دراسة السند :
1
- واسند الرواية الى محمّد وطلحة
وقد مرّ قولنا فيهما في اخبار الفتنة في البصرة(1)
.
مقارنة الخبر في روايات غير سيف من الطبري :
روى الطبري بعد رواية سيف هذه وقال: بسنده عن عامر بن سعد أنّ عثمان بعث سعيد بن
العاص الى الكوفة أميراً عليها حين شهد على الوليد بن عقبة بشرب الخمر من شهد عليه
وأمره أن يبعث اليه الوليد بن عقبة قال : قدم سعيد بن العاص الكوفة فأرسل الى
الوليد : أنّ أمير المؤمنين يأمرك أن تلحق به. قال : فتضجّع (2)
أيّاماً فقال له: انطلق الى اخيك ; فانّه قد أمرني أن أبعثك اليه قال : وما صعد
منبر الكوفة حتى أمر به أن يغسل ،فناشده رجال من قريش كانوا قد خرجوا معه من بني
أميّة، وقالوا : ان هذا قبيح ; واللّه لو أراد هذا غيرك لكان حقاً أن تذ بّ عنه
يلزمه عار هذا أبداً . قال: فأبى الاّ أن يفعل فغسله وأرسل الى الوليد أن يتحوّل من
دار الامارة ، فتحوّل منها ونزل دار عمارة بن عقبة ، فقدم الوليد على عثمان ، فجمع
بينه وبين خصمائه فرأى أن يجّلده ، فجّلده الحدّ .
قال محمد بن عمر : حدثني شيبان ، عـن مـجالد، عن الشعبي ، قال : قدم سعيد بن العاص
الكوفة ، فجعل يختار وجـوه الناس يدخلون عليه ويسمرون عنده ; وانّه سمر عنده ليلةً
وجوه اهل الكوفة منهم مالك بن كعب الارحبيّ، والاسود بن يزيد وعلقمة بن قيس
النّخعيّان ، وفيهم مالك الاشتر في رجال، فقال سعيد انّما هذا السواد بستان لقريش
فقال الاشتر: أتزعم أنّ السواد الذّي اَفاءه اللّه علينا بأسيافنا بستان لك ولقومك!
واللّه مايزيد أوفاكم فيه نصيبا الاّ أن يكون كأحدنا، وتكلّم معه القوم .
قال : فقال عبد الرحمن الاسديّ ـ وكان على شرطة سعيد: أتردّون على الامير مقالته!
وأغلظ لهم ، فقال الاشتر من ها هنا! لايفوتنّكم الرجل ; فوثبوا عليه فوطؤه وطأ
شديدا، حتّى غشي عليه، ثم جرّ برجله فالقى ، فنضح بماء فأفاق ، فقال له سعيد: أبك
حياة؟ فقال: قتلني من انتخبت ـ زعمت - للاسلام ، فقال: واللّه لايسمر منهم عندي
أحداً أبداً، فجعلوا يجلسون في مجالسهم وبيوتهم يشتمون عثمان وسعيداً;واجتمع الناس
اليهم ; حتّى كثر من يختلف اليهم. فكتب سعيد الى عثمان يخبره بذلك، ويقول: انّ
رهطاً من أهل الكوفة ـ سمّاهم له عشرة ـ يؤلّبون ويجتمعون على عيبك وعيبي والطعن في
ديننا، وقد خشيت ان ثبت أمرهم أن يكثروا ; فكتب عثمان الى سعيد : ان سيّرهم الى
معاوية ـ ومعاوية يومئذ على الشام ـ فسيّرهم ـ وهم تسعة نفر ـ الى معاوية ;
فيهم مالك الاشتر وثابت بن قيس بن منقع ، وكميل بن زياد النخعي، وصعصعة بن صوحان .
ثم ذكر نحو حديث السريّ، عن شعيب ; الا أنّه قال: فقال صعصعة: فانّ اخترقت الجنّة ،
أليس يخلص الينا؟ فقال معاوية: ان الجنّة لاتخترق، فضع أمر قريش على أحسن مايحضرك
.
