اخبار الفتنة في روايات سيف :

الف : روى الطبري(1) وقال في ذكر حوادث سنة خمس وثلاثين هجرية من تاريخه وقال :

ثمّ دخلت سنة خمس وثلاثين ذكر ماكان فيها من الاحداث .

ذكـر مسير من سار الى ذي خشب (2) من اهل مصر وسبب مسير من سار الى ذى المروة من اهل العراق .

1 - كتـب اليّ السري، عن شعيب ،عن سيف، عن محمد وطلحة وعطية، قالوا: كتب عثمان الى أهل الامصار : أمّا بعد ، فانّي آخذ العمّال بموافاتي في كلّ موسم، وقد سلّطت الامّة منذ وَليتُ على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فلا يرفع عليّ شئ ولا على أحد من عمّالي الاّ أعطيته ، وليس لي ولعيالي حقّ قبل الرعيّة الاّ متروك لهم وقد رفع اليّ أهل المدينة أنّ أقواما يشتمون ، وآخرون يضربون ، فيامن ضرب سرّاً ، وشتم سرّاً ، من ادّعى شيئاً من ذلك فليواف الموسم فليأخذ بحقّه حيث كان  ; منيّ أو من عمّالي أو تصدقوا فانّ اللّه  يجزي المتصدقين. فلمّا قرئ في الامصار أبكى الناس، ودعوا لعثمان وقالوا : انّ الامّة لتمخّـض بشرّ. وبعث الى عمّال الامصار فقدموا عليه : عبد اللّه  بن عامر ، ومعاوية، وعبد اللّه بـن سعد ; وأدخل معهم في المشورة سعيداً وعمراً ، فقال : ويحكم ! ماهذه الشكاية ؟ وما هذه الاذاعة ؟ انّي واللّه لخائف أن تكونوا مصدّقاً عليكم ومايعصب (3) هذا الاّ بي ; فقالوا له : ألم تبعث ! ألم نرجع اليك الخبر عن القوم ! ألم يرجعوا ولم يشافههم أحد بشيء! لا واللّه  ما صدقوا ولا برّ وا، ولا نعلم لهذا الامر أصلا، وما كنت لتاخذ به احدّاً فيقيمك على شيء; وماهي الاّ اذاعة لايحلّ الاخذ بها ولا الانتهاء اليها.

قال : فأشيروا عليّ ; فقال سعيد بن العاص : هذا أمر مصنوع يصنع في السرّ، فيلقى به غيـر ذي المعرفة ، فيخبر به فيتحدّث به في مجالسهم ، قال : فما دواء ذلك ؟ قال طلب هؤلاء القوم ثمّ  قتل هؤلاء الّذين يخرج هذا من عندهم .

وقال عبد اللّه  بن سعد : خذ من الناس الّذي عليهم اذا اعطيتهم الذّي لهم فانّه خير من ان تدعهم . قال معاوية : قد ولّيتني فوليت قوماً لاياتيك عنهم الاّ الخير والرجلان أعلم بناحيتيهما ; قال : فما الرأى ؟ قال : حسن الادب ، قال : فما ترى ياعمرو؟ قال: أرى أنّك قد لنت لهم ، وتراخيت عنهم وزدتهم على ما كان يصنع عمر، فأرى أن تلزم طريقة صاحبيك ، فتشتدَّ في موضع الشدّة، وتلين في موضع اللين. انّ الشدّة تنبغي لمن لا يألو الناس شرًّا، واللين لمن يخلف الناس بالنصح وقد فرشتهما جميعا اللين.

وقام عثمان فحمد اللّه  واثنى عليه وقال : كلّ ما أشرتم به عليّ قد سمعت ولكلِّ أمر باب يؤتى منه ; انّ هذا الامر الذي يخاف على هذه الامّة كائن ، وانّ بابه الّذي يغلق عليه فيكفكف بـه اللين والمؤاتاة والمتابعة الاّ في حدود اللّه تعالى ذكره ، الّتي لا يستطيع أحد أن يبادي بعيب أحدها، فان سدّه شيء فرفق ، فذاك واللّه ليفتحنّ ، وليست لاحد عليّ حجّة حقّ ، وقد علم اللّه  أنّي لم آل الناس خيراً، ولانفسى . وواللّه  ان رحا الفتنة لدائرة ، فطوبى لعثمان ان مات ولم يحرّكها. كفكفوا الـناس  وهبـوا لهم حقوقهم واغتفروا لهم، واذا تعوطيت حقوق اللّه  فلا تدهنوا فيها (4).

