نتيجة المقارنة
وجدنا الوليد بن عقبة امرءاً موصوفا في القرآن بالفسق ، ومشهوراً لدى الناس بالسكر
والزنا ، ونجده عارفا بضعف نفس أخيه الخليفة خبيراً بكيفيّة التأثير فيه .
ووجدناه يبسط يده في أموال المسلمين ، كما نجده يتّخذ من السلطة سلّما إلى التمتّع
بشهواته ، ويتجاهر بالفسق غير هيّاب ولا متحرّج من الناس اعتمادا على مركز أخيه
الخليفة وتدليله إيّاه ، يقطع نديمه الشاعر النصرانيّ أرضا واسعة ، ويجري عليه لحم
الخنزير والخمر ، ويدخله المسجد الجامع وهو سكران ، ويدخل الساحر اليهوديّ المسجد
ليقوم له فيه بأعماله السحريّة ، ويخرج سكران في غلائله ليصلّي بالمسلمين في
محرابهم ، ويتقيّأ الخمرة لإكثاره منها ; حتّى إذا أشخص إلى المدينة أخرج معه
الأشراف ليعذروه ولكنَّه لايستطيع ان يكفَ عن ذكر الخمر والعزف فيتغنّى بهما وهو في
طريقه إلى مجلس الحكم .
ونجد فيها المسلمين كافّة متذمّرين من السلطة معلنين استنكارهم عليها غير أنّ هناك
شخصيّتين متميِّزَتين ممّن عداهما :
أولاهما : عليّ ابن أبي طالب فانّه كان الشخص الوحيد الّذي تقدّم من بين المسلمين
والصحابة لإقامة الحدّ على أخي الخليفة بحضوره غير مبال بسخط الخليفة ، ونقمة أسرته
من بني أميّة ، ومن المصادقات الفريدة أن يكون هذا الشخص ضارب رأس الاب الكافر
وجالِدَ ظهر الابن الفاسق ، وحقٌ له ان يقول : لتدعونّي قريش جلاّدها ، ولقد ادّخر
بأفعاله هذه كرها شديدا في صدور قريش ، وحقداً دفينا جنى ثمارها في مستقبل أيّامه .
والثانية : أُمّ المؤمنين عائشة فانّها كانت من الناقمين على عثمان وتملك قيادة
جماهير الناس واستطاعت أن تحشد الجماهير ضدّه بعمل فذّ لم يقم به أحد قبلها ولا
بعدها ، فإنّها أخرجت نعل رسول الله في وقت كان الناس متعطِّشين إلى رؤية آثار رسول
الله (ص) وبذلك أثارت عواطفهم! وهيّجتهم! ودفعتهم إلى ما تريد ، ووقع الخصام ، بين
المسلمين وانقسموا الى حزبين يترامون بالحصباء ويتضاربون بالنعال! وكان ذلك أوَّل
قتال وقع بين المسلمين ، وأخيراً تغلّبت على الخليفة ، واضطرَّتهُ إلى النزول عند
رغبة الجماهير فعزل أخاه وأحضره للحكم ، ولولا براعتها في تحشيد الجماهير
وقيادتها ; لما وقع شيء من ذلك ; وإنّها لم تكن الوحيدة ممّن بقيت من أزواج الرسول
يومذاك ، فقد كان بقي معها حفصة وامّ سلمة وأُمّ حبيبة واشترك بعضهن في بعض
المواقف السياسيّة غير أنّ واحدة منهنّ لم تفعل مثل ما فعلت هي .
ونجد في هذه القصّة الخليفة عثمان قد اتّخذ لنفسه سريراً يجلس عليه ممّا لم نجد
الخليفتين قبله قد فعلا ذلك ، ثمَّ نجده يشرك معه على السرير أبا سفيان كبير قريش
في حروبها لرسول الله (ص)، وأخاه الموصوف في القرآن بالفسق شرّيب الخمر الزاني ،
ونجده يحترم عمّه الحكم طريد رسول الله ولعينه أكثر من أيّ إنسان آخر ، فيزحل له عن
مجلسه ، ونجده يطعم النصف الشرقيّ من بلاد المسلمين إلى أخيه الماجن هذا ليجبر بذلك
نفسه الكسيرة ; ونجده يبسط يد هذا المتهتّك على بيت مال المسلمين ، ويعاقب الصحابيّ
الجليل ابن مسعود على إنكاره على أخيه ، ويخاطبه بذلك الخطاب المقذع ، ويأمر به
فيضرب حتّى تنكسر
ضلعاه ، ويحرمه عطاءه ويمنعه من الخروج إلى الجهاد في سبيل الله ، ويحبسه في
المدينة حتّى يموت ، كلُّ ذلك يفعله غضباً لاخيه الفاسق هذا ، ونجده يردّ شهادة
الشهود على أخيه ، ويضربهم على شهادتهم ، وبعد ان يجبر على إقامة الحدّ عليه يلبسه
جبّة حبر تمنع من جسده ألم السياط ، ثمَّ لا يحلق رأسه بعد الحدّ ، وبعد ذلك كلّه
يوظّفه على الصدقات .
