ب - مقارنه الروايات : 

افترى سيف في روايته على الصحابيين سعد بن ابي وقاّص وعبد اللّه  بن مسعـود فـي ما روى عمّا جرى بينهما وبين الوليد في الكوفة والخليفة في المدينة !!

ونبدأ بحوله تعالى في ماياتي بذكر تراجم الوليد والصحابيّين ثمّ  ندرس ما حرّف سيف من اخبارهم .

 

 1 - الوليد بن عقبة:

 

هو الوليد بن عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو ، واسمه ذكوان . كان أبو عمرو عبداً لاُميّة بن عبد شمس ثمَّ تبنّاه أُمّية ; وأمّ الوليد أروى بنت كريز بن ربيعة وكانت أمّ عثمان بن عفّان . فالوليد أخو عثمان لاُمّه .

وكان أبوه عقبة بن أبي معيط جاراً لرسول الله بمكّة ، وكان يكثر مجالسة رسول الله واتّخذ ضيافة فدعا إليها رسول الله (ص) فأبى أن يأكل من طعامه حتّى ينطق بالشهادتين ففعل ، فقالت قريش : صبا عقبة ، وكان له خليل  (1) غائب عنه بالشام فقدم ليلاً فقال لامرأته :

ما فعل محمّد ممّا كان عليه .

فقالت : أشدّ ما كان أمرا!

فقال : ما فعل خليلي عقبة ؟

فقالت : صبا ، فبات بليلة سوء . فلمّا أصبح أتاه عقبة فحيّاه فلم يردَّعليه التحيّة . فقال :

ما لك لاتردّ عليّ تحيّتي ؟!

فقال : كيف اردّ عليك تحيّتك وقد صبوت .

قال : أوَقد فعلَتها قريش؟.

قال : نعم .

قال : فما يبرئ صدورهم إن أنا فعلته؟ .

قال : تأتيه في مجلسه فتبزق في وجهه وتشتمه بأخبث ما تعلم من الشتم ، ففعل فلم يَزِدْ رسول الله (ص) على أن مسح وجهه من البزاق ثمّ التفت إليه فقال :

«إن وجدتك خارجا من جبال مكّة أضرب عنقك صبراً» .

وفي رواية عاتبه صديقه على ذلك وقال له :

صبأت يا عقبة؟ .

قال : لا ولكن آلى أن لا يأكل من طعامي وهو في بيتي فاستحييت منه فشهدت له والشهادة ليست في نفسي .

فقال : وجهي من وجهك حرام إن لقيت محمّداً فلم تطأ قفاه وتبزق في وجهه وتلطم عينه . فوجده ساجداً في دار الندوة ففعل ذلك ، فقال النبيّ (ص) : لا ألقاك خارجاً من مكّة إلاّ علوت رأسك بالسيف .

ثمَّ أصبح عقبة بعد ذاك من ألدّ أعداء النبيّ حتّى انّه كان يأتي بالفروث فيطرحها على باب دار رسول اللّه (ص)(2) .

ولمّا كان يوم بدر وخرج أصحابه أبى أن يخرج ، فقال له أصحابه :

أخرج معنا قال : وعدني هذا الرجل إن وجدني خارجا من جبال مكّة أن يضرب عنقي صبرا .

فقالوا :  لك  جمل  احمر  لا يدركك  فلو كانت  هزيمة  طرت  عليه  فخرج معهم  فلمّا  هزم الله  المشركين  حمل  به  جمله  في  جدود  من الأرض  فأخذه رسول الله (ص) أسيراً في سبعين من قريش وقدّم اليه عقبة فقال :

أتقتلني من بين هؤلاء !؟

قال : نعم بكفرك وفجورك وعتوّك على الله ورسوله . فأمر عَلِيّاً فضرب عنقه فأنزل الله فيه :

(وَ يَوْ مَ يَعَضُّ ا لظَّالِمُ عَلَى يَدَ يْهِ يَقُولُ يَـلَيْتَنىِ اتَّخَذْ تُ مَعَ ا لرَّ سُولِ سَبِيلاً * يَـوَيْلَْتَى لَيْتَنىِ لَمْ أَ تَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً * لَّـقَدْ أَضَلَّنىِ عَنِ الذّ ِ كرِ بَعْدَ إِ ذْ جَآ ءَ نىِ وَكَانَ ا لشَّيْطَـنُ لِلا ِْ نسَـنِ خَذُولاً )!(الآيات 30 ـ 32 من سورة الفرقان)(3) .

