكم الرضا ، ولازيدنّكم على الرضا ، ولانحينّ مروان وذويه . قال : فلّما دخل أمر بالباب ففتح ، ودخل بيته ، ودخل عليه مروان ، فلم يزل يفتله في الذروة والغارب حتّى فتله عن رأيه ; وأزاله عمّا كان يريد ; فلقد مكث عثمان ثلاثة أيام ما خرج استحياءً من الناس ; وخرج مروان الى الناس ، فقال : شاهت الوجوه ! اِلاّ من أريد ! ارجعوا الى منازلكم ; فان يكن لامير المؤمنين حاجة بأحدكم منكم يرسل اليه ، وإلاّ قرّ في بيته . قال عبد الرحمن : فجئت الى عليّ فأجده بين القبر والمنبر ، وأجد عنده عمّار بن ياسر ومحمّد بن أبي بكر وهما يقولان : صنع مروان بـالناس وصنع. قال : فأقبل عليَّ عليٌ ، فقال : أحضرت خطبة عثمان ؟ قلت نعم قال : افحضرت مقالة عثمان قلت نعم قال عليّ : عياذ الله يا للمسلمين ! انّي ان قعدت في بيتي قال لي : تركتني وقرابتي وحقّي ; وانّي إن تكلّمت فجاء ما يريد يلـعب بـه مـروان ، فصار سيّقة(21) له يسوقه حيث شاء بعد كبر السنّ وصحبة رسول الله (ص) . قال عبد الرحمن بن الاسود : فلم يزل حتّى جاء رسول عثمان : ائتني فقال عليّ بصوت مرتفع عال مغضب : قل له : ما أنا بداخل عليك ولا عائد. قال : فانصرف الرسول . قال : فلقيت عثمان بعد ذلك بليلتين جائياً(22)، فسألت ناتلا غلامه : من أين جاء أمير المؤمنين ؟ فقال : كان عنـد عليّ ، فقال عبد الرحمن بن الاسود : فغدوت فجلست مع عليّ (ع) ، فقال لي : جاءني عثمان البارحة ، فجعل يقول : اني غير عائد ; وانّي فاعل ; قال : فقلت له : بعد ما تكلّمت به على منبر رسول الله (ص) ، وأعطيت من نفسك ، ثمّ دخلت بيتك ، وخرج مروان الى الناس فشتمهم على بابك ويؤذيهم ! قال : فرجع وهو يقول : قطعت رحمي وخذلتني ، وجرّأت الناس عليّ فقلت : والله اني لاذبّ الناس عنك ; ولكنّي كلّما جئتك بهنة أظنّها لك رضاً جاء بأخرى ; فسمعت قول مروان عليّ، واستدخلت مروان. ثمّ قال : ثمّ انصرف الى بيته. قال عبد الرحمن بن الأسود: فلَم أزل أرى عليّاً منكبّاً عنه لا يفعل ما كان يفعل ; الاّ أنّي أعلم . أنّه قد كلّم طلحة حين حصر في أن يدخل عليه الروايا ، وغضب في ذلك غضباً شديداً ، حتّى دخلت الروايا على عثمان.

قال محمّد بن عمر : وحدثني عبد الله بن جعفر ، عن اسماعيل بن محمّد ، أنّ عثمان صعد يوم الجمعة المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، فقام رجل ، فقال : أقم كتاب الله ، فقال عثمان : اجلس ، فجلس حتى قام ثلاثاً ، فأمر به عثمان فجلس ، فتحاثّوا بالحصباء حتى ما تُرى السماء ; وسقط عن المنبر ، وحُمِل فـأدخل داره مغشيّاً عليه ، فخرج رجل من حجّاب عثمان ، ومعه مصحف في يده وهو ينادي (إِ نَّ الَّذِينَ فَرَّ قُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَىْ إنَّمَا أمْرُ هُمْ إلىْ الله) الانعام / 159 ودخل عليّ بن أبي طالب على عثمان رضى الله عنهما وهو مغشيّ عليه ، وبنو أميّة حوله ، فقال : مالك يا أمير المؤمنين ؟ فأقبلت بنو أميَّة بمنطق واحد فقالوا : يا عليّ أهلكتنا وصنعت هذا الصنيع بأمير المؤمنين ! أما والله لئن بلغت الذي تريد لتُمَرَّنَّ عليك الدنيا . فقام عليّ مغضباً.


1  أنساب الاشراف 5/26-69 و 95, و الطبري 5/119-120, وط. أوربا 1/2984 - 2997, و الرياض النضرة 2/123-125, و راجع المعارف لابن قتيبة 84, و العقد الفريد 2/263, و ابن الأثير 3/65-66, و ابن أبي الحديد 1/165-166, وابن كثير 7/173-189,و تاريخ الخميس 2/259.

2  ايلة بآخر الحجاز و أول الشام.

3  الطبري 5/120-121, وط.أوربا 1/2995-2997.

4  أنساب الاشراف 5/67-68.

5  الطبري ط اوربا 1/2966-2980,و ط. تحقيق محمد ابو الفضل ابراهيم 4/256-265 و انظر انساب الاشراف : مع عمرو 5/74 و 60 - 64 منه.

6  لشناعته.

7  العير : الحمار , مثل يضرب للرجل يخاف الأمر فيجزع قبل وقوعه فيه , مجمع الأمثال 2/95.

8  الطبري 5/114 و 115, وط. اوربا 1/2983.

9  أنساب الاشراف , 5/51.

10  الطبري 5/111-112,وط.اوربا 1/2986-2987, و البلاذري 5/64-65, و ابن الأثير 3/68, و شرح النهج 1/163-164, وابن كثير 7/172, و ابن أعثم في ذكره ما نقم على عثمان و ابن خلدون 2/396-397.

11  السقيا من أسافل أودية تهامة و ذي خشب على مسيرة ليلة من المدينة معجم البلدان.

12  جلح على الشيء أقدم اقداما شديدا. و جلح في الأمر : صمم و ركب رأسه . مبلجة واضحة بينة.

13  الطبري 5/109 و. ط اوربا 1/2968.

14  تاريخ الطبري ط. اوربا, 1/2969.

15  تاريخ الطبري ط.اوربا 1/2969-2970.

16  تاريخ الطبري , ط.اوربا , 1/2970-2971.

17  أنساب الاشراف 5/63-64.

18  يغلب على الظن أن أم المؤمنين عائشة أخت محمد, و طلحة ابن عمها و غيرهما من بني تيم لم يكونوا بعيدين عن هذه الاشارة.

19  النهابير: المهالك.

20  في الاصل خلف و الصواب ما اثبتناه, المستقصى في امثال العرب للزمخشري (ت538هـ) باب : الباء مع اللام.

21  السيقة : ما يساق من الدواب.

22 في نسخة الطبري (خائبا) و الصواب ما اتيناه راجع تعليق ديخويه في الهامش (p) من ص : 1/2978.