فلمّا نفر عثمان أشخص معاوية وعبد اللّه  بن سعد الى المدينة ورجع ابن عامر وسعيد معه. ولمّا استقلَّ عثمان رجز الحادي :

قد علمت ضوامرُ المطيّ ***  وضامرات عَوَجِ القِسيّ

انّ الامير بعده علىٌّ  *** وفي الزبير خلف رَضِيّ

وطلحة الحامي لها وليّ

فقال كعب وهو يسير خلف عثمان : الامير واللّه  بعده صاحب البغلة - واشار الى معاوية .

2 - كتب الىّ السريّ، عـن شعيب، عن سيف، عن بدر بن الخليل بن عثمان ابن قطبة الاسدي عن رجل من بني اسد قال: مازال معاوية يطمع فيها بعد مقدمه على عثمان حين جمعهم فاستجمعوا اليه بالموسم ثمّ  ارتحل فحدا به الراجز:

انّ الامير بعده عليّ  *** وفي الزبير خلف رضيّ

قال كعب : كذبت : صاحب الشهباء بعده  - يعني معاوية - فأخبر معاوية فساله عن الذّي بلغه قال : نعم أنت الامير بعده ولكنّها واللّه  لاتصل اليك حتّى تكذّب بحديثي هذا فوقعت في نفس معاوية .

وشاركهم في هذا المكان ابو حارثة وابو عثمان عن رجاء بن حَيْوة وغيره قالوا: فلمّا ورد عثمان المدينة ردّ الاّمراء الى اعمالهم فمضوا جميعا واقام سعيد بعدهم فلما ودّع معاوية عثمان خرج من عنده وعليه ثياب السفر متقلِّدا سيفه متنكّبا قوسه فاذا هو بنفر من المهاجرين فيهم طلحة والزبير وعليّ فقام عليهم فتوّكأ على قوسه بعد ما سلّم عليهم ثمّ قال: انّكم قد علمتم انّ هذا الامر كان اذ النـاس يتـغالبون الى رجال فلم يكن منكم احد الاّ وفي فصيلته من يراسه ويستبدّ عليه ويقطع الامر دونه ولا يشهده ولا يؤامره حتّى بعث اللّه  جلّ وعزّ نبيّه صلىّ اللّه عليه وسلّم واكرم به من اتّبعه فكانوا يرئِّسون من جاء من بعده وامرهم شورى بينهم يتفاضلون بالسابقة والقدمة والاجتهاد فان أخذوا بذلك وقاموا عليه كان الامر أمرهم والناس تبع لهم وان أصغوا الى الدنيا وطلبوها بالتغالب سلبوا ذلك وردّه اللّه الى من كان يرأسهم وإلاّ فليحذروا الغيَر فانّ اللّه على البدل قادر وله المشيئة في ملكه وامره اني قد خلفت فيكم شيخا فاستوصوا به خيرا وكانفوه تكونوا أسعد منه بذلك ثمّ  ودّعهم ومضى فقال علي: ماكنت أرى أن في هذا خيرا فقال الزبير  لا واللّه  ماكان قط أعظم في صدرك وصدورنا منه الغداة )(5).

