نتيجه المقارنة
روى سيف انّ معاوية اغلظ لهم وقال (لم تؤتوا الاّ من الحمق...وانّك ياصعصعة لاحمقهم
...) الى اخر ماذكر من الكلام الخشن بينما روى البلاذري انّه جرى بينهم ليّن الكلام
وخشى من بقائهم في الشام وكتب في ذلك الى عثمان وامره عثمان ان يسيّرهم الى حمص
وكان واليها عبد الرحمن خالد بن الوليد .
هذا بعض ماكان من أمر ابن مسعود وقرّاء اهل الكوفة . أمّا الوليد بن عقبة فلم تنحصر
أحداثه في الكوفة بما جرى بينه وبين ابن مسعود وحسب ، وإنّما توالت منه صدور أحداث
مثيرة أخرى في مدّة إمارته على الكوفة :
منها قصّته مع الشاعر النصراني أبي زبيد على ما أخرجه أبو الفرج في الأغاني(1)
بسنده إلى ابن الاعرابي وقال :
إنّ أبا زبيد وفد على الوليد حين استعمله عثمان على الكوفة ، فأنزله الوليد داراً
لعقيل بن أبي طالب على باب المسجد ، فاستوهبها منه فوهبها له ، فكان ذلك أوّل الطعن
عليه من أهل الكوفة ; لانّ أبا زبيد كان يخرج من منزله حتّى يشقّ الجامع إلى
الوليد ، فيسمُر عنده ويشرب معه ويخرج فيشقّ المسجد وهو سكران ، فذلك ما نبهّهم
عليه .
وأعطاه مابين القصور الحمر من الشام إلى القصور الحمر من الحيرة وجعل له حمى ، فقال
ابو زبيد فيه شعرا يمدحه فيه(2) .
وقال البلاذري(3) : وأجرى عليه وظيفة من خمر وخنازير تقام له في
كلّ شهر ، فقيل له قد عظم إنكار النّاس لما تجري على أبي زبيد ، فقوّم ماكان وظّف
له دراهم وضمّها إلى رزق كان يجري عليه وكان يدخله المسجد وهو نصراني .
ومنها قصّته مع الساحر على ماحكاه المسعودي في مروج الذهب (4)
قال : ومن ذلك فعل الوليد بن عقبة في مسجد الكوفة وذلك انّه بلغه عن رجل من اليهود
من ساكني قرية من قرى الكوفة ممّا يلي جسر بابل ، يقال له : زرارة يعمل أنواعا من
الشعبذة والسحر ، يعرف بنطروي ، فأحضره ، فأراه في المسجد ضربا من التخاييل ; وهو
أن أظهر له في الليل فيلا عظيما على فرس في صحن المسجد ، ثمّ صار اليهوديّ ناقة
يمشي على جبل ، ثمّ أراه صورة حمار دخل من فيه ثمّ خرج من دبره ، ثمّ ضرب عنق رجل
ففرّق بين جسده ورأسه ، ثمّ أمرَّ السيف عليه فقام الرجل ; وكان جماعة من أهل
الكوفة حضوراً منهم جندب بن كعب الأزدي ، فجعل يستعيذ بالله من فعل الشيطان ، ومن
عمل يبعد من الرحمن ، وعلم أنّ ذلك هو ضرب من التخييل والسحر ، فاخترط سيفه ، وضرب
به اليهودي ضربة أدار رأسه ناحية من بدنه ; وقال : «جاء الحقّ وزهق الباطل إنّ
الباطل كان زهوقا» .
وفي رواية اَنّ ذلك كان نهارا ، وانّ جندبا خرج إلى السوق ، ودنا من بعض الصياقلة(5) ،
وأخذ سيفا ، ودخل فضرب به عنق اليهودي ، وقال : إن كنت صادقاً فأحي نفسك ، فأنكر
عليه الوليد ذلك ، وأراد ان يقيده به(6)
فمنعه الأزد ، فحبسه وأراد قتله غيلة ، ونظر السجّان إلى قيام ليله إلى الصبح ،
فقال له : أنج بنفسك ، فقال له جندب : تقتل بي ، قال : ليس ذلك بكثير في مرضات الله
والدفع عن وليّ من أولياء الله . فلمّا أصبح الوليد دعا به وقد استعدّ لقتله ، فلم
يجده ، فسأل السجّان ، فأخبره بهربه ، فضرب عنق السجّان وصلبه بالكناس .
