تتمة اخبار سعيد في الكوفة برواية سيف في تاريخ الطبري
ذكر تسيير من سُيّر من أهل الكوفة الى الشام
اختلف أهل السير في ذلك ، فأمّا سيف فإنه ذكر فيما كتب به أليّ السريّ عن شعيب عنه
، عن محمد وطلحة ،قالا كان سعيد بن العاص لا يغشاه إلا نازلة أهل الكوفة ووجوه أهل
الأيّام وأهل القادسيّة وقرّاء أهل البصرة (1) والمتسمّتون ، وكان
هؤلاء دخلته إذا خلا،فأما إذا جلس للناس فإنّه يدخل عليه كلّ أحد ، فجلس للناس
يوما،فدخلوا عليه ، فبيناهم (2) جلوس يتحدّثون قال خنيس بن فلان(3):
ماأجود طلحة بن عبيد اللّه ! فقال سعيد بن العاص :إنّ من له مثل النشاستج (4)
لحقيق أن يكون جواداً ، واللّه لو أنّ لى مثـله لأ عاشكم اللّه عيشاً رغداً .
فقال عبد الرحمن بـن خنيس - وهو حدث: واللّه لوددت أن هذا الـملطاط لك - يعني ما
كان لآ ل كسرى على جانب الفرات الذي يلى الكوفة قالوا : فضّ0 اللّه فاك !واللّه
لقد هممنا بك ،فقال :خنيس غلام فلا تجاوزوه (5)،
فقالوا : يتمنى له من سوادنا! قال: ويتمنّى لكم أضعافه ، قالوا: لايتمنّى لنا ولا
له ، قال: ماهذا بكم! قالوا: أنت واللّه أمرته بها ; فثار اليه الأشتر وابن ذي
الحبكة وجندب وصعصعة وابن الكوّاء وكميل بن زياد وعمير بن ضابئ ; فأخذوه فذهب أبوه
ليمنع منه فضربوهما حتّى غشى عليهما، وجعل سعيد يناشدهم ويأبون، حتّى قضوا منهما
وطراً، فسمعت بذلك بنو أسد، فجاءوا وفيهم طليحة فأحاطوا بالقصر، وركبت القبائل،
فعاذوا بسعيد ، وقالوا: أفلتنا وخلّصنا.
فخرج سعيد الى الناس ، فقال أيّها الناس ، قوم تنازعوا وتهاووا، وقد رزق
اللّه العافية. ثم قعدوا وعادوا في حديثهم وتراجعوا فساءهم وردّهم ، وأفاق الرّجلان
; فقال: أبكما حياة؟ قالا: قتلتنا غاشيتك، قال لا يغشوني واللّه أبداً، فاحفظا
عليَّ ألسنتكما ولا تجرّئا عليَّ الناس. ففعلا ولما انقطع رجاء أولئك النفر من ذلك
قعدوا في بيوتهم وأقبلوا على الاذاعة حتى لامه أهل الكوفة في أمرهم فقال : هذا
أميركم وقد نهاني أن أحرّك شيئاً ، فمن أراد منكم أن يحرّك شيئاً فليحرّكه .
فكتب أشراف أهل الكوفة وصلحاؤهم الى عثمان في اخراجهم ، فكتب : اذا اجتمع ملؤكم على
ذلك فألحقوهم بمعاوية. فأخرجوهم، فذلّوا وانقادوا حتّى أتوه - وهم بضعة عشر -
فكتبوا بذلك الى عثمان ، وكتب عثمان الى معاوية: انّ أهل الكوفة قد أخرجوا اليك
نفراً خلقوا للفتنة فرعهم وقم عليهم ; فأن آنست منهم رشدا فاقبل منهم ; وان أعيوك
فارددهم عليهم . فلما قدموا على معاوية رَحّب بهم وأنزلهم كنيسة تسمّى مريم، وأجرى
عليهم بأمر عثمان ما كان يجري عليهم بالعراق وجعل لا يزال يتغدّى ويتعشّى معهم،
فقال لهم يوماً: انكم قوم من العرب لكم أسنان وألسنة، وقد أدركتم بالاسلام شرفا
وغلبتم الأمم و حويتم مراتبهم ومواريثهم (6)
وقد بلغني أنكم نقمتم قريشاًوانّ قريشاً لولم تكن عدتم اذلّة
كما كنتم انّ ائمتكم لكم الى اليوم جُنّة فلا تشذّوا(7)
عن جنّتكم ; وان أئمتكم اليوم يصبرون لكم على الجور (8)
ويحتملون منكم المؤونة ; واللّه لتنتهنّ أوليبلينّكم اللّه بمن يسومكم ; ثم لا
يحمدكم على الصبر، ثم تكونون شركاء لهم فيما جررتم على الرعيّة في حياتكم وبعد
موتكم .