وكان معاوية قد قال لعثمان غداة ودّعه وخرج : يا أمير المومنين انطلق معي الى الشام قبل ان يهجم عليك من لاقبل لك به فانّ اهل الشام على الامر لم يزالوا فقال : أنا لا أبيع جوار رسول اللّه  صلّى اللّه عليه وسلّم  بشئ، وان كان فيه قطع خيط عنقي قال : فأبعث اليك جندا منهم يقيم بين ظهراني أهل المدينة ، لنائبة ان نابت المدينة أو ايّاك قال: أنا أقترّ على جيران رسول اللّه  صلى اللّه عليه وسلم الارزاق بجند يساكنهم وأضيق على اهل دار الهجرة والنصرة ! قال : واللّه ياأمير المؤمنين لتغتالُنّ أو لتغزينّ ، قال حسبي اللّه  ونعم الوكيل وقال معاوية ياأيسار الجزور واين أيسار الجزور! ثمّ  خرج حتّى وقف على النفر ثمّ  مضى وقد كان أهل مصر كاتبوا أشياعهم من أهل الكوفة وأهل البصرة وجميع من أجابهم أن يثوروا خلاف أمرائهم واتّعدوا يوما حيث شخص أمراؤهم فلم يستقم ذلك لاحد منهم ولم ينهض الاّ أهل الكوفة فان يزيد بن قيس الأرحبيّ ثار فيها واجتمع اليه أصحابه وعلى الحرب يؤمئذ القعقاع بن عمرو، فأتاه فأحاط الناس بهم وناشدوهم فقال يزيد للقعقاع : ما سبيلك عليّ وعلى هؤلاء ! فواللّه  انّي لسامع مطيع واني للازم لجماعتي وهم الاّ انّي استعفي ومن ترى من  امارة سعيد ، فقال:- استعفى الخاصّة من أمر قد رضيته العامّة ؟ قال : فذلك الى امير المومنين فتركهم والاستعفاء ولم يستطيعوا ان يظهروا  غير ذلك فاستقبلوا سعيداً فردّوه من الجَرَعة واجتمع الناس على ابي موسى وأقرّه عثمان رضى اللّه  تعالى عنه (ولمّا رجع الامراء لم يكن للسبئيّة سبيل الى الخروج الى الامصار .وكاتبوا أشياعهم من أهل الامصار ان يتوافوا بالمدينة لينظروا فيما يريدون واظهروا أنّهم يأمرون بالمعروف ويسألون عثمان عن أشياء لتطير في الناس ولتحقّق عليه فتوافوا بالمدينة وارسل عثمان رجلين: مخزوميا وزهريا فقال انظروا مايريدون واعلما علمهم  - وكانا ممّن قد ناله من عثمان أدب فاصطبر للحق ولم يضطغنا - فلمّا رأوهما باثّوهما واخبروهما بما يريدون فقالا : من معكم على هذا من أهل الـمدينـة؟ قالوا : ثلاثة نفر ، فقال : هل الاّ ؟ قالوا لا! قالا فكيف تريدون ان تصنعوا ؟ قالوا نريد ان نذكر له أشياء قد زرعناها في قلوب الناس ثمّ  نرجع اليهم فنزعم لهم أنّا قرّرناه بها، فلم يخرج منها ولم يتب ثمّ  نخرج كأنّا حجّاج حتّى نقدم فنحيط به فنخلعه فان أبى قتلناه وكانت ايّاها. فرجعا الى عثمان بالخبر ، فضحك وقال : اللّهم سلِّم هؤلاء فانّك ان لم تسلّمهم شقُوا .

أمّا عـمّار فحـمل علـى عبّاس بن عتبة بن أبي لهب وعركه)(6). وامّا محمّد بن ابي بكر فانّه أعجب حتّى راى انّ الحقوق لا تلزمه ، وامّا ابن سهلة فانّه يتعرّض للبلاء. فارسل الى الكوفيّين والبصريّين ونادى : الصلاة جامعة وهم عنده في أصل المنبر، فاقبل أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى أحاطوا بهم، فحمد اللّه وأثنى عليه وأخبرهم خبر القوم ، وقام الرجلان فقالوا جميعا اقتلهم فانّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «من دعا الى نفسه أو الى أحد وعلى الناس امام فعليه لعنة اللّه  فاقتلوه» وقال عمر بن الخطّاب رضى اللّه  عنه : لا أحلّ لكم الاّ ماقتلتموه وانا شريككم .

فقال عثمان : بل نعفو ونقبل ونبصّرهم بجهدنا ولا نحادّ أحدا حتّى يركب حداً او يبدي كفرا. انّ هؤلاء ذكروا امورا قد علموا منها مثل الّذي علمتم الاّ انّهم زعموا انّهم يذاكرو فيها ليوجبوها عليّ عند من لايعلم .