وفي الأغاني(7) :
اَنّ الوليد بن عقبة كان عنده ساحر يريه كتيبتين تَقتتلان ، فتحمل إحداهما على
الاخرى فتهزمها ; فقال له الساحر : أيسرّك أن أريك هذه المنهزمة تغلب الغالبة
فتهزمها قال : نعم وأخبر جندب بذلك ، فاشتمل على السيف ثمّ جاء فقال : أفرجوا ،
فضربه حتّى قتله ، ففزع الناس وخرجوا ; فقال : يا أيّها النّاس لاعليكم ، إنّما
قتلت هذا الساحر لئلاّ يفتنكم في دينكم ، . . . الحديث .
وفي رواية أُخرى بعده : أن رجلاً من الأنصار نظر إلى رجل يستعلن بالسحر ، فقال : أو
إنّ السحر ليعلن به في دين محمّد! فقتله ; فأتي به الوليد بن عقبة فحبسه ، فقال :
دينار بن دينار فيم حبست؟ فأخبره فخلّى سبيله ، فأرسل إلى دينار فقتله .
وفي رواية أُخرى(8)
أنّ ساحرا كان عند الوليد بن عُقبة ، فجعل يدخل في جوف بقرة ويخرج منه ; فرآه
جندب ، فذهب إلى بيته فاشتمل على سيف ، فلمّا دخل الساحر في جوف البقرة ، قال :
أتأتون السحر وأنتم تبصرون ، ثمّ ضرب وسط البقرة فقطعها وقطع الساحر في البقرة
فانذعر الناس فسجنه الوليد . . . الحديث .
وفي أنساب الاشراف(9) :
وأتي بساحر يقال له : «نطروي» ، فرآه جندب الخير (10)
وجندب بن عبدالله الأزدي ، فأستعار سيفاً قاطعاً ، فاشتمل عليه ، وخرج يريد الوليد
بن عقبة ، فلقيه معضد بن يزيد أحد بني تيم الله بن ثعلبة بن عكابة ; وكان ناسكا
فأخبره بما يريد ، فقال له : لاتقتل الوليد فإنّه يورث فرقة وفتنة ولكن شأنك
بالعلج ، فشدّ على الساحر فقتله ، ثمّ قال له : أحي نفسك إن كنت صادقاً .
فقال الوليد : هذا رجل يلعب فيأخذ بالعين سرعة وخفّة ، فقدّم جندباً ليضرب عنقه ،
فأنكرت الأزد ذلك وقالوا : أتقتل صاحبنا بعلج ساحر! فحبسه ، فلمّا رأى السجّان طول
صلاته وكثرة صيامه تحوّب عن حبسه فخلّى سبيله ;
فمضى جندب فلحق بالمدينة ، وكان يكنّى أبا عبدالله ، فأخذ الوليد السجّان وكان يقال
له : دينار ويكنّى أبا سنان ، فضرب عنقه وصلبه بالسبخة (11) ،
ولم يزل جندب بالمدينة حتّى كلّم فيه عليّ بن أبي طالب عثمان ، فكتب إلى الوليد
يأمره بالإمساك عنه فقدم الكوفة(12) .
1 الأغاني
4 / 180، ط. ساسي.
2 الأغاني
4 / 181 ، ط . ساسي .
3
في الانساب 5 / 29 و 31 .
4
المسعودي في مروجه 1 / 437 .
5
الصياقلة : مفرده الصيقل شحّاذ
السيوف .
6 أن
يقيده به : أي يقتله به .
7
الأغاني 4 / 183 ط . ساسي .
8
الأغاني 4 / 183 ط . ساسي .
9
أنساب الاشراف 5 / 29 و 31 .
10
كان في الأزد جنادبة أربعة: جندب الخير بن عبد الله، وجندب بن زهير، وجندب بن كعب
ترجموا لهم في الصحابة ونسبوا الى احدهم قتل الساحر والرابع جندب بن عفيف والمشهور
عندهم ان قاتل الساحر هو جندب بن كعب بن عبد الله بن غنم الأزدي ثمَّ الغامدي . قال
ابن الأثير بترجمته في أسد الغابة: فضربه ضربة فقتله، ثمَّ قال له: أحي نفسك، ثمَّ
قرأ: (أتأتون السحر وأنتم تبصرون) فرفع الى الوليد، فقال: سمعت رسول الله (ص) يقول:
«حد الساحر ضربة بالسيف» . فحبسه الوليد . . . وقال ابن أخيه في حبسه:أفي مضرب
السحّار يحبس جندب ويقتل أصحاب النبيّ الاوائل . . . وانطلق الى أرض الروم فلم يزل
يقاتل بها المشركين حتّى مات لعشر سنوات مضين من خلافة معاوية .راجع أُسد الغابة 1
/ 303 ـ 306 .
11
قد ورد في رواية المسعودي : «بالكناس» ، وفي المعجم : الكناسة محلة بالكوفة ، ونسب
السبخة الى البصرة .
12
أنساب الاشراف 5 / 29 و 31 .