الاسطورة السبئية في مصادرالتاريخ الاسلامي         

روى الطبريّ ايضاً في تاريخه وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق وابن ابي بكر في كتابه التمهيد والبيان واللفظ للأوّل وقال : في ذكر حوادث سنة ثلاثين من الهجرة النبويّة :

اخبار ابي ذرّ رحمه اللّه تعالى 

وفي هذه السنة - أعني سنة ثلاثين - كان ما ذكر من أمر أبي ذرّ ومعاوية، واشخاص معاوية إيّاه من الشام الى المدينة، وقد ذكر في سبب اشخاصه إيّاه منها إليها أمور كثيرة، كرهت ذكر أكثرها . فأمّا العاذرون معاوية في ذلك، فإنّهم ذكروا في ذلك قصّة :

(1) - كتب اليَّ بها السرىّ، يذكر أن شعيباً حدّثه عن سيف، عن عطيّة، عن يزيد الفقعسيّ، قال : لما ورد ابن السوداء(1) الشام لقي أبا ذرّ، فقال ، يا أبا ذرّ، ألا تعجب إلى معاوية، يقول : المال مال الله ! ألا انّ كلّ شىء لله كأنّه يريد أن يحتجنه دون المسلمين، ويمحو اسم المسلمين. فأتاه أبو ذرّ، فقال : ما يدعوك الى أن تسمّي مال المسلمين مال الله! قال : يرحمك الله يا أبا ذرّ، ألسنا عباد الله، والمال ماله،

والخلق خلقه، والامر أمره! قال : فلا تقله، قال : فانّي لا أقول : انّه ليس لله، ولكن سأقول : مال المسلمين قال : وأتى ابن السوداء أبا الدّرداء، فقال له : مـن أنت؟ أظنّك والله يهودياً! فأتى عبادة بن الصامت فتعلّق به، فأتى به معاوية، فقال : هذا والله الذي بعث عليك أبا ذرّ; وقام أبو ذرّ بالشام وجعل يقول : يا معشر الاغنياء، واسوا الفقراء. بشرّ الّذين يكنزون الذهب والفضّة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاو من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم. فما زال حتّى ولِع الفقراء بمثل ذلك، وأوجبوه على الاغنياء، وحتّى شكا الاغنياء ما يلقون من الناس.

فكتب معاوية الى عثمان : انّ أبا ذرّ قد أعضل (2)بي، وقد كان من أمره كَيْت وكَيْت فكتب اليه عثمان ، انّ الفتنة قد أخرجت خطمها وعينيها، فلم يبق الاّ أن تثب، فلا تنكأ القرح، وجهّز أبا ذرّ اليّ، وابعث معه دليلاً وزوّده، وارفق به، وكفكف الناس ونفسك ما استطعت; فانّما تمسك ما استمسكت. فبعث بأبى ذرّ ومعه دليل; فلمّا قدم المدينة ورأى المجالس في أصل سلع، قال : بشرّ أهل المدينة بغارة شعواء وحرب مذكار(3) .

ودخل على عثمان فقال : يا أبا ذرّ، ما لأهل الشام يشكون ذربك! فأخبره أنّه لا ينبغي أن يقال : مال الله، ولا ينبغي للاغنياء أن يقتنوا مالا. فقال : يا أبا ذرّ; انّما عليّ أن أقضي ما عليّ، وآخذ ما على الرعيّة، ولا أجبرهم على الزّهد، وأن أدعوهم الى الاجتهاد والاقتصاد.

قال : فتأذن لي في الخروج، فانّ المدينة ليست لي بدار؟ فقال : أو تستبدل بـها الاّ شرّاً منها! قال : أمرني رسول الله (ص) أن أخرج منها اذا بلغ البناء سلعا; قال : فانفذ لما أمرك به قال : فخرج حتّى نزل الربذة، فخطّ بها مسجداً، وأقطعه

عثمان قطيعاً من غنم(4) و صرمة من الابل وأعطاه مملوكين، وأرسل اليه : أن تعاهد المدينة حتّى لا ترتدّ أعرابياً; ففعل (5).

(2) - وكتب اليّ السرىّ، عن شعيب عن سيف، عن محمّد بن عوف، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال : كان أبو ذرّ يختلف من الربذة الى المدينة مخافة الاعرابيّة، وكان يحبّ الوحدة والخلوة. فدخل على عثمان، وعنده كعب الاحبار، فقال لعثمان : لا ترضوا من الناس بكفّ الاذى حتّى يبذلوا المعروف; وقد ينبغي للمؤدّي الزكاة الاّ يقتصر عليها حتّى يحسن الى الجيران والاخوان، ويصل القرابات. فقال كعب : من أدّى الفريضة فقد قضى ما عليه. فرفع أبو ذرّ محجنه فضربه فشجّه، فاستوهبه عثمان، فوهبه له، وقال : يا أبا ذرّ، اتقّ الله واكفف يدك ولسانك، وقد كان قال له : يابن اليهوديّة; ما أنت وما ها هنا! والله لتسمعن منّي أو لأدخل عليك  (6) .