وقالوا: أتمّ الصلاة في السفر وكانت لاتْتَمَّ ، الا وانّي قدمت بلدا فيه أهلي فأتممت لهذين الامرين أو كذلك ؟ قالوا : اللّهم  نعم .

وقالوا : وحميت حمى وانّي واللّه  ماحميت، حمي قبلي واللّه ماحموا شيئا لاحد ما حموا الاّ غلب عليه  أهل المدينة ثمّ  لم يمنعوا من رعية أحدا واقتصروا لصدقات المسلمين يحمونها لئلاّ يكون بين من يليها وبين أحد تنازع ثمّ  مامنعوا ولا نحّوا منها احدا الاّ من ساق درهما ومالي من بعير غير راحلتين  ومالى ثاغية ولا راغية وانّي قد وليت وانّي أكثر العرب بعيرا وشاء فما لى اليوم شاة ولا بعير غير بعيرين لحجيّ أكذلك؟ قالوا : اللّهم  نعم .

وقالوا : كان القرآن كتبا، فتركتها الاّ واحدا. الا وانّ القران واحد جاء من عند واحد وانّما أنا في ذلك تابع لهؤلاء : أكذلك؟ قالوا: نعم وسألوه أن يقيلهم .

وقالوا : أنّي رددت الحكم وقد سيَّره رسول اللّه  صلّى عليه وسلّم والحكم مكّي ، سيّره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من مكّة الى الطائف ثمّ  ردّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سيّره ورسول اللّه صلّى اللّه  عليه وسلّم ردّه أكذلك ؟ قالوا : اللّهم  نعم .

وقالوا : استعملت الاحداث ولم أستعمل الاّ مجتمِعا محتمِلا مرضيّا وهؤلاء أهل عملهم فسلوهم عنه وهؤلاء أهل بلده ولقد ولّي من قبلي أحدث منهم وقيل في ذلك لرسول اللّه  صلّى اللّه عليه وسلّم  أشدّ مما قبل لى في استعماله أسامة أكذلك قالوا: اللّهم نعم يعيبون للناس ما لا يفسّرون .

وقالوا : انيّ اعطيت ابن ابي سرح ما أفاء اللّه  عليه وانّي انما نفّلته خمس ماأفاء اللّه  عليه من الخمس ، فكان مائة الف ، وقد أنفذ مثل ذلك ابو بكر وعمر رضي اللّه  عنهما، فزعم الجند أنّهم يكرهون ذلك فرددته عليهم وليس ذلك لهم أكذاك؟ قالوا: نعم .

وقالوا انّي احبّ أهل بيتي وأعطيهم فّأما حبّي فأنّه لم يمل معهم على جور بل أحمل الحقوق عليهم وأمّا اعطاؤهم فانّي ما أعطيهم من مالي ولا استحلّ أموال المسلمين لنفسي ولا لأحد من الناس ولقد كنت أعطي العطية الكبيرة الـرغيبة مـن صلب مالى أزمان رسول اللّه  صلّى اللّه  عليه وسلّم وابي بكر وعمر رضي اللّه عنهما وانا يومئذ شحيح حريص أفحين اتيت على أسنان أهل بيتي وفني عمري وودّعت الّذي لي في اهلي قال الملحدون ماقالوا !؟ وانّي واللّه ماحملت على مصر من الامصار فضلا فيجوز ذلك لمن قاله ولقد رددته عليهم وما قدم عليّ الاّ الأخماس ولايحلّ لي منها شئ فوّلّي المسلمون وضعها في أهلها دوني ولا يُتلَفَّت من مال اللّه  بفلس فما فوقه وما أتبلّغ منه ماآكل الاّ مالي .

وقالوا : أعطيت الارض رجالا وانّ هذه الارضين شاركهم فيها المهاجرون والانصار أيّام افتتحت فمن أقام بمكان من هذه الفتوح فهو أسوة أهله ومن رجع الى أهله لم يذهب ذلك ما حوى اللّه  له فنظرت في الذّي يصيبهم ممّا أفاء اللّه عليهم فبعثته لهم بأمرهم من رجال أهل عقار ببلاد العرب فنقلت اليهم نصيبهم فهو في أيديهم دوني .

