عند الخليفة :
وايضاً روى أبو الفرج وقال :(1) قدم رجل الى المدينة فقال لعثمان
(رض) إنّي صلّيت الغداة خلف الوليد بن عقبة ، فالتفت إلينا فقال : أأزيدكم إنّي أجد
اليوم نشاطاً ، وأنا أشمّ منه رائحة الخمر ; فضرب عثمان الرجل ; فقال الناس : عطّلت
الحدود وضربت الشهود .
و روى البلاذريّ وقال : فخرج في أمره إلى عثمان أربعة نفر : أبو زينب ، وجندب ابن
زهير ، وأبو حبيبة الغفاريّ ، والصعب بن جثامة ، فأخبروا عثمان خبره ، فقال
عبدالرحمن بن عوف : ماله أجُنَّ! قالوا : لا ولكنّه سكر ، قال فأوعدهم عثمان
وتهدّدهم ، وقال لجندب : أنت رأيت أخي يشرب الخمر! قال : معاذ الله! ولكنّي اشهد
أنّي رأيته سكران يقلسها(2) من جوفه وإنّي اخذت خاتمه من يده وهو
سكران لايعقل .
وفي رواية الأغاني : فشخصوا إليه وقالوا : إنّا جئناك في أمر ونحن مخرجوه إليك من
أعناقنا وقد قلنا إنّك لا تقبله .
قال : وما هو؟
قالوا : رأينا الوليد وهو سكران من خمر قد شربها وهذا خاتمة أخذناه وهو لايعقل! (3).
وفي رواية المسعودي : (ثمَّ تقايأ عليهم ماشرب من الخمر ، فانتزعوا خاتمه من يده
فأتوا عثمان بن عفّان فشهدوا عنده على الوليد انّه شرب الخمر ، فقال عثمان : وما
يدريكما انّه شرب خمراً ، فقالا : هي الخمر الّتي كنّا نشربها في الجاهليّة ،
وأخرجا خاتمه فدفعاه إليه فرزأهما ودفع في صدورهما ، وقال : تنحّيا عنّي فخرجا
وأتيا عليّ بن أبي طالب (رض) وأخبراه بالقصّة ، فأتى عثمان وهو يقول : دفعت الشهود
وأبطلت الحدود . . . الحديث)(4) .
وفي رواية البلاذري عن الواقدي : وقد يقال : إنّ عثمان ضرب بعض الشهود أسواطا
فأُتوا عليّاً فشكوا ذلك إليه فأتى عثمان ، فقال : عطَّلتَ الحدود وضربت قوما شهدوا
على أخيك فقلبت الحكم .
وأخرج البلاذريّ عن أبي إسحاق قال : فأتى الشهود عائشة فأخبروها بما جرى بينهم وبين
عثمان وأنّ عثمان زبرهم ; فنادت عائشة : إنّ عثمان أبطل الحدود وتوعّد الشهود(5) .
وأخرج أبو الفرج(6)
عن الزهريّ انّه قال : خرج رهط من أهل الكوفة إلى عثمان في أمر الوليد فقال :
أكلّما غضب رجل منكم على أميره رماه بالباطل؟ لئن أصبحت لانكّلنّ بكم ، فاستجاروا
بعائشة ، وأصبح عثمان فسمع من حجرتها صوتاً وكلاماً فيه بعض الغلظة فقال : أما يجد
مرّاق أهل العراق وفسّاقهم ملجأ إلاّ بيت عائشة! فسمعت فرفعت نعل رسول الله (ص)
وقالت : تركت سنّة رسول الله
صاحب هذا النعل . فتسامع الناس فجاءوا حتّى ملأوا المسجد فمن قائل : أحسنت ، ومن
قائل : ما للنساء ولهذا!؟ حتّى تحاصبوا وتضاربوا بالنعال . . .
وأخرج البلاذريّ(7) :
انّ عائشة أغلظت لعثمان ، وأغلظ لها وقال : وما أنت وهذا!؟ إنّما أمرت أن تقرّي في
بيتك ، فقال قوم مثل قوله ، وقال آخرون : ومن أولى بذلك منها ، فاضطربوا
بالنعال ، وكان ذلك أوّل قتال بين المسلمين بعد النبيّ (ص) .
وأخرج اليعقوبي في تاريخه(8)
وابن عبدالبرّ بترجمته من الاستيعاب قريباً ممّا أوردناه من موقف أمّ المؤمنين في
هذه القصّة .
وأخرج البلاذري(9)
عن الواقديّ وأبي مخنف وغيرهما أنّهم قالوا : أتى طلحة والزبير عثمان ، فقالا له :
قد نهيناك عن تولية الوليد شيئاً من أُمور المسلمين فأبيت ، وقد شهد عليه بشرب
الخمر والسكر فاعزله .
وقال له عليّ : اعزله وحَدَّهُ إذا شهد الشهود عليه في وجهه ; فولّى عثمان سعيد بن
العاص الكوفة وأمره بإشخاص الوليد . فلمّا قدم سعيد الكوفة غسل المنبر ودار
الإمارة .
وروى الطبري(10)
في بيان هذا وقال : فقدم سعيد بن العاص الكوفة فأرسل إلى الوليد انّ أمير المؤمنين
يأمرك أن تلحق به ، قال : فتضجّع أيّاما فقال له : انطلق إلى أخيك فانّه قد أمرني
أن أبعثك إليه ، قال : وما صعد منبر الكوفة حتّى أمر به أن يُغسَل . فناشده من قريش
ممّن كانوا خرجوا معه من بني أُميّة ، وقالوا : إنّ هذا
قبيح : والله لو أراد هذا غيرك لكان حقّاً أن تذبّ عنه ، يلزمه عار هذا أبدا . قال
فأبى إلاّ أن يفعل فغسله وأرسل إلي الوليد أن يتحوّل من دار الامارة فتحوّل عنها
ونزل دار عمارة بن عقبة .