فقال رجل من القوم : أمّا ماذكرت من قريش فانّها لم تكن أكثر العرب ولا أمنعها في
الجاهليّة فتخوّفنا ; وأما ما ذكرت من الجنّة فان الجنّة اذا اخترقت (9)خلص
الينا .
فقال معاوية : عرفتكم الآن ، علمت أنّ الّذي أغراكم على هذا قلّة العقول وأنت خطيب
القوم. ولا أرى لك عقلاً، أعظم عليك أمر الاسلام، وأذكّرك به وتذكّرني الجاهليّة!
وقد وعظتك .وتزعم لمّا يجنّك أنه يخترق، ولا ينسب مايخترق الى الجنّة ; أخزى اللّه
أقواماً أعظموا أمركم ، ورفعوا الى خليفتكم! افقهوا - ولا أظنّكم تفقهون - أنّ
قريشاً لم تعزَّ في الجاهلية ولا إسلام الاّ باللّه عزّ وجلّ، لم تكن باكثر العرب
ولا أشدّهم، ولكنهم كانوا أكرمهم أحساباً، وأمحضهم أنساباً، وأعظمهم أخطاراً ;
وأكملهم مروءة ، ولم يمتنعوا في الجاهليّة والناس يأكل بعضهم بعضاً الاّ باللّه
الّذي لايستذلّ من أعزّ ولا يوضع من رفع ; فبوّأهم حرماً آمنا يتخطّف الناس من
حولهم! هل تعرفون عربا أو عجما أو سوداً أو حمراً الاّ قد أصابه الدهر في بلده
وحرمته بدولة ; الاّ ماكان من قـريش ; فانّه لم يردهم أحد من الناس بكيد الا جعل
اللّه خدّه (10)
الاّسفل حتّى أراد اللّه أن
يتنقّذ (11)
من أكرم واتّبع دينه من هوان الدنيا وتبوع مردّ الاخرة فارتضى لذلك خير خلقه، ثمّ
ارتضى له أصحابا فكان خيارهم قريشاً ، ثمّ بنى هذا الملك عليهم وجعل هذه الخلافة
فيهم ولايصلح ذلك الاّ عليهم ; فكان اللّه يحوطهم في الجاهليّة وهم على كفرهم
باللّه ; افتراه لا يحوطهم وهم على دينه وقد حاطهم في الجاهليّة من الملوك الّذين
كانوا يدينونكم! أفّ لك ولأصحابك! ولو أنّ متكلّماً غيرك تكلّم ; ولكنّك ابتدأت .
فأمّا أنت ياصعصعة فانّ قريتك شرّ قرى عربيّة ; أنتنها نبتاً وأعمقها وادياً،
وأعرفها بالشرّ، وألأمها جيراناً لم يسكنها شريف قطّ ولا وضيع الاّ سبّ بها ; وكانت
عليه هجنة، ثم كانوا أقبح العرب ألقاباً، وألأمه أصهاراً، نزّاع الأمم (12)
وأنتم جيران الخَطّ وفعلة فارس، حتّى أصابتكم دعوة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم
ونكبتك دعوته ; وانت نزيع شطير (13)
في عمّان لم تسكن البحرين فتشركهم في دعوة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأنت
شرّ قومك حتّى اذا أبرزك الاسلام وخلّطك بالناس وحمّلك على الأمّم الّتي كانت عليك
; أقبلت تبغي دين اللّه عوجاً; وتنزع الى اللآمة (14)
والذلّة ولا يضع ذلك قريشاً ولن يضرّهم ولن يمنعهم من تادية ماعليهم ; انّ الشيطان
عنكم غير غافل قد عرفكم بالشرّ من بين أمّتكم فأغرى بكم النّاس وهو صارعكم (15)
لقد علم أنّه لايستطيع أن يرّد بكم قضاء اللّه ولا أمرا أراده اللّه ولا تدركون
بالشرّ أمراً أبداً الاّ فتح اللّه عليكم شّراً منه وأخزى .ثمّ قام وتركهم ;
فتذمّروا فتقاصرت اليهم أنّفسهم فلّما كان بعد ذلك أتاهم فقال: انّي قد أذنت لكم
فاذهبوا حيث شئتم ; لا واللّه لا ينفع اللّه بكم أحداً ولا يضرّه ولا أنتم برجال
منفعة ولا مضرّة ولكنّكم رجال نكير .
وبعد فان أردتم النجاة فالزموا جماعتكم وليسعكم ماوسع الدّهماء ولا يبطرنّكم
الانعام فانّ البطر لا يعترى الخيار ; اذهبوا حيث شئتم فانّي كاتب الى أمير
المؤمنين فيكم .