وكان عثمان قد قسّم ماله وأرضه في بني أميّة وجعل ولده كبعض من يعطي فبدا ببني أبي العاص فأعطى آل الحكم رجالهم عشرة آلاف ، عشرة آلاف فأخذ مائة ألف ، وأعطى بني عثمان مثل ذلك وقسّم في بني العاص وفي بني العيص وفي بني حرب ، ولانت حاشية عثمان لاولئك الطوائف وأبى المسلمون الاّ قتلهم، وأبى الاّ تركهم ، فذهبوا ورجعوا الى بلادهم على ان يغزوه مع الحجّاج كالحجّاج ، فتكاتبوا وقالوا موعدكم ضواحي المدينة في شوّال حتّى اذا دخل شوّال من سنة اثنتي عشرة ضربوا كالحجّاج فنزلوا قرب المدينة (7).

3 - كتب اليّ السريّ ،عن شعيب ،عن سيف ،عن محمّد وطلحة وابي حارثة وابي عثمان قالوا: لمّا كان في شوال سنة خمس وثلاثين خرج أهل مصر في أربع رفاق على أربعة أمراء ، المقلِّل يقول : ستمائة والمكشر يقول : ألف. على الرفاق عبد الرحمن بن عديس البلويّ.وكنانة بن بشر التجيبيّ ، وعروة بن شيبم الليثيّ ، وأبو عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعيّ ، وسواد بن رومان الاصبحيّ وزرع بن يشكر اليافعيّ وسودان بن حمران السكونيّ وقتيرة بن فلان السكونيّ وعلى القوم جميعا الغافقي بن حرب العكيّ ولم يجترئوا ان يعلموا الناس بخروجهم الى الحرب وانّما اخّرجوا كالحجّاج ومعهم ابن السوداء وخرج أهل الكوفة في أربع رفاق وعلى الرفاق زيد بن صوحان العبديّ والاشتر النخعيّ وزياد بن النضر الحارثيّ وعبد اللّه  بن الاصمّ أحد بني عامر بن صعصعة وعددهم كعدد أهل مصر وعليهم جميعا عمرو(8) ابن الاصمّ  وخرج أهل البصرة في أربع رفاق  وعلى الرفاق حكيم بن جبلة العبدي وذريح ابن عّباد العبديّ وبشر بن شريح الحطم بن ضبيعة القيسي وابن المحرِّش ابن عبد بن عمرو الحنفيّ وعددهم كعدد أهل مصر وأميرهم جميعا حر قوص ابن زهير السعديّ سوى من تلاحق بهم من الناس فأمّا أهل مصر فأنّهم كانوا يشتهون عليّا وامّا أهل البصرة فانّهم كانوا يشتهون طلحة وامّا أهل الكوفة فأنّهم كانوا يشتهون الزبير .

فـخرجـوا وهم على الخروج جميع وفي الناس شتّى لا تشكّ كلّ فرقة الاّ ان الفلج (9) معها وان أمرها سيتّم دون الآخرين فخرجوا حتّى اذا كانوا من المدينة على ثلاث تقّدم ناس من أهل البصرة فنزلوا ذا خشب وناس من أهل الكوفة فنزلوا الأعوَص وجاءهم ناس من أهل مصر وتركوا عامّتهم بذي المروة ومشى فيما بين أهل مصر وأهل البـصرة زياد بن النضر وعبد اللّه  بن الاصمّ وقالوا : لا تعجلوا ولا تعجلونا حتّى ندخل لكم المدينة ونرتاد فانّه بلغنا أنّهم قد عسكروا لنا فو اللّه  ان كان أهل المدينة قد خافونا واستحلّوا قتالنا ولم يعلموا علمنا فهم اذا علموا علمنا أشدّ ، وانّ امرنا هذا لباطل وان لم يستحلوا قتالنا ووجدنا الّذي بلغنا باطلا لنرجعّن اليكم بالخبر .

