أبو سفيان بعد إسلامه :
وطـاف رسـول الله (ص) بـالـبيت ولـمّا رأى أبو سفيان الناس يطأون عقب رسول الله (ص)
قال في نفسه : لو عاودت الجمع لهذا الرجل! فضرب رسول الله في صدره : ثمَّ قال إذاً
يخزيك الله ، فقال : أتوب إلى الله وأستغفر الله وَالله ماتفوّهت به إلاّ شيئاً
حدثّت به نفسي .
وقال مرَّة أُخرى في نفسه : ما أدري بما يغلبنا محمّد؟! فضرب ظهره وقال : بالله
يغلبك . فقال أبو سفيان : أشهد أنّك رسول الله(1) .
وخرج رسول الله (ص) إلى حنين لحرب هوازن(2) ; وخرج معه جماعةٌ من
قريش . قال المقريزي : (ص 405) : «وكان قد خرج رجال مكّة على غير دين ينظرون على من
تكون الدائرة فيصيبون من الغنائم ، منهم أبو سفيان بن حرب ومعه معاوية بن أبي سفيان
خرج ومعه الازلام في كنانته وكان يسير في أثر العسكر ، كلما مرّ بترس ساقط أو رمح
أو متاع حمله حتّى أوقر جمله» ، ولمّا انهزم المسلمون في أوّل الحرب ; تكلّم نفرٌ
من قريش في ذلك كما ذكره ابن هشام وقال(3) :
فلمّا انهزم الناس ، ورأى من كان مع رسول الله (ص) من جفاة أهل مكّة الهزيمة ،
تكلـّم رجالٌ منهم بما في أنفسهم من الظغن(4)
فقال أبو سفيان بن حرب : «لا تنتهي هزيمتهم دون البحر» وانَّ الأزلام لمعه في
كنانته . وقال غيره : «ألآن بطل السحر»(5)
.
ثمَّ انتصر رسول الله ، وأعطى المؤلّفة قلوبهم من غنائم حنين مائة بعير يتالّفهم ،
وأعطى أبا سفيان وابنيه يزيد ومعاوية من الإبل مائة مائة ، ومن الفضّة أربعين أوقية
، فقال أبو سفيان : والله إنّك لكريمٌ ، فداك أبي وأُميّ ، حاربتك فلنعم الـمـحارب
كنت ، ولقد سالمتك فنعم المسالم ; فعتب على ذلك الأنصار ; فقال لهم النبيّ (ص) :
إنّي تالّفت بهم قومهم ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم(6) .
دخـل أبـو سفيان في الإسلام ، غير أن المسلمين لم ينسوا مواقفه منهم ، فكانوا لا
ينظرون إليه ، ولا يقاعدونه ، على ما رواه مسلم في صحيحه(7) ،
وروى أيضاً أن أبـا سفيان أتـى على سلمان ، وصهيب ، وبلال في نفر ; فقالوا : والله
ما أخذت سيوف الله من عنق عدوّ الله مـأخذها . قـال : فـقال أبو بكر : أتقولون هذا
لشيـخ قـريش وسيّدهم؟ فـأتى النبيّ (ص) ، فـأخبره ، فقال : يـاأبا بكر! لعلّك
أغضبـتهم ; لئـن كنت أغـضبتهم لـقد أغضبت ربّك . فأتاهم أبو بكر فقال : يا إخوتاه
أغضبتكم قالوا : لا ، يغفر الله لك يا أخي(8) .
وروى أن عمر بن الخطّاب قدم مكّة ، فقالوا له : إن أبا سفيان ابتنى داراً ، فألقى
الحجارة فحمل علينا السيل ; فانطلق معهم عمر ، وحمل الحجارة على كتف أبي سفيان ،
فرفع عمر يده وقال : الحمدلله الذي آمرُ أبا سفيان ببطن مكّة فيطيعني .
وروى أنَّ عمر اجتاز في سكك مكّة ، وأمرهم أن يقُمّوا أفنيتهم ، ثمَّ اجتاز بعد ذلك
فرأى الفناء كما كان ، فعلا أبا سفيان بالدرّة بين أُذنيه ، فضربه ، فسمعت هند
قالت : أبصر به ، أما والله لربّ يوم لو ضربته لاقشعرّ بك بطن مكّة ، فقال عمر :
صدقت ولكنَّ الله رفع بالإسلام أقواماً ووضع به آخرين .
