2 - تـرجمة ابـن مسعود وما جرى بينه وبين الوليد والخليفة عثمان :

هو أبو عبدالرحمن عبدالله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي وأمّه أمّ عبد ودّ الهذلي . وكان أبوه حليف بني زهرة . أسلم قديما وأجهر بالقرآن في مكّة ولم يكن قد أجهر به أحد من المسلمين قبله فضربته قريش حتّى أدموه ولمّا أسلم أخذه رسول الله (ص) إليه وكان يخدمه ، وقال له «اِذنُكَ عَلَيَّ ان ترفع الحجاب وان تسمع سوادي(1) حتّى أنهاك» فكان يلج عليه ويلبسه نعليه ويمشي معه وأمامه ويستره إذا اغتسل ويوقظه إذا نام ، وكان يعرف في الصحابة بصاحب السواد والسواك .

هاجر الهجرتين جميعاً إلى الحبشة وإلى المدينة ، وشهد بدراً وما بعدها .

وقالوا فيه : كان أشبه الناس هدياً ودلاّ وسمتا برسول اللّه (ص)(2) .

سيّره عمر في عهده إلى الكوفة ، وكتب إلى أهل الكوفة :

إنّي قد بعثت عمّار بن ياسر أميراً وعبدالله بن مسعود معلّماً ووزيراً وهما من النجباء من أصحاب رسول الله (ص) من أهل بدر فاقتدوا بهما وأطيعوا واسمعوا قولهما وقد آثرتكم بعبدالله على نفسي(3) .

فكان ابن مسعود يعلّمهم القرآن ويفقّههم في الدين وكان على بيت المال ولمّا قدم الوليد الكوفة اِستقرضه مالا . وقد كانت الولاة تفعل ذلك ثمَّ تردّ ما تأخذ فأقرضه عبدالله ما سأله ، ثمَّ إنّه اقتضاه إيّاه فكتب الوليد في ذلك إلى عثمان ، فكتب عثمان إلى عبدالله بن مسعود : «إنّما أنت خازن لنا فلا تعرض للوليد فيما أخذ من المال» فطرح ابن مسعود المفاتيح وقال :

«كنت أظنّ أنّي خازن للمسلمين فأمّا إذا كنت خازنا لكم فلا حاجة لي في ذلك» وأقام بعد إلقائه المفاتيح في الكوفة (4) .

وفي العقد الفريد (5) أنّ ابن مسعود خرج إلى المسجد وقال :

«يا أهل الكوفة! فقدت من بيت مالكم الليلة مائة ألف لم يأتني بها كتاب أمير المؤمنين ولم يكتب لي بها براءة» فكتب الوليد بن عقبة إلى عثمان في ذلك فنزعه من بيت المال .

وروى البلاذري(6) انّ عبدالله بن مسعود حين ألقى مفاتيح بيت المال إلى الوليد بن عقبة قال : «من غَيَّرَ غَيَّرَ الله ما به . ومن بدّل أسخط الله عليه ، وما أرى صاحبكم إلاّ وقد غَيَّرَ وبدَّل ، أيعزل مثل سعد بن أبي وقاص ويُوَلِّي الوليد » ، وكان يتكلّم بكلام لا يدعه وهو :

«إنّ أصدق القول كتاب الله ، وأحسن الهدي هدي محمّد (ص) ، وشرّ الاُمور محدثاتها ، وكلّ بدعة ضلالة ، وكلّ ضلالة في النار» .

فكتب الوليد إلى عثمان بذلك وقال : إنَّه يعيبك ويطعن عليك ، فكتب إليه عثمان يأمره باشخاصه . فاجتمع الناس فقالوا : أقم ونحن نمنعك أن يصل إليك شيء تكرهه ، فقال : «إنّ له عليَّ حقّ الطاعة ولا أحبُّ أن أكون أوّل من فتح باب الفتنه » وفي الإستيعاب : «إنّها ستكون أمور وفتن لا أحبّ أن أكون أوّل من فتحها» . فردّ الناس وخرج إليه  (7) .

وشيّعه أهل الكوفة فأوصاهم بتقوى الله ولزوم القرآن (8) .

فقالوا له : جزيت خيراً فلقد علّمت جاهلنا ، وثبَّت عالمنا ، واقرأتنا القرآن ، وفقّهتنا في الدين ، فنعم أخو الإسلام أنت ونعم الخليل ، ثمَّ ودَّعوه وانصرفوا . وقدم ابن مسعود المدينة وعثمان يخطب على منبر رسول الله (ص) فلمّا رآه قال :

ألا إنّه قد قدمت عليكم دويبة سوء من يمشي على طعامه يقيء ويسلح . فقال ابن مسعود : لست كذلك ولكنّي صاحب رسول الله (ص) يوم بدر ويوم بيعة الرضوان(9) .