قالوا : اذهبا فدخل الرجلان فلقيا أزواج النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم  وعليّاً وطلحة والزبير ، وقالا: انّما نأتّم هذا البيت ونستعفي هذا الوالي من بعض عمّالنا ما جئنا الاّ لذلك واسأذناهم للناس بالدخول فكلّهم ابى ونهى وقال بيض مايفرخن فرجعا اليهم فاجتمع من اهل مصر نفر فاتوا عليّا ومن أهل البصرة نفر فأتوا طلحة ومن أهل الكوفة نفر فأتوا الزبير وقال كلّ فريق منهم ان بايعوا صاحبنا والاّ كدناهم وفرّقنا جماعتهم ثمّ  كرّرنا حتّى نبغتهم فأتى المصريّون عليّاً وهو في عسكر عند أحجار الزيت عليه حلّة أفواف(10) معتّم بشقيقة حمراء يمانية متقلّد السيف ليس عليه قميص وقد سرّح الحسن الى عثمان فيمن اجتمع اليه فالحسن جالس عند عثمان وعليّ عند احجار الزيت فسلّم عليه المصريّون وعرضوا له فصاح بهم واطردهم وقال لقد علم الصالحون انّ جيش ذي المروة وذي خشب ملعونون على لسان محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم  فارجعوا لاصحبكم اللّه ! قالوا : نعم فانصرفوا من عنده على ذلك .

وأتى البصريّون طلحة وهو في جماعة أخرى الى جنب عليّ وقد أرسل ابنيه الى عثمان فسلّم البصريّون عليه وعرضوا له فصاح بهم وطردهم وقال لقد علم المؤمنون انّ جيش ذي المروة وذي خشب والاعوص ملعونون على لسان محمّد صلّى اللّه  عليه وسلّم .

واتى الكوفيّون الزبير وهو في جماعة أخرى وقد سرّح ابنه عبداللّه الى عثمان فسلّموا عليه وعرضوا له فصاح بهم وطردهم وقال : لقد علم المسلمون انّ جيش ذي المروة وذي خشب والاعوص ملعونون على لسان محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فخرج القوم وأروهم أنّهم يرجعون فانفشُّوا عن ذي خشب والاعوص ، حتّى انتهوا الى عساكرهم وهي ثلاث مراحل كي يفترق أهل المدينة ثمّ  يكرّوا راجعين . فافترق أهل المدينة لخروجهم.

فلّما بلغ القوم عساكرهم كرّوا بهم ، فبغتوهم فلم يفجأ أهل المدينة الاّ والتكبير في نواحي المدينة فنزلوا في مواضع عساكرهم وأحاطوا بعثمان وقالوا : من كفّ يده فهو آمن .

وصلّى عثمان بالناس أيّاما ولزم الناس بيوتهم ولم يمنعوا أحدا من كلام فاَتاهم الناس فكلّموهم وفيهم عليّ فقال : ماردّكم بعد ذهابكم ورجوعكم عن رأيكم؟ قالوا : أخذنا مع بريد كتابا بقتلنا وأتاهم طلحة فقال البصريّون مثل ذلك ، وأتاهم الزبير فقال الكوفيّون مثل ذلك ، وقال الكوفيّون والبصريّون : فنحن ننصر اخواننا ونمنعهم جميعا، كانّما كانوا على ميعاد .فقال لهم علّي: كيف علمتم ياأهل الكوفة وياأهل البصرة بما لقي أهل مصر وقد سرتم مراحل ثمّ  طوبتم نحونا؟ هذا واللّه  أمر أبرم بالمدينة ! قالوا. فضعوه على ماشئتم، لا حاجة لنا في هذا الرجل، ليعتزلنا وهو في ذلك يصلِّي بهم وهم يصلُّون خلفه ويغشي من شاء عثمان وهم في عينه أدقُّ من التراب وكانوا لايمنعون أحدا من الكلام وكانوا زمرا بالمدينة يمنعون الناس من الاجتماع .