أمّا عمّار فانّه أعطى قريشاً ما أرادوا بلسانه مكرهاً فأُخبر النبيّ بأنّ عماراً
كفر فقال : كلاّ ، إنّ عماراً مُلِئ إيماناً من قرنه إلى قدمه ، واُخلط الايمان
بلحمه ودمه ، فأتى رسول الله (ص) وهو يبكي فجعل رسول الله (ص)يمسح عينيه ، وقال :
إن عادوا لك فَعُد لهم بما قلت ، فأنزل الله تعالى فيه : (مـَن كـفرَ باللّهِ
مـن بـعد إيـمانه إلاّ مـن اُكـرِه وقلـبه مـطـمئنّ بالإيمان . .)الاية (1).(النحل
/ 106)
هاجر عمّار الى المدينة وشهد بدرا وما بعدها، ولمّا قدم النبيّ الى المدينة جمع
أحجارا وبنى له مسجد قبا فهو أول من بنى مسجدا في الاسلام (2).
وا شترك في بناء مسجد النبيّ (ص). قال ابن هشام (3) عند ذكره
بناء رسول اللّه مسجده في المدينة : فدخل عمّار وقد أثقلوه باللبن ، فقال : يارسول
اللّه قتلوني يحملون عليّ مالا يحملون.
قالت أُمّ سلمة زوج النبيّ (ص) فرأيت رسول الله (ص) ينفض وفرته بيده وكان رجلاً
جعدا وهو يقول : «ويح ابن سميّة ليسوا بالّذين يقتلونك إنّما تقتلك الفئة الباغية»
وارتجز عليّ بن أبي طالب (رض) :
لايستوي من يعمر المسـاجدا *** يدأب فيها قائماً وقاعـدا
وقائماً طوراً وطـوراً قاعـدا *** ومن يرى عن الغبـار حائـدا
فأخذها عمّار بن ياسر فجعل يرتجز بها .
قال ابن هشام : فلمّا أكثر ; ظنّ رجل من أصحاب رسول الله انّه إنّما يعرّض به ،
فقال : قد سمعت ماتقول منذ اليوم يا ابن سميّة والله إنّي لأراني سأعرض هذه العصا
لأنفك ، قال : وفي يده عصا ، قال : فغضب رسول الله ثمّ قال : «مالهم ولعمّار!
يدعوهم إلى الجنّة ويدعونه إلى النار ، إنّ عمّارا جلدة ما بين عيني وأنفي فإذا بلغ
ذلك من الرجل فلم يستبق فاجتنبوه» قال أبو ذر في شرح سيرة ابن هشام : إنّ هذا الرجل
هو عثمان بن عفّان(4) .
وقد أثنى عليه رسول الله (ص) في مواطن كثيرة منها قوله فيه لمّا رأى خالداً يغلظ له
القول : «من عادى عمّاراً عاداه الله ، ومن أبغض عمّاراً أبغضه الله» شهد مع عليّ
الجمل وصفين ، وكان في صفين لايأخذ في ناحية ولا واد إلاّ وتبعه أصحاب النبيّ كانّه
علم لهم ، وكان يرتجز ويقول :
اليـوم ألـقـى الأحبّـة *** مـحـمّـداً وحـزبـه
ولمّا قُتِلَ اختصم في قتله اثنان فقال عمرو بن العاص : والله إن يختصمان إلاّ في
النار ، والله لوددت أنّي متّ قبل هذا اليوم بعشرين سنة (5) .
هذا هو عمّار بن ياسر ، وأمّا قصته مع الخليفة عثمان فإنّه غضب عليه في عدّة
موارد .