وابنه الوليد أسلم يوم فتح مكّة وبعثه النبيّ مصدّقا إلى بني المصطلق ، فعاد وأخبر عنهم أنّهم ارتدّوا ومنعوا الصدقة ، وذلك أنّهم خرجوا يتلقّونه فهابهم فانصرف عنهم فبعث إليهم رسول الله (ص) خالد بن الوليد ، وأمره أن يتثبّت فيهم ولا يعجل ; فأخبروه أنّهم متمسِّكون بالاسلام ونزلت فيه :

(يَــأَ يُّـهَا ا لَّذِ ينَ ءَ امَنُو اْ إِ ن جَآ ءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبإ فَتَبَيَّـنُواْ أَن تُصِيبُواْ قَوْمَاً بِجَهلَة فَتُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَـدِمِينَ) (الآية 6 من سورة الحجرات) .

وعلى عهد عثمان ولاّه الكوفة وعزل عنها سعد بن أبي وقّاص(4): وكان سعد هو الّذي كوّف الكوفة بأمر عمر وأسكنها جيوش المسلمين وكان سعد قائدهم في فتح إيران وكان اهل الكوفة يحبّونه ويحترمونه . فلمّا قدم الوليد على سعد قال لهُ :

والله ما أدري أكست بعدنا أم حمقنا بعدك!

فقال : لا تجزعنّ أبا إسحاق فانّما هو الملك يتغدّاه قوم ويتعشّاه آخرون .

فقال سعد : أراكم ستجعلونها ملكا (5) .

فساء الناس ذلك وقالوا : بئسما ابتدلنا عثمان . عزل أبا إسحاق الهيّن الليّن الحبر(6) صاحب رسول الله (ص) وَوَلَّى أخاه الفاسق الفاجر الاحمق الماجن(7) .

وكان سبب تأمير الوليد على الكوفة ما أخرجه أبو الفرج في الأغاني(8)بسنده إلى خالد بن سعيد بن عمرو بن سعيد عن أبيه وقال :

لم يكن يجلس مع عثمان (رض) على سريره إلاّ العبّاس بن عبدالمطّلب وأبو سفيان بن حرب والحكم بن أبي العاص والوليد بن عقبة ، فأقبل الوليد يوماً فجلس ، ثمَّ أقبل الحكم ، فلمّا رآه زحل(9) له عن مجلسه ; فلمّا قام الحكم قال له الوليد : والله ياأمير المؤمنين ، لقد تلجلج في صدري بيتان قلتهما حين رأيتك آثرت عمّك على ابن امّك فقال له عثمان (رض) : إنّه شيخ قريش ، فما هما البيتان اللّذان قلتهما؟ قال قلت :

رأيت لعـمّ المرء زُلفى قرابـة  *** دوين أخيه حادثا لم يكن قدمـا

فأمّلت عمـراً أن يشبّ وخالـداً *** لكي يدعواني يوم مزحمـة عـمّا

يعني عمراً وخالداً ابني عثمان . قال : فرقّ له عثمان ، وقال له : قد وليّتك العراق (يعني الكوفة) .

وفي الاستيعاب : لمّا قدم الوليد بن عقبة أميراً على الكوفة أتاه ابن مسعود فقال : «ماجاء بك ؟» قال : «جئت أميراً» فقال ابن مسعود : «ما أدري أصلحت بعدنا أم فسد الناس»(10) ؟!


1  في بعض الروايات ان ابن أبي بن خلف كان خليل عقبة وفي غيرها كان أُمية بن خلف خليله .

2  أنساب الاشراف 1 / 137 ـ 138 و 147 ـ 148 ، ط . دار المعارف .

3 راجع سيره ابن هشام 1 / 385 و 2 / 25 ، وامتاع الاسماع ص 61 و 90 وتفسير الآيات من تفسير الطبري والقرطبي والزمخشري وابن كثير والدرّ المنثور والنيسابوري والرازي ، وغيرها .

4 راجع ترجمة الوليد من الطبقات والاستيعاب وأُسد الغابة والإصابة وكنز العمال وتفسير الآية السادسة من الحجرات في جميع التفاسير .

5 راجع تفسير الاية بتفسير الطبري والقرطبي  .

6 الحبر بفتح الحاء وكسرها: العالم الصالح.

7 أنساب الاشراف 5 / 29 و 31 . وراجع ترجمة الوليد من الاستيعاب ج 2 / 604 .

8 الاغاني 4 / 177 .

9 زحل : تنحَّى وتباعد .

10 ترجمة الوليد من الاستيعاب 2 / 604 .