وكتب عثمان الى أهل الامصار يستمدّهم: بسم اللّه الرحمن الرحيم ، أمّا بعد فانَّ اللّه  عزّ وجلّ بعث محمّدا بالحقّ بشيرا ونذيرا فبلّغ عن اللّه  ما أمره به ثمّ مضى وقد قضى الذي عليه وخلّف فينا كتابه فيه حلاله وحرامه وبيان الامور الّتي قدّر فأمضاها على ماأحبّ العباد وكرهوا فكان الخليفة ابو بكر رضي اللّه  عنه وعمر رضي اللّه  عنه  ثمّ  ادخلت في الشورى عن غير علم ولا مسألة عن ملإ من الأمّة ثمّ أجمع أهل الشورى عن ملإ منهم ومن الناس عليّ، على غير طلب منيّ ولا محبّة فعملت فيهم مايعرفون ولا ينكرون تابعا غير مستتبع متّبعا غير مبتدع مقتديا غير متكلّف فلّما انتهت الامور ، وانتكث الشرُّ بأهله بدت ضغائن واهواء على غير اجرام ولا ترة فيما مضى الاّ امضاء الكتاب ; فطلبوا أمرا وأعلنوا غيره بغير حجّة ولا عذر فعابوا عليّ أشياء ممّا كانوا يرضون  وأشياء عن ملإ من أهل الـمدينة لايصلح غيرها فصبرت لهـم نفسي وكـففتها عنهم منـذ سنين وانـا أرى وأسمـع فـازدادوا علـى اللّه  عـزّ وجـلّ جرأة، حتّى أغاروا علينا في جوار رسول اللّه صلّى اللّه  عليه وسلّم وحـرمه وأرض الهـجرة وثـابت اليـهـم الاعراب ،فهم كالاحزاب أيّام الاحزاب أو من غزانا باحد إلا ما يظهرون فمن قدر على اللحاق بنا فليلحق.

فأتى الكتاب أهل الامصار فخرجوا على الصعبة والذلول فبعث معاوية حبيب بن مسلمة الفهريّ وبعث عبداللّه  بن سعد معاوية بن حديج السكونيّ وخرج من أهل الكوفة القعقاع بن عمرو :

وكان المحضّضين بالكوفة على اعانة أهل المدينة عقبة بن عمرو وعبد اللّه ابن أبي أوفى وحنظلة بن الربيع التميمي في أمثالهم من أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وكان المحضّضين بالكوفة من التابعين أصحاب عبد اللّه مسروق بن الاجدع ، والاسود بن يزيد ، وشريح بن الحارث وعبد اللّه  بن عكيم (11) وفي أمثالهم يسيرون فيها ويطوفون على مجالسها يقولون ياأيّها الناس انّ الكلام اليوم وليس به غدا ; وانّ النظر يحسن اليوم ويقبح غدا وانّ القتال يحلى اليوم ويحرم غدا انهضوا الى خليفتكم وعصمة أمركم .

وقام بالبصرة عمران بن حصين ، وانس بن مالك ، وهشام بن عامر في أمثالهم من أصحاب النبيّ صلّى اللّه  عليه وسلّم يقولون مثل ذلك وهشام بن عامر في أمثالهم من أصحاب النبيّ صلّى اللّه  عليه وسلّم يقولون مثل ذلك ومن التابعين كـعب بـن سـور وهرم بن حيان العبديّ وأشباه لهما يقولون ذلك وقام بالشام عبادة بن الصامت وابو الدرداء وابو أمامة في أمثالهم من اصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يقولون مثل ذلك ومن التابعين شريك بن خباشة النميريّ وابو مسلم الخولاني وعبد الرحمن بن غنم بمثل ذلك وقام بمصر خارجة في أشباه له وقد كان بعض المُحضِّضين قد شهد قدومهم فلّما رأوا حالهم انصرفوا الى أمصارهم بذلك وقاموا فيهم  .

ولمّا جاءت الجمعة الّتي على أثر نزول المصرييّن مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خرج عثمان فصلّى بالناس ثمّ قام على المنبر فقال : ياهؤلاء العدى اللّه  اللّه  فواللّه  انّ اهل المدينة ليعلمون انكّم ملعونون على لسان محمّد صلّى اللّه عـليه وسلّم فامحوا الخطايا بالصواب ;فانّ اللّه  عزّ وجلّ لايمحو السيّئ الاّ بالحسن .