وفي الأغاني(11) :
لمّا شهد على الوليد عند عثمان بشرب الخمر كتب إليه يأمره بالشخوص ; فخرج وخرج معه
قوم يعذرونه ، فيهم عديّ بن حاتم ، فنزل الوليد يوما يسوق بهم ، فقال يرتجز :
لاتحسـبنّا قد نسـينا الإيجاف *** والنشـوات من عتيـق أوصـاف
وعـزف قينـات علينـا عـزّاف(12)
فقال عديّ : أين تذهب بنا! أقم!
وفي رواية البلاذريّ(13) :
وأشخص الوليد فلمّا شهد عليه في وجهه وأراد عثمان أن يحدّه ألبسهُ جبَّة حبر(14)
وأدخله بيتا فجعل إذا بعث إليه رجلا من قريش ليضربه ، قال له الوليد : أنشُدك الله
أن تقطع رحمي ، وتغضب أمير المؤمنين عليك . فيكفَّ . فلمّا رأى ذلك عليّ ابن أبي
طالب أخذ السوط ودخل عليه ومعه ابنه الحسن ، فقال له الوليد : مثل تلك المقالة ،
فقال له الحسن : صدق يا أبتِ ، فقال عليّ : ما أنا إذاً بمؤمن ; وجلَّده بسوط له
شعبتان أربعين جلدة ، ولم ينزع جبَّته ; وكان عليه كساء فجاذبه عليٌّ إيّاه حتّى
طرحه عن ظهره وضربه وما يبدو إبطه .
وفي رواية الأغاني(15) :
فقال له الوليد نشدتك بالله والقرابة ، فقال علي : أسكت أبا وهب فانّما هلكت بنو
إسرائيل بتعطيلهم الحدود . فضربه وقال : لتدعونّي قريش بعد هذا جلاّدها .
وقال المسعودي : فلمّا نظر إلى امتناع الجماعة عن إقامة الحدّ عليه توقّياً لغضب
عثمان لقرابته منه ; أخذ عليّ السوط ودنا منه ، فلمّا أقبل نحوه سبّه الوليد ،
وقال : يا صاحب مكس (16).
فقال عقيل بن أبي طالب وكان ممّن حضر : إنّك لتتكلّم يا ابن أبي معيط كانّك لا تدري
من أنت وأنت علج من أهل صفورية ـ وهي قرية بين عكّا واللجون من أعمال الاردن من
بلاد طبريّة كان ذُكِر أن أباه كان يهودياً منها ـ فأقبل الوليد يروغ(17)
من عليّ فاجتذبه فضرب به الأرض وعلاه بالسوط .
فقال عثمان : ليس لك ان تفعل به هذا ، قال : بلى وشرّاً من هذا إذا فسق ومنع من حقّ
الله تعالى أن يؤخذ منه .
وروى البلاذري(18)
وقال : لما ضرب عليّ الوليد بن عقبة جعل الوليد يقول : يا مكيثة يا مكيثة(19)!
وقال حين حُدّ :
باعـد الله ما بينـي وبينـكم *** بني أُميّة من قربى ومن نسـب
إن يكثر المـال لايذمم فعالـكم *** وإن يعش عائـلا مولاكم يخـب
ورويَ انّه سئل عثمان أن يحلق ، وقيل له إنّ عمر حلق مثله ، فقال : قد كان فعل ثمَّ
تركه .
وروى اليعقوبيّ(20)
أنّ عثمان بعث أخاه الوليد ـ بعد أن أجري الحدّ عليه ـ على صدقات كلب وبلقين .
1
في الأغاني 4 / 178 ، ط . ساسي ، بسنده الى مطر الورّاق .
2
يقلسها : يقيئها .
3
الأغاني ، ط . ساسي ، 4 / 178 .
4
مروج الذهب ، طبعة بيروت ، دار الاندلس ، 2 / 336 .
5
أنساب الاشراف 5 / 34 .
6
الأغاني 4 / 178 ، ط . ساسي .
7
أنساب الاشراف 5 / 33 .
8
اليعقوبي 2 / 203 ، ط . بيروت ، دار صادر .
9
أنساب الاشراف 5 / 35 .
10
الطبري 5 / 188 ، في ذكره حوادث سنة 33 هـ ، وفي ط . أوربا 1 / 2915 .
11
الأغاني ط . ساسي 4 / 178 ـ 179 و ط بيروت، 4 / 181 ، .
12
الايجاف : سير فسيح واسع للابل ، والنشوات من عتيق أوصاف ، أي ولم ننس النشوات من
خمر عتيق موصوف بالجودة ، وعزف قينات . . .أي ولم ننس عزف المغنيات .
13
أنساب الاشراف 5 / 35 .
14
حبر: ضرب من برود اليمن.
15
الأغاني ط . ساسي 4 / 177 ، .
16
مروج الذهب 1 / 449 . والمكس : النقص والظلم ، ودراهم كانت تؤخذ من بائعي السلع في
الاسواق في الجاهليّة ، أو درهم كان يأخذه المصدّق بعد فراغه من الصدقة ولعلّه أراد
المعنى الاخير .
17
يروغ الرجل والثعلب: يميل ويحيد عن الشيء.
18
أنساب الاشراف 5 / 35 .
19
مكيثة : المكث اللبث ، والمكيث
الرزين ، ولعلّه كان يوصي نفسه بالصبر والوقار .
20
في تاريخه 2 / 142 .