منها في قصّة ترحّمه من كلّ قلبه على أبي ذرّ في ما روى البلاذريّ(6)وقال :
إنّه لمّا بلغ عثمان موت أبي ذر بالربذة قال : رحمه الله . فقال عمّار بن ياسر :
نعم فرحمه الله من كلّ أنفسنا ، فقال عثمان : يا عاضَّ أير أبيه! أتراني ندمت على
تسييره وأمر فدفع في قفاه وقال : إلحق بمكانه فلمّا تهيّأ للخروج جاءت بنو مخزوم
إلى عليّ فسألوه أن يكلّم عثمان فيه . فقال له عليٌّ : ياعثمان! إتّق الله فإنّك
سيّرت رجلاً صالحاً من المسلمين فهلك في تسييرك ، ثمّ أنت الآن تريد أن تنفي
نظيره ، وجرى بينهما كلام حتّى قال عثمان : أنت أحقّ بالنفي منه فقال عليّ رُم ذلك
إن شئت ، واجتمع المهاجرون فقالوا : إن كنت كلّما كلّمك رجل سيّرته ونفيته فانّ هذا
شيء لا يسوغ . فكفّ عن عمّار .
ومنها في قصّة أخذه كتاب استنكار الصحابة من عثمان إليه في ما أخرجه البلاذريّ
وغيره(7) .
قال البلاذريّ : إنّ المقداد بن عمرو ، وعمّار بن ياسر ، وطلحة ، والزبير في عدَّة
من أصحاب رسول الله (ص) كتبوا كتابا عدّدوا فيه أحداث عثمان وخوّفوه ربّه وأعلموه
انَّهم مواثبوه إن لم يقلع ; فأخذ عمّار الكتاب واتاه به فقرأ صدراً منه فقال له
عثمان : أعليَّ تقدم من بينهم؟ فقال عمّار : لانّي أنصحهم لك . فقال : كذبت يا ابن
سميّة! فقال : أنا والله ابن سميّة وابن ياسر ، فأمر غلمانه فمدّوا بيديه ورجليه
ثمَّ ضربه عثمان برجليه وهي في الخُفيّن على
مذاكيره فأصابه الفتق ، وكان ضعيفا كبيرا فغشي عليه .
ومنها قصّة استنكاره أخذ عثمان جواهر من بيت المال في ما رواه البلاذريّ(8)
وقال : كان في بيت المال بالمدينة سفط فيه حليُّ وجوهر ، فأخذ منه عثمان ما حلّى به
بعض أهله فأظهر الناس الطعن عليه في ذلك وكلّموه فيه بكلام شديد حتّى أغضبوه فخطب
فقال : لنأخذنّ حاجتنا من هذا الفيء وإن رغمت أنوف أقوام . فقال له عليٌّ : إذاً
تمنع من ذلك ويحال بينك وبينه . وقال عمّار بن ياسر : أشهد الله أنّ أنفي أوّل راغم
من ذلك ، فقال عثمان : أعليّ يا ابن المتكا(9)تجـترئ
خذوه ، فأُخذ ودخل عثمان ودعا به فـضربه حتّـى غشـي علـيه ثـمّ أُخـرج فـحُمِلَ
حتّى أُتِي به منزل أمّ سلمة زوج رسول الله (ص) فلم يصلّ الظهر والعصر والمغرب
فلمّا أفاق توضّأ وصلّى وقال : الحمد لله ليس هذا أوّل يوم أوذينا فيه في الله .
وقام هشام بن الوليد بن المغيرة المخزوميّ وكان عمّار حليفا لبني مخزوم فقال :
ياعثمان أمّا عليّ فاتّقيته وبني أبيه ، وأمّا نحن فاجترأت علينا وضربت أخانا حتّى
أشفيت به على التلف ، أما والله لئن مات لاقتلنّ به رجلا من بني أميّة عظيم
السرّة ، فقال عثمان : وإنّك لهاهنا يا ابن القسريّة ، قال : فانّهما قسرَّيتان
(وكانت أمّه وجدّته قسرّيتين من بجيلة) فشتمه عثمان وأمر به فأخرج ، فأتى أمّ سلمة
فإذا هي قد غـضبت لعـمّار ، وبـلغ عـائشة مـا صـنع بعـمّار فغضبت واخرجت شعراً من
شعر رسول الله(ص) وثوبا من ثيابه ونعلا من نعاله ثمَّ قالت : ما أسرع ماتركتم سنّة
نبيّكم وهذا شعره وثوبه ونعله لم يبل بعد ، فغضب عثمـان غـضباً شـديداً حتّى مـادرى
ما يقول ، فالتجّ المسجد وقال الناس : سبحان الله ، سبحان الله ، وكان عمرو بن
العاص واجداً على عثمان لعزله إيّاه عن مصر وتوليته إيّاها عبدالله بن سعد بن أبي
سرح فجعل يكثر التعجّب والتسبيح .