فقام محمّد بن مسلمة ، فقال: انا اشهد بذلك فأخذه حكيم بن جبلة فاقعده فقام زيد بن ثابت فقال : ابغني (12) الكتاب فثار اليه من ناحية اخرى محمّد بن ابي قُتَيْرة فأقعده وقال فأفظع وثار القوم باجمعهم فحصبوا الناس حتّى أخرجوهم من المسجد وحصبوا عثمان حتّى صرع عن المنبر مغشيّاً عليه ، فاحتمل فأدخل داره وكان المصريّون لا يطمعون في أحد من اهل المدينة أن يساعدهم الاّ في ثلاثة نفر فانّهم كانوا يراسلونهم : محمّد بن ابي بكر ، ومحمّد بن ابي حذيفة ، وعمّار بن ياسر، وشمّر أناس من الناس فاستقتلوا منهم سعد بن مالك وابوهريرة وزيد بن ثابت والحسن بن عليّ  ; فبعث اليهم عثمان بعزمه لمّا انصرفوا. فانصرفوا، واقبل عليّ عليه السلام حتّى دخل على عثمان واقبل طلحة حتّى دخل عليه واقبل الزبير حتى دخل عليه ;يعودونه من صرعته ; ويشكون بثّهم ، ثمّ رجعوا الى منازلهم (13).

4 - كتـب اليّ السـريّ ، عـن شعيب، عن سيف، عن ابي عمرو، عن الحسن ، قال :قلت له : هل شهدت حصر عثمان ؟ قال : نعم ; وانا يومئذ غلام في أتراب لي في المسجد فإذا كثر اللغط جثوت على ركبتي اوقمت  ; فأقبل القوم حين أقبلوا حتى نزلوا المسجد وما حوله ; فاجتمع اليهم أناس من اهل المدينة يُعظّمون ماصنعوا واقبلوا على أهل المدينة يتوعدّونهم فبينا هم كذلك في لغطهم حول الباب فطلع عثمان فكأنّما كانت نارا طفئت فعمد الى المنبر فصعده فحمد اللّه واثنى عليه فثار رجل فأقعده رجل وقام آخر فأقعده آخر ثمّ ثار القوم فحصبوا عثمان حتّى صرع فاحتمل فأدخل فصلّى بهم عشرين يوما ثمّ منعوه من الصلاة(14).

5 - كتب اليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمّد وطلحة وابي حارثة وابي عثمان ، قالوا : صلّى عثمان بالناس بعد مانزلوا به في المسجد ثلاثين يوما ثمّ انهم منعوه الصلاة فصلّى بالناس اميرهم الغافقيّ دان له المصريّون والكوفيّون والبصريّون وتفرّق اهل المدينة في حيطانهم ولزموا بيوتهم لا يخرج احد ولا يجلـس الاّ وعليـه سيـفه يمتنـع به من رهق القوم وكان الحصار أربعين يوما، وفيهن كـان القتل ومن تعرّض لهم وضعوا فيه السلاح وكانوا قبل ذلك ثلاثين يوما يكّفون (15).


1  الطبري ط. اوربا 1/2941- 2962.

2  ذا خشب واد على مسيرة ليلة من المدينة ـ معجم البلدان.

3  يعصب بي, أي يناط.

4  تاريخ الطبري ط اوربا, 1/2945 - 2946.

5  تاريخ الطبري ط. اوربا 1/2946 - 2948.

6  ورد هذا النص في الردة و الفتوح على شكل رواية مستقلة ص 154.

7  تاريخ الطبري ط.اوربا 1/2949-2954. وابن عساكر 11/ق1/156 أ- 158 ب.

8  (عمر)

9  الفلج : الظفر و الفوز.

10  في لسان العرب : (الفوف ضرب من برود اليمن و في حديث عثمان : خرج و عليه حلة أفواف , الأفواف : جمع فوف, و هو القطن , و واحده الفوف فوفة , يقال : برد أفواف و حلة أفواف بالاضافة).

11  ابن الاثير (حكيم).

12  ابغني : اي احضر لي.

13  تاريخ الطبري ط. اوربا 1/2954 - 2961. و ابن عساكر 11/ق1/159 - 160 ب.

14  تاريخ الطبري ط. اوربا, 1/2961.

15  تاريح الطبري ط. اوربا. 1/2962.