(3) - وكتب اليّ السريّ، عن شعيب ،عن سيف ، عن الاشعث بن سوار، عن مـحمّد بن سيرين، قال : خرج أبو ذرّ الى الربذة من قبل نفسه لما رأى عثمان لا ينزع له، وأخـرج معاوية أهله من بعده، فخرجوا اليه ومعهم جراب يثقل يد الرجل، فقال : انظروا الى هذا الّذي يزهّد في الدنيا ما عنده! فقالت امرأته : أما والله ما فيه دينار ولا درهم، ولكنّها فلوس كان اذا خرج عطاؤه ابتاع منه فلوساً لحوائجنا.

ولما نزل أبو ذرّ الربذة أقيمت الصلاة، وعليها رجل يلي الصدقة، فقال : تقدّم يا أبا ذرّ، فقال : لا، تقدّم أنت، فانّ رسول الله (ص) قال لي : «اسمع وأطع، وان كان عليك عبد مجدّع» فأنت عبد ولست بأجدع - وكان من رقيق الصدقة; وكان أسود يقال له مجاشع (7).

(4) - وكتب اليّ السريّ، عن شعيب عن سيف، عن مبشّر بن الفضيل، عن جابر، قال : أجرى عثمان على أبي ذرّ كلّ يوم عظماً، وعلى رافع ابن خديج مثله، وكانا قد تنحّيا عن المدينة لشىء سمعاه لم يفسّر لهما، وأبصرا وقد أخطئا(8).

(5) - وكتـب الـيّ السريّ، عـن شعيب، عن سيف، عن محمّد بن سوقة، عن عاصم بن كليب، عن سلمة بن نباتة، قال : خرجنا معتمرين، فأتينا الربذة، فطلبنا أبا ذرّ في منزله، فلم نجده، وقالوا : ذهب الى الماء. فتنحيّنا، ونزلنا قريباً مـن مـنزله، فـمرّ ومعه عظم جزور يحمله معه غلام، فسلّم ثمّ  مضى حتّى أتـى مـنزله، فلم يمكث الاّ قليلاً حتّى جاء، فجلس الينا وقال : انّ رسول الله (ص) قال لي : «اسمع وأطع وان كان عليك حبشي مجدّع  (9)» فنزلت هذا الماء وعليه رقيق من رقيق مال الله، وعليهم حبشيّ - وليس بأجدع، وهو ما علمت، وأثنى عليه - ولهم في كل يوم جزور; ولي منـها عـظم آكله أنا وعيالي. قلت : مالك من المال؟ قال : صرمة من الغنم وقطيع من الابل، في أحدهما غلامي وفي الآخر أمتي، وغلامي حرّ الى رأس السنة. قال : قلت : انّ أصحابك قِبَلَنا أكثر الناس مالاً، قال : أما انّهم ليس لهم في مال الله حق الاّ ولي مثله وأمّا الآخرون ، فانهم رَوْوافي سبب ذلك أشياء كثيرة ، وأموراً شنيعة كرهت ذكرها. (10). 

ذكر الخبر عن وفاته :

(6) - كـتب اليّ السريّ ، عن شعيب ، عن سيف، عن عطيّة ، عن يزيد الفقعسيّ ، قال: لما حضرت أبا ذرّ الوفاة وذلك في سنة ثمان في ذي الحجّة من امارة عثمـان ، نزل بابي ذرّ، فلما أشرف قال لابنته : استشرفي يابنيّة فانظري هـل ترين احدا ! قالت : لا، قال: فما جاءت ساعتي بعدُ ; ثمّ  أمرها فذبحت شاة ، ثمّ  طبختها ، ثمّ  قال : اذا جاءك الّذين يدفنونني فـقولي لـهم : ان ابا ذرّ يقسم عليكم الاّ تركبوا حتّى تأكلوا ; فلّما نضجت قدرها قال لها : انظري هل ترين احداً ؟ قالت : نعم ،هؤلاء ركب مقبلون ، قال : استقبلي بي الكعبة. ففعلت ، وقال : بسم اللّه، وباللّه ، وعلى ملّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . ثمّ  خرجت ابنته فتلّقتهم وقالت : رحمكم اللّه ! اشهـدوا أبا ذرّ - قالوا : وأين هو ؟ فأشارت لهم اليه وقد مات  - فادفنوه ، قالوا : نعم ونعمة عين ! لقد أكرمنا اللّه بذلك ، واذا ركب من أهل الكوفة فيهم ابن مسعود ، فمالوا اليه وابن مسعود يبكي ويقول : صدق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : «يموت وحده ، ويبعث وحده » ; فغسّلوه وكفّنوه وصلّوا عليه ودفنوه ، فلّما أرادوا أن يرتحلوا قالت لهم : ان أبا ذرّ يقرأ عليكم السلام، وأقسم عليكم الاّ تركبوا حتّى تأكلوا ، ففعلوا، وحملوهم حتّى أقدموهم مكّة ونعوه الى عثمان فـضمّ ابنـته الـى عياله وقال : يرحم اللّه ابا ذرّ، ويغفر لرافع ابن خَدِيج سكونه (11).