فلمّا خرجوا دعاهم فقال : اني معيد عليكم انّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم
كان معصوماً فولاّني وادخلني في أمره ثم استخلف ابو بكر رضى اللّه عنه فولاّني ;
ثم استخلف عمر فولاّني ثم استخلف عثمان فولاّني فلم أل لاحد منهم ولم يُولِّني
الاّ هو راض عنّي ; وانّما طلب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم للأعمال أهل
الجزاء عن المسلمين والغناء ولم يطلب لها أهل الاجتهاد والجهل بها والضعف عنها ;
وانّ اللّه ذو سطوات ونقمات يمكر بمن مكر به فلا تعرضوا لأمر وأنتم تعلمون من
أنفسكم غير ماتظهرون ; فان اللّه غير تارككم حتّى يختبركم ويبدي للناس سرائركم وقد
قال عز وجل ( ألم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُواْ
ءَاَمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ)سورة العنكبوت / 1 - 2 .
وكتب معاوية الى عثمان : انّه قدم عليَّ أقوام ليست لهم عقول ولا أديان أثقلهم
الاسلام وأضجرهم العدل ; لا يريدون اللّه بشي ولا يتكلّمون بحجّة انّما همّتهم
الفتنة واموال أهل الذّمة واللّه مبتليهم ومختبرهم ثم فاضحهم ومخزيهم وليسوا
بالّذين ينكون أحداً الاّ مع غيرهم فانه سعيداً ومن قبله عنهم فانّهم ليسوا لأكثر
من شغب أونكير .
وخرج القوم من دمشق فقالوا : لا ترجعوا الى الكوفة فانّهم يشمتون بكم وميلوا بنا
الى الجزيرة ودعوا العراق والشام فأووا الى الجزيرة وسمع بهم عبد الرحمن بن خالد بن
الوليد - وكان معاوية قد ولاّه حمص وولّى عامل الجزيرة حرّان والرّقة - فدعا بهم ،
فقال: يا آلة الشيطان لا مرحبا بكم ولا أهلا! قد رجع الشيطان محسوراً وأنتم بعد
نشاط(16)
; خسر اللّه عبد الرحمن ان لم يؤدّبكم حتّى يحسركم(17)
.يامعشر من لا أدري أعرب أم عجم ، لكي لا تقولوا ما يبلغني أنّكم تقولون لمعاوية ;
أنا ابن خالد بن الوليد، أنا ابن من قد عجمته العاجمات أنا ابن فاقئ عين الردّة
واللّه لئن بلغني ياصعصعة ابن ذلّ أنّ أحدا ممن معي دقّ أنفك ثمّ أمصّك (18)
لأطيرنّ بك طيرة بعيدة المهوى. فأقامهم أشهراً كلّما ركب أمشاهم فاذا مرّ به
]صعصعة[
قال : يابن الحطيئة (19)
أعلمت أنّ من لم يصلحه الخير أصلحه الشرّ! مالك لا تقول كما كان يبلغني أنّك تقول
لسعيد ومعاوية ! فيقول ويقولون : نتوب الى اللّه، أقلنا أقالك اللّه! فما زالوا به
حتّى قال : تاب اللّه عليكم .
وسرّح الاشتر الى عثمان وقال لهم: ماشئتم ان شئتم فاخرجوا وان شئتم فأقيموا وخرج
الاشتر فاتى عثمان بالتوبة والنّدم والنزوع عنه وعن اصـحابه فقال : سلّمـكم اللّه.
وقـدم سـعيد بـن الـعاص فقال عـثمان للأشتر: احـلل حـيث شئت ، فقال : مـع عبـد
الـرحمـن بن خالد؟ وذكر من فضله فقال : ذاك اليكم فرجع الى عبد الرحمن (20).
1
ابن
الاثير:«الكوفة».
2
والنويري:«فبينها».
3
هو خنيس بن حبيش .
4
النشاستج :ضيعة بالكوفة كانت لطلحة بن عبيد اللّه التميمي ،وكانت عظيمة الدخل ،
اشتراها من أهل الكوفة اثقيمغ بالحجاز بمال كان له بخيبر، وعمّرها ، فعظم دخلها.
ياقوت 8:288.
5
تحاوروه .
6
«وحزتم مواريثهم» .
7
«تسدوا».
8
«الحق».
9
« احترقت» .
10
«كيده» .
11
ابن الاثير : «يستنقذ».
12
النزاع : جمع نزيع ; وهو الغريب .
13
الشطير : الغريب أيضاً .
14
اللآمة : مصدر لؤم .
15
« صادعكم» .
16
النشاط : ممارسة صادقة لعمل من الاعمال .
17
يحسروكم .
18
ابن الاثير «غمصك» ط. اوربا 3 / 111 و ط. مصر 3 / 54 ، وأمصك. أي قال له : مص هن
أبيك .
19
ابن الاثير : « الخطيئة» .
20
تاريخ الطبري 1 / 2907 - 2914 .