وزاد فيه أيضاً: ان معاوية لمّا عاد اليهم من القابلة وذكّرهم ، قال فيما يقول:
وانّي واللّه ما آمركم بشئ الاّ قد بدأت فيه بنفسي وأهل بيتي وخاصّتي ; وقد عرفت
قريش أن أبا سفيان كان أكرمها وابن أكرمها، الاّ ما جعل اللّه لنّبيه نبيّ الرحمة
صلّى اللّه عليه وسلّم ; فانّ اللّه انتخبه وأكرمه، فلم يخلق في أحد من الأخلاق
الصالحة شيئاً الا أصفاه اللّه بأكرمها وأحسنها ; ولم يخلق من الاخلاق السيّئة
شيئاً في أحد الاّ أكرمه اللّه عنها ونزّهه; وانّي لأظنّ أنّ أبا سفيان لو ولد
الناس لم يلد الا حازماً. قال صعصعة: كذبت! قد ولدَهم خير من أبي سفيان ; من خلقه
اللّه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا له ، فكان فيهم البرّ والفاجر
،والاحمق والكيّس .فخرج تلك الّليلة من عندهم، ثم أتاهم القابلة ، فتحدّث عندهم
طويلاً، ثمّ قال: أيّها القوم ، ردّوا عليّ خيراً أو اسكتوا وتفكّروا وانظروا فيما
ينفعكم وينفع أهليكم، وينفع عشائركم، وينفع جماعة المسلمين ; فاطلبوه تعيشوا ونعش
بكم. فقال صعصعة: لست بأهل ذلك ولاكرامة لك أن تطاع في معصية اللّه. فقال أوليس ما
ابتدأتكم به أن أمرتكم بتقوى اللّه وطاعته وطاعة نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم،
وأن تعتصموا بحبله جميعاً ولا تفرّقوا! قالوا: بل أمرت بالفرقة وخلاف ما جاء به
النبي صلّى اللّه عليه وسلّم. قال: فانّي آمركم الآن، ان كنت فعلت فأتوب الى اللّه
وآمركم بتقواه وطاعته وطاعة نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولزوم الجماعة، وكراهة
الفرقة، وأن توقّروا أئمتكم وتدلّوهم على كلّ حسن ماقدرتم، وتعظوهم في لين ولطف في
شئ ان كان منهم. فقال صعصعة : فانّا نأمرك أن تعتزل عملك ; فانّ في المسلمين من هو
أحقّ به منك، قال: من هو؟ قـال: من كان أبوه أحسن قدماً من أبيك، وهو بنفسه أحسن
قدماً منك في الاسلام ، فقال : واللّه إنّ لي في الاسلام ، قدماً ولغيري كان أحسن
قدماً منّي ; ولكنّه ليس في زماني أحد أقوى على ما أنا فيه منِّي ; ولقد رأى ذلك
عمر بن الخطاب، فلو كان غيري أقوى منّي لم يكن لي عند عمر هوادة ولا لغيري، ولم
أحدث من الحدث ماينبغي لي أن أعتزل عملي ; ولو رأى ذلك أمير المؤمنين وجماعة
المسلمين لكتب اليّ بخطّ يده فاعتزلت عمله ; ولو قضى اللّه أن يفعل ذلك لرجوت ألا
يعزم له على ذلك الاّ وهو خير ; فمهلا فأن في ذلك وأشباهه ما يتمنّى الشيطان ويأمر
; ولعمري لو كانت الامور تقضى على رأيكم وأمانيّكم ما استقامت الامور لأهل الاسلام
يوماً ولا ليلة، ولكنّ اللّه يقضيها ويدبرّها ; وهو بالغ أمره ; فعاودوا الخير
وقولوه .
فقالوا : لست لذلك أهلاً، فقال: أما واللّه انّ للّه لسطوات ونقمات وانّي لخائف
عليكم ان تتابعوا (3)
في مطاوعة الشيطان حتى تُحِلَّكم مطاوعة الشيطان ومعصية الرحمن دار الهوان من نقم
اللّه في عاجل الامر والخزي الدائم في الاجل .
فوثبوا عليه ; فأخذوا(4)
برأسه ولحيته فقال: مَهْ ; انّ هذه ليست بأرض الكوفة، واللّه لو رأى أهل الشام ما
صنعتم بي وأنا أمامهم ما ملكت أن أنهاهم عنكم حتّى يقتلوكم. فلعمري انّ صنيعكم
ليشبه بعضه بعضاً ثم اقام من عندهم، فقال: واللّه لا أدخل عليكم مدخلا مابقيت .