ونادت عائشة : «أي عثمان : أتقول هذا لصاحب رسول الله (ص) !؟» .

وفي رواية بعده : ـ(فقال عثمان أسكتي) . ـ ثمَّ أمر عثمان به فأخرج من المسجد إخراجاً عنيفاً ، وضرب به عبدالله بن زمعة الأرض ، ويقال : بل أحتمله «يحموم» غلام عثمان ورجلاه تختلفان على عنقه حتّى ضرب به الأرض فدقّ ضلعه .

فقال عليّ : ياعثمان! أتفعل هذا بصاحب رسول الله (ص) بقول الوليد بن عقبة!

فقال : ما بقول الوليد فعلت هذا ولكن وجّهت زبيد بن الصلت الكنديّ إلى الكوفة ، فقال له ابن مسعود : إنّ دم عثمان حلال  (10).

فقال عليّ : أحلت على زبيد على غير ثقة . وقام عليّ بأمر ابن مسعود حتّى أتى به منزله ، فأقام ابن مسعود بالمدينة لا يأذن له عثمان في الخروج منها إلى ناحية من النواحي ، وأراد ـ حِين برئ ـ الغزو فمنعه من ذلك .

وقال له مروان : إنّ ابن مسعود أفسد عليك العراق ; أفتريد ان يفسد عليك الشام (11).

فلم يبرح المدينة حتّى قبل مقتل عثمان بسنتين ، وكان مقيما بالمدينة ثلاث سنين .

ولمّا مرض ابن مسعود مرضه الّذي مات فيه أتاه عثمان عائداً ، فقال :

ما تشتكي؟

قال : ذنوبي .

قال : فما تشتهي .

قال : رحمة ربّي .

قال : ألا أدعو لك طبيبا ؟ 

قال : الطبيب أمرضني .

قال : أفلا آمر لك بعطائك؟ ـ وكان قد تركه سنتين ـ(12) .

قال : منعتنيه وأنا محتاج إليه وتعطينيه وأنا مستغن عنه!!

قال : يكون لولدك .

قال : رزقهم على الله .

قال : استغفر لي يا أبا عبدالرحمن .

قال : اسأل الله أن يأخذ لي منك بحقيّ .

وأوصى أن يصلّي عليه عمّار بن ياسر ، وأن لا يصلّي عليه عثمان فدفن بالبقيع وعثمان لا يعلم (13) فلمّا علم غضب . وقال : سبقتموني به . فقال عمّار بن ياسر : إنّه أوصى أن لا تصلّي عليه .

فقال ابن الزبير :

 لااعرفَنَّكَ بعد المـوت تنـدبني  *** وفي حيـاتي ما زوّدتني زادي(14)


1 ساوده سواداً : أي ساوره مساورة ولذلك كان يقال له : صاحب سرّ رسول الله (ص) .

2 راجع مسند أحمد 5 / 389 ومناقبه في صحيح البخاري والمستدرك 3 / 315 و 320 وحلية أبي نعيم 1 / 126 و 127 .

3  راجع ترجمته في أُسد الغابة 3 / 258 .

4 أنساب الاشراف للبلاذري 5 / 36 .

5  العقد الفريد 2 / 272 .

6 البلاذري في الانساب 5 / 36 .

7  الاستيعاب ، ترجمة ابن مسعود .

8  رجعنا الى رواية البلاذري .

9 في كلامه هذا تعريض بعثمان حيث انّه كان قد غاب عن بدر وبيعة الرضوان .

10 انساب الاشراف 5 / 36 - 37 .

11 وذلك لان الغزو يومذاك كان ضد الروم ومن نفس الشام .

12 تاريخ ابن كثير 7 / 163 وراجع تاريخ اليعقوبي 2 / 170 .

13 توفي سنة 32 ودفنه الزبير ليلاً ولم يؤذن به عثمان وكان عمره بضعاً وستين سنة .

14 لقد رجعنا فيما أوردنا من قصة ابن مسعود الى البلاذري في أنساب الاشراف 5 / 36 - 37 ، وفي بعضه الى ترجمته في طبقات ابن سعد 3 / 150 ـ 161 طبعة دار صادر ببيروت ، والاستيعاب 1 / 361 ، وأُسد الغابة 3 / 384 رقم الترجمة 3177 ، وتـاريخ اليعقوبي 2 / 170 ، و تاريخ الخميس 2 / 268 ، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد طبعة دار إحياء الكتب العربية بمصر 1 / 236 ـ 237 .