هكذا أذلّ الإسلامُ أبا سفيان وأعزّ غيرَه ; فكان في نفسه على الإسلام والمسلمين ما
ظهر على فَلَتات لسانه ; ومن ذلك ما رواه جمعٌ من المؤرخّين عن ابن الزبير انّه
قال : كنت مع أبي باليرموك ، وأنا صبيٌّ لا أُقاتل ; فلمّا اقتتل الناس نظرت إلى
ناس على تلٍّ لا يقاتلون ، فركبت وذهبت إليهم وإذا أبو سفيان بن حرب ومشيخةٌ من
قريش من مهاجرة الفتح ; فرأوني حَدَثاً ، فلم يتّقوني ; قال : فجعلوا والله إذا
مالت المسلمون وركبتهم الروم يقولون : «إيه بني الأصفر» فإذا مالت الروم وركبتهم
المسلمون قالوا : «ويح بني الأصفر» فلمّا هزم الله الروم أخبرت أبي ، فضحك ، فقال :
قاتلهم الله أبوا إلاّ ضغناً ; لَنحن خيرُ لهم من الروم(9) .
وفي رواية أُخرى عنه : فكانت الروم إذا هزمت المسلمين ، قال أبو سفيان : «إيه بني
الأصفر» فإذا كشفهم المسلمون ، قال أبو سفيان :
وبنو الأصفر الكرام ملوك الـ *** ـروم لم يبقَ منهُمُ مذكوُرُ
فـلمّا فتـح الله عـليهم ، وحـدّثت بـه أبـي ، أخـذ بيدي يطوف على أصحاب رسول الله
(ص) يقول : حدّثهم ، فأُحدّثهم ، فيعجبون من نفاقه(10) .
وعندما ولي عثمان الخلافة دخل عليه أبو سفيان ، فقال : يا معشر بني أُميّة! إنّ
الخلافة صارت في تيم وعديّ حتّى طمعت فيها ، وقد صارت إليكم فتلقّفوها بينكم تلقّف
الصبيّ الكُرة ; فوالله ما من جنّة ولا نار ; فصاح به عثمان : «قم عنّي ، فعل الله
بك وفعل»(11) .
وفي رواية أُخرى انّه قال : يا بني أُميّة! تلقّفوها تلقّف الكُرة ، فوالّذي يحلف
به أبو سفيان مازلت أرجوها لكم ، ولتصيرنّ إلى صبيانكم وراثةً ، فانتهره عثمان
وساءه ما قال(12) .
وفي رواية أُخرى : دخل أبو سفيان على عثمان بعد أن كُفّ بصره ، فقال : هل علينا من
عين قال : لا . فقال : يا عثمان! إنّ الأمر أمرٌ عالميّةٌ ، والملك ملكٌ جاهليّةٌ ،
فاجعل أوتاد الأرض بني أُميّة(13) .
وفي هذا العصر كان ما روي عنه : انّه مرّ بقبر حمزة ، وضربه برجله وقال : يا أبا
عمارة! إنّ الأمر الّذي اجتلدنا عليه بالسيف أمس صار في يد غلماننا اليوم يتلعّبون
به(14) .
أدرك أبو سفيان أُمنيّته بولاية عثمان على الخلافة ; وتوفّي في عصره ، سنة إحدى أو
اثنتين ، أو ثلاث ، أو أربع وثلاثين ; وقد نيّف على الثمانين أو التسعين .
أمّا هندُ ، فكانت قد توفّيت قبله في عصر الخليفة عمر(15) .
كانت تلكم بعض اخبار والدي معاوية وفي مايأتي اخبار معاوية :
1 بترجمة صخر من
تهذيب ابن عساكر 6 / 404 والإصابة 2 / 172 .
2 «حنين» : واد
بجنب ذي المجاز ، بينه وبين مكة ثلاث ليال (معجم البلدان) و «هوازن» هم بنو هوازن
بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان ، من العدنانية . راجع تراجمهم في جمهرة
أنساب العرب ص 252 ـ 254 .ونهاية الارب ص 400 .
3 سـيرة ابـن
هشـام 4 / 72 ، والـطـبري 3 / 128 ، وابـن الأثـيـر 2 / 100 ، وامتاع الأسماع 1 /
411 .
4 «الظِغن» : بكسر
الظاء وسكون الغين : الحقد .
