2 - ابن كثير  في ذكر حوادث سنة ثلاثين من تاريخه وقال :

 - وفي هذه السنة وقع بين معاوية وابي ذرّ بالشام وذلك ان ابا ذرّ انكر على معاوية بعض الامور ، وكان ينكر على من يقتني مالا من الاغنياء ويمنع ان يدّخر فـوق القوت ، ويوجب ان يتصدّق بالفضل ، ويتأوّل قول اللّه سبحانه وتعالى (وَا لَّذِ ينَ يَكْنِزُ و نَ ا لذَّ هَبَ وَا لْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فىِ سَبِيلِ ا للَّهِ فَبَشِّرْ هُم بِعَذَ اب أَلِيم )(التوبه / 34). فينهاه معاوية عن اشاعة ذلك فلا يمتنع فبعث يشكوه الى عثمان، فكتب عثمان الى ابي ذرّ ان يقدم عليه المدينة فقدمها فلامه عثمان على بعض ما صدر منه واسترجعه فلم يرجع فأمره بالمقام بالربذة - وهي شرقيّ المدينة - ويقال انّه سأل عثمان ان يقيم بها وقال : انّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لي  «اذا بلغ البناء سلعاً فاخرج منها » وقد بلغ البناء سلعاً فأذن له عثمان بالمقام بالربذة وأمره أن يتعاهد المدينة في بعض الاحيان  حتّى لايرتدّ اعرابياً بعد هجرته ، ففعل فلم يزل مقيماً بها حتى مات (1) .

 

- وقال ابن كثير - ايضا - في ذكره حوادث سنة اربع وثلاثين من تاريخه:-

وذكر سيف بن عمر  : أنّ سبب تألّب الاحزاب على عثمان انّ رجلا يقال له: عبد اللّه بن سبأ كان يهوديّاً فأظهر الاسلام وصار الى مصر فأوحى الى طائفة من الناس كلاماً اخترعه من عند نفسه مضمونه انّه يقول للرجل : أليس قد ثبت انّ عيسى بن مريم سيعود الى هذه الدنيا؟ فيقول الرجل : نعم ! فيقول له فرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أفضل منه فما تنكر أن يعود الى هذه الدنيا وهو أشرف من عيسى بن مريم عليه السلام ؟ ثمّ  يقول: وقد كان اوصى الى عليّ بن ابي طالب ، فمحمّد خاتم الانبياء وعليّ خاتم الاوصياء، ثمّ  يقول : فهو أحقّ بالاِمرة(2) من عثمان  ; وعثمان معتد في ولايته ماليس له فأنكروا عليه وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر  . فافتتن  به  بشر كثير  من أهل مصر وكتبوا الى جماعات من عوامّ أهل الكوفة والبصرة ، فتمالؤا على ذلك وتكاتبوا فيه وتواعدوا أن يجتمعوا في الانكار على عثمان ، وارسلوا اليه من يناظره ويذكر له ماينقمون عليه من توليته أقرباءه وذوي رحمه وعزله كبار الصحابة . فدخل هذا في قلوب كثير من الناس ، فجمع عثمان بن عفان نوّابه من الامصار فاستشارهم فأشاروا عليه بما تقدّم ذكرنا له فاللّه أعلم  (3) .

 

3 - ابن خـلدون قـال في خبر  (بدء الانتقاص على عثمان ) من تاريخه  : 