ومنها في قصّة دفن ابن مسعود فانّه كان قد أوصى أن يصلّي عليه عمّار ولا يؤذن به
عثمان ففعل ، فلمّا أخبر بذلك غضب عليه ولم يلبث يسيرا حتّى توفّي المقداد فصلّى
عليه عمّار وكان أوصى إليه ولم يؤذن عثمان به ، فاشتدّ غضب عثمان على عمّار وقال :
ويلي على ابن السوداء ، أما لقد كُنت به عليما(10) .
وممّا يلفت نظرنا في هذه القصّة مجابهة الخليفة عمّاراً بقوله : يا ابن المتكاء ;
ويا عاض أير أبيه إلى أمثالهما ; هذا مع ما ورد في الصحاح والمسانيد عن أمّ
المؤمنين عائشة من أنّ عثمان رجل حييّ ، وأنّ الملائكة والله لتستحي من عثمان ،
وأنّ رسول الله قد استحى منه لشدّة حيائه ، إلى غيرها ممّا فيه الإشادة بذكر
حيائه!(11)
ونجد فيها أيضاً لأمّ المؤمنين دور القيادة الفذّة في تحشيد الناقمين من الخليفة
ضدّه ، والبصيرة النافذة بما يؤثّر في نفوس الجماهير من الناس ; فانّها إن كانت قد
باغتت الخليفة في تلك المرّة باخراج نعل رسول الله لتهييج الجماهير عليه وأثّرت
الأثر الّذي كانت تتوخّاه ، ولم يكن لتكراره مرّة ثانية ذلك الأثر على النفوس ،
فانّها في هذه المرّة أيضاً لم تعدم الوسيلة لاثارة العواطف ضدّه ، فقد أضافت إلى
ما أخرجت : ثوب رسول الله وشعره ، فكان لها الأثر الفعّال في إثارة الناس على عثمان
وتحطيم مركزه كخليفة للمسلمين كما كان ذلك للّتي قبلها .
1
ذكر نزول هذه الآية في عمار : ابن عبد البر بترجمته من الاستيعاب قال : هذا ممّا
اجتمع أهل التفسير عليه ، راجع تفسير الآية في تفسير الطبري والقرطبي وابن كثير
والسيوطي وطبقات ابن سعد 3 / 178 والمستدرك 3 / 178 وغيرها وراجع ـ لسائر ماذكرناه
في نسب عمار وأبيه وأُمّه وتعذيبهم ـ ترجمتهم في الاستيعاب وأُسد الغابة والإصابة ،
وباب فضائلهم في المستدرك وكنز العمال .
2
ترجمته في أسد الغابة .
3
سيرة ابن هشام 2 / 114.
4
شرح سيرة ابن هشام لابي ذر الخشني المتوفى (604 هـ) وقد روى ذلك عن ابن اسحاق صاحب
السيرة الذي من سيرته أخذ ابن هشام ما اورده في سيرته . وقد اورد ابن عبد ربّه
القصة تامة في العقد الفريد 4 / 342 ـ 343 .
5
استشهد مساء الخميس 9 صفر سنة 37 هـ وعمره 93 سنة ، راجع ترجمته في الاستيعاب واسد
الغابة والإصابة وصحيح البخاري ، كتاب الجهاد ، الباب السابع عشر وطبقات ابن سعد ج
3 / ق 1 / 166 ـ 189 .
6
الانساب 5 / 54 واليعقوبي 2 / 150 وكان عثمان قد نفى أبا ذر الى الربذة لما شكاه
معاوية فتوفي هناك في قصة طويلة ذكرها البلاذري في الانساب 5 / 52 ـ 54 وابن سعد في
الطبقات 4 / 168 ، واليعقوبي في تاريخه 2 / 148 ، والمسعودي في مروجه 1 / 438 .
7
الانساب 5 / 49 ، والعقد الفريد 2 / 272 ، وراجع تفصيل الكتاب في الامامة
والسياسة .
8
أنساب الاشراف 5 / 48 .
9
المتكاء : العظيمة البطن ، البظراء المفضاة ، التي لا تمسك البول .
10
اليعقوبي 2 / 171 وراجع الانساب 5 / 49 في قصة دفن ابن مسعود .
11
راجع كتاب احاديث عائشة للمؤلّف ،1/ 134 .