(7)- كتب اليّ السريّ ،عن شعيب ، عن سيف ، عن القعقاع بن الصلت ، عن رجل ، عن كليب بن الحلحال ، عن الحلحال بن ذُرِّيّ، قال : خرجنا مع ابن مسعود سنة احدى وثلاثين ونحن أربعة عشر راكبا حتّى أتينا على الربذة فاذا امرأة قد تلقّتنا ، فقالت : اشهدوا ابا ذرّ - وما شعرنا بأمره ولا بلغنا -

فقلنا : وأين أبو ذرّ؟ فأشارت الـى خباء ، فقلنا: ماله ؟ فقالت : فارق المدينة لأمر قد بلغه فيها، ففارقها. قال ابن مسعود : ما دعاه الى الاعراب ؟ فقالت : أما انّ امير المؤمنين قد كره ذلك ; ولكنّه كان يقول : هي بَعَدٌ ، وهي مدينة. فمال ابن مسعود اليه وهو يبكي، فغسلّناه وكفنّاه ، واذا خباء منضوخ بمسك فقلنا للمرأة : ما هذا؟ فقالت : كانت مِسسْكة ، فلّما حضر قال : انّ الميت يحضره شهود يجدون الريح ، ولا يأكلون ، فدوفي تلك المسكة بماء، ثمّ رشِّي بها الخباء فاقريهم ريحها ، واطبخي هذا اللحم ، فانه سيشهدني قوم صالحون يلون دفني ، فاقريهم فلّما دفنّاه دعتنا الى الطعـام فأكلنا واردنا احتمالها، فقال ابن مسعود : أمير المؤمنين قريب ، نستأمره فقدمنا مكّة فأخبرناه الخبر ، فقال : يرحم اللّه أبا ذرّ ويغفر له نزوله الربذة !

ولمّا صدر خرج فأخذ طريق الربذة فضّم عياله الى عياله ، وتوّجه نحو المدينة وتوّجهنا نحو العراق وعِدتنا: ابن مسعود وابو مفزر التميمي  وبكر بن عبد اللّه التميميّ ، والاسود بن يزيد النخعيّ وعلقمة بن قيس النخعيّ والحلحال بن ذرّيّ الضبيّ والحارث بن سويد التميميّ وعمرو بن عتبة بن فرقد السلَميّ وابن ربيعة السلَميّ وأبو رافع المزنيّ وسويد بن مثعبة التميميّ وزياد بن معاوية النخعيّ وأخو القرثع الضبيّ وأخو معضد الشيبانيّ (12).


1 ابن السوداء في روايات سيف : هو مُختلَقُهُ عبد الله بن سبأ.

2 يقال: أعضل به الأمر ; اذا ضاقت عليه فيه الحيل .

3 حرب مذكار : اي ذات أهوال وسلع موضع بقرب المدينة - معجم البلدان .

4 في تاريخ الطبري لم يذكر قطيعاً من الغنم .

5 الرّدة والفتوح  ص 105 - 107، ح 92، والطبري 1 / 2858 - 2860 .

6 الردة والفتوح  ص 107، ح 92، والطبري 1 / 2860 - 2861.

7 الرّدة والفتوح  ص 108، ح : 94، والطبري 1 / 2861 .

8 الرّدة والفتوح  ص 108، ح: 95 ، وتاريخ الطبري ط ،اوربا أُ وطِئا.1 / 2861 .

9 «مجدّع الاطراف»، قال أى : «مقطّع الاعضاء; والتشديد للتكثير» النهاية لابن الاثير 1 / 148.

10 الرّدة والفتوح  ص 109 و تاريخ الطبري ط اوربا 1 / 2861 - 2862 .

11 الرّدة والفتوح   ص 110 ، ح: 98 وتاريخ الطبري 1 / 2869 - 2897  .

12 الرّدة والفتوح  ص 111 - 112، ح 99 ،والطبري 1 / 2895 - 2896 .