5
اليعقوبي 2/47
6
ابن هشام 4 / 139 ـ 148 .
7
صحيح مسلم 7 / 171 .
8
صـحيـح مسلم 7 / 173 ، وفي ترجمة «سلمان» و «صهيب» و «بلال» من سير اعلام النبلاء 2
/ 15 واللفظ لمسلم . الاستيعاب 2 / 639 ط . مصر ، تحقيق علي محمد البجاوي . أبو
عبد الله سلمان الفارسي كان مجوسياً ثمَّ تنّصر قبل بعثة رسول الله (ص) وقصد
الـمدينة ليـدرك الرسول ، فصحب قوماً من العرب فأسروه وباعوه لرجل من يهود
المدينة ، فـرأى رسول الله (ص) ، وعرف فيه علامات النبوة ، وأسلم على يديه ،
فاشتراه رسول الله (ص) ، وأعتقه ، وهو الّذي أشار على النبيّ يوم الخندق بحفر
الخندق ، وقال النبيّ في حقّه يوم ذاك : سلمان منّا أهل البيت ، وتوفّي في عصر
عثمان سنة خمس وثلاثين في المدائن أميراً عليها ودفن هناك .أسد الغابة 2 / 228 ـ
232 . صهيب
بن سنان الربعي النمري ، كان أبوه عاملا لكسرى على الابّلة ، فغارت الروم عليهم ،
وأسرت صهيبا فنشأ فيهم ، ثمَّ باعته الى كلب فجاءت به الى مكّة ، فباعته من عبد
الله بن جدعان فأعتقه ، وكان من السابقين الى الإسلام الذين عذّبوا في مكة ، وكنّاه
الرسول أبا يحيى ، وكان في لسانه لكنة . توفّي بالمدينة سنة ثمان أو تسع وثلاثين ،
ودفن بها وكان ابن سبعين أو ثلاث وسبعين .أُسد الغابة 3 / 31 ـ 33 .بلال بن رباح
الحبشي ، وأمّه حمامة ، كان من السابقين الى الإسلام ، فعذّبته قريش ، فكانت تبطحه
على وجهه في الشمس ، وتضع الرحاء عليه حتّى تصهره الشمس ، ويقولون له : أكفر برب
محمد ، فيقول : أحد ، أحد ، واشتراه أبو بكر وأعتقه ، وكان مؤذِّن رسول الله (ص) ،
وخازنه ، وشهد معه مشاهده كلّها ، وذهب بعد النبيّ الى الشام غازياً ، وتوفّي هناك
في العشر الثاني بعد الهجرة ، وعمره بضع وستّون سنة .أُسد الغابة 1 / 209 .
9
الطبري ط. اوربا 1 / 2348 - 2349 و ط مصر 4 / 137 ، وابن الأثير 2 / 159 ،
والـلـفـظ لـه ، والإصـابة 2 / 172 الـترجـمة 4046 ، وتـهذيب ابن عساكر 5 / 356 و 6
/ 406 . و «اليرموك» واد بناحية الشام ، وقعت فيه حرب بين المسلمين والروم في السنة
الثالثة عشرة .
10
الأغاني 6 / 354 ـ 355 ،وطبعة
بيروت دار الثقافة سنة 1956 م، 6 / 333 . والاستيعاب ص 689 الترجمة 321 ، وأُسد
الغابة 5 / 216 مختصراً ، وللفظ للاوّل .
11
الأغاني 6 / 355 ـ 356 ، والاستيعاب ص 690 . راجع النزاع والتخاصم للمقريزي ص 20
ط . النجف .
12
مروج الذهب بهامش ابن الأثير 5 / 165 ـ 166 .
13
الأغاني 6 / 323 ، وفي تهذيب ابن عساكر 6 / 409 ، وهذا لفظه : «وعن أنس أن أبا
سفيان دخل على عثمان بعدما عمي فقال هل ها هنا أحد؟ فقالوا : لا فقال : اللهّم اجعل
الأمر أمر جاهلية ، والملك ملك غاصبية وأجعل أوتاد الأرض لبني أمية» .
14 شرح
النهج 4 / 51 ، الطبعة المصرية الاولى ، وطبعة تحقيق محمدأبو الفضل ابراهيم 16 /
136 في شرح الكتاب 32 .
15
ترجمتها في أُسد الغابة 5 / 563 .