ثمّ كتب الى عثمان : بسم اللّه الرحمن الرحيم ; لعبد اللّه عثمان أمير المؤمنين
من معاوية بن أبي سفيان، أمّا بعد يا أمير المؤمنين، فانّك بعثت اليّ أقواماً
يتكلّمون بألسنة الشياطين وما يُملون عليهم، ويأتون الناس ـ زعموا ـ من قبل القرآن،
فيشبّهون على الناس، وليس كلّ الناس يعلم ما يريدون ; وانّما يريدون فرقة، ويقرّبون
فتنة ; قد أثقلهم الاسلام وأضجرهم ، وتمكنّت رقى الشيطان من قلوبهم، فقد أفسدوا
كثيراً من الناس ممّن كانوا بين ظهرانيّهم من أهل الكوفة ; ولست آمن ان أقاموا وسط
أهل الشام أن يغرّوهم بسحرهم وفجورهم ; فارْدُدهم الى مصرهم ;فلتكن دارهم في مصرهم
الذي نجم فيه نفاقهم ; والسلام .
فكتب اليه عثمان يأمره أن يردّهم الى سعيد بن العاص بالكوفة فردّهم اليه فلم يكونوا
الاّ أطلق السنة منهم حين رجعوا.
وكتب سعيد الى عثمان يضجّ منهم ;فكتب عثمان الى سعيد أن سيرّهم الى عبد الرحمن بن
خالد بن الوليد ; وكان أميراً على حمص .
وكتب الى الاشتر وأصحابه : أمّا بعد ; فانّي قد سيّرتكم الى حمص فاذا أتاكم كتابي
هذا فاخرجوا اليها ; فانّكم لستم تألون الاسلام وأهله شراً. والسلام .
فلّما قرأ الاشتر الكتاب، قال: اللّهم أسوأنا نظراً للرعيّة وأعملنا فيهم بالمعصية
; فعجّل له النقمة .
فكتب بذلك سعيد الى عثمان ، وسار الاشتر وأصحابه الى حمص فأنزلهم عبد الرحمن بن
خالد الساحل وأجرى عليهم رزقاً .
قال محمد بن عمر : حدّثني عيسى بن عبد الرحمن ، عن ابي اسحاق الهمدانيّ قال اجتمع
نفر بالكوفة ـ يطعنون على عثمان ـ من أشراف أهل العراق : مالك بن الحارث الاشتر ،
و ثابت بن قيس النّخعيّ ، وكميل بن زياد النّخعيّ، وزيد بن صوحان العبديّ، وجندب
بن زهير الغامديّ وجندب بن كعب الازديّ، وعروة بن الجعد، وعمرو بن الحمق الخزاعيّ .
فكتب سعيد بن العاص الى عثمان يخبره بأمرهم، فكتب اليه أن سيّرهم الى الشام وألزمهم
الدروب (5).
نتيجة المقارنة
تفرد سيف في ما رواه عن بادئ أمر سعيد في حياته وما أمره الخليفة عندما ولاّه
الكوفه.
وفي اول خطبة خطبها في الكوفة وما جرى بينه وبين وجوه اهل الكوفة واخباره الخليفة
بذلك و استشاره الخليفة وجوه اهل المدينة وما اشاروا بها عليه بابعادهم الى الشام
وماكتبه الخليفة في شأنّهم الى معاوية وما جرى بينهم وبين معاوية وماكتب في شأنهم
الى الخليفة وانّهم رأوا انّهم لايستطيعون الرجوع الى الكوفة والبقاء في الشام وكان
والي الجزيرة ابن خالد بن الوليد يذلّهم واظهروا له وللخليفة التوبة فقال للاشتر
أحلل حيث شئت فرغب ان يبقى مع عبد الرحمن بن خالد .
كان ذلكم ما افتراه سيف وقارناه بما رواه الطبري عن غيره ورأينا مبلغ الكذب
والافتراء في روايات سيف !!
1
راجع ص 185 من هذا الكتاب .
2
يقال : تضجع في الأمر ; تقعد فيه ولم يقم به .
3
في الاصل تتايعوا وما أتيناه في
نسخة من الطبري ومارواه النويري الطبري ط اوربا 1 / 2919 والطبري ط دار المعارف 4 /
325 وفي نسخة من الطبري ط اوربا 1 / 2919 ، «تتابعوا» اي تهافتوا في الشر .
4
ابن الاثير والنويري: «وأخذوا».
5
تاريخ الطبري 1 / 2915 - 2921.