وانتهت الاخبار بذلك الى الصحابة بالمدينة فارتابوا لها وافاضوا في عزل عثمان وحمله على عزل أمرائه .وبعث الى الامصار من يأتيه بصحيح الخبر : محمّد ابن مسلمة الى الكـوفة ،واسامة بن زيد الى البصرة ،وعبد اللّه بن عمر الى الشام ، وعـمّار بن ياسر الـى مصر وغيرهم الى سوى هذه فرجعوا اليه فقالوا : ماأنكرنا شيئا ، ولا أنكره أعيان المسلمين ولا عوامّهم ، الاّ عمّارا ، فانّه استماله قوم من الاشرار انقطعوا اليه منهم عبد اللّه بـن سبأ ويعرف بابن السوداء ، كان يهوديّا وهاجر أيّام عثمان فلم يحسن اسلامه ، واخرج من البصرة فلحق بالكوفة ثمّ بالشام واخرجوه فلحق بمصر وكان يكثر الطعن على عثمان ويدعو في السرّ لأهل البيت ويقول : ان محمّدا يرجع كما يرجع عيسى ، وعنه أخذ ذلك أهل الرجعة وانّ عليّاً وصيّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حيث لم يجز وصيّته وانّ عثمان أخذ الأمر بغير حقّ ويحرّض الناس على القيام في ذلك والطعن على الامراء فاستـمال الناس في الامصار وكاتب به بعضهم بعضا وكان معه خالد بن ملجم  وسودان بن حمران وكنانة بن بشر فثبّطوا عمّارا عن المسير الى المدينة .

وكان مما أنكروه على عثمان اخراج ابي ذرّ من الشام ومن المدينة الى الربذة وكان الّذي دعا الى ذلك شدةّ الورع من ابي ذرّ وحمله الناس على شدائد الامور ، والزهد في الدنيا وانّه لاينبغي لاحد ان يكون عنده اكثر من قوت يـومه ويـاخذ بـالظاهر فـي ذمّ الادّخار بكنز الذهب والفضّة وكان ابن سبأ يأتيه فيغريه بمعاوية ويعيب قوله : المال مال اللّه، ويوهم انّ في ذلك احتجانه للمال وصرفه على الـمسسلمين حتّى عتب أبو ذرّ معـاوية فاستعتب له : وقال : سأقول : مال المسلمين . وأتى ابن سبأ الى ابي الدرداء وعبادة بن الصامت بمثل ذلك ، فدفعوه ،

وجاء به عبادة الى معاوية ، وقال : هذا الّذي بعث عليك أبا ذرّ .

ولما كثر ذلك على معاوية ، شكاه الى عثمان ، فاستقدمه وقال له : مالأهل الشام يشكون منك ؟ فأخبره ، فقال : يـاابا ذرّ لا يـمكن حـمل الناس على الزهد ، وانّما عَلَىَّ ان اقضي بينهم بحكم اللّه ، وارغّبهم في الاقتصاد فقال ابو ذرّ : لانرضى من الاغنياء حتـّى يبذلوا المعروف ، ويحسنوا للجيران والاخوان  ويصلوا القرابة فقال له كعب الاحبار  : من ادّى الفريضة فقد قضى ما عليه ، فضربه ابو ذرّ فشجّه ، وقال : يابن اليهوديّة : ماأنت وهذا ! فاستوهب عثمان من كعب شجّته ، فوهبه (4) .

* * *

كانت تلكم رواية سيف بتاريخ الطبري وابن عساكر وابن ابي بكر والذهبي ومن اخذ من الطبري 

وكـان ذلـكم مـفتتح روايـات سيف فـي الاسطورة ومايخصّ الصحابي البرّ ابا ذرّ (ره)

وسـنبدأ بـحوله تـعالى فـي مـايأتـي بـدراسة سندها ثمّ  نتبعها بدراسة مايخص امر الصحابي البرّ أبي ذرّ (ره)وخبره مع عصبة الخلافة ثم ندرس خبر المختلق عبداللّه بن سبأ وبقية اخبار الاسطورة دراسة مقارنة 

   * * *

ونبدأ في مايأتي بحوله تعالى بذكر يسير من سيرته الحميدة وما جرى بينه وبين الوالي معاوية والخليفة عثمان في غير روايات سيف ونتبعها بدراسة الاخبار الاخرى من الاسطورة  :


1 تاريخ ابن كثير  ج 7 / 155 ط. مطبعة السعادة بمصر .

2 وفي النص (بالأمرة) تحريف .

3 تاريخ البداية والنهاية لابن كثير 7 / 167 - 168. 

4 تاريخ ابن خلدون ج 2 / 385 - 386 . ط النهضة بمصر سنة 1355 هـ .