ثلاث روايات لسيف فيها اصول ما اختلق من اخبار السبئيّة

جاء في كتاب الردة والفتوح  و كتاب الجمل ومسير عائشة وعليّ تأليف سيف بن عمر (1) الروايات الثلاث الآتية :

الرواية الاولى - حدثنا السريّ قال حدثنا شعيب قال حدثنا سيف عن عطيّة عن يزيد الفقعسيّ قال :

(  وأسلم عبد اللّه  بن سبأ  - وهو ابن السوداء - في إمارة عثمان في سنة ستّ الباقية ، فشام أهل الحرمين فلم يقدر على كيدهم، فأتى البصرة فنزل في عبد القيس فاعتمد في القوم، وبلغ ابن عامر عنه فأخرجه فكان وجهه الى الكوفة في سنة ثمان فنـزل فـي عبد القيس ، فانقطع اليه قوم ممّن كان اعتزل سعيداً، وأتاهم الأ شتر وأبو زينـب وابو مورّع وتلك الطبقة ، وبعث اليه سعيد فقال : ما هذا الّذي يبلغني انّك تحـدّث وتقرأ: (وَ قَضَيْنَآ  إِ لَى بَنِى  إِ سْرَ  ئِيلَ فىِ ا لْكِتَـبِ لَتُفْسِدُنَّ فىِ ا لاَْرْضِ مَرَّ تَيْنِ ) (سـورة الاسراء / 4 ). وهم الّذين افسدو في الارض مرتيّن ، فقال : نحن أعلم بحديث بني اسرائيل منكم، فقال أولئك : صَدَقَ ،فقال سعيد : كذب وكذبتم !

اما واللّه  لولا أنّي أمرت أن أكفكفكم لوجدتموني مُرَّا، واخرجه ومالأَهُ على ذلك الناس فخرج نحو الشام فلم يقدر على مايريد فيها فجاء الى مصر فكثر اصحابه فيها ، وكاتب اخوانه من اهل الامصار ومدّ لهم في غيّهم، فهو اوّل من بثّ دعاة في الناس يدعون الى الخروج (2) .

الرواية الثانية - ( فيما كتب به اليّ السريّ ، عن شعيب عن سيف عن عطيّة عن يزيد الفقعسيّ، قال : كان عبد اللّه بن سبأ يهوديا من اهل صنعاء، امّه سوداء ، فأسلم زمان عثمان ثمّ تنقّل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم فبدأ بالحجاز، ثمّ البصرة، ثمّ الكوفة، ثمّ الشام، فلم يقدر على مايريد عند احد من اهل الشام فاخرجوه حتّى اتى مصر فاغتمر (3) فيهم، فقال لهم فيما يقول : لعجب ممّن يـزعـم ان عيسى يـرجع ويكـذّب بانّ مـحمّداً يرجع ، وقد قال اللّه عزّ وجلّ: (إِ نَّ ا لَّذِى فَرَضَ  عَلَيْكَ ا لْقُرْءَانَ لَرَآ دُّ كَ إِ لَى مَعَاد )(القصص  / 85 ). فمحمّد احقّ بالرجوع من عيسى . قال : فقبل ذلك عنه ووضع لهم الرجعة فتكلّموا فيها. ثمّ  قال لهم بعد ذلك : انّه كان الف نبيّ ولكلّ نبيّ وصيّ وكان عليّ وصيّ محمّد ، ثمّ  قال : محمّد خاتم الانبياء وعليّ خاتم الاوصياء ثمّ قال بعد: من اظلم ممّن لم يجز وصيّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ووثب على وصيّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتناول امر الامّة ! ثمّ قال لهم بعد ذلك : انّ عثمان اخذها بغير حقّ ، وهذا وصيّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فانهضوا في هذا الامر فحرّكوه ، وابدؤا بالـطعن على أمرائكم وأظهروا الامر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، تستميلوا الناس وادعوهم الى هذا الامر .

فبثّ دعاته ، وكاتب من كان استفسد من الامصار وكاتبوه، ودعوا في السرّ الى ما عليه رأيهم ، وأظهروا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وجعلوا يكتبون الى الامصار بكتب يضعونها في عيوب ولاتهم ويكاتبهم اخوانهم بمثل ذلك ، ويكتب

اهل كلّ مصر منهم الى مصر آخر بما يصنعون ; فيقرؤه اولئك في أمصارهم وهؤلاء في أمصارهم، حتّى تناولوا بذلك المدينة ، وأوسعوا الارض اذاعة ، وهم يريدون غير ما يظهرون ، ويسرّون غير مايبدون ، فيقول أهل كل مصر : انّا لفي عافية ممّا ابتلى به هؤلاء ، الاّ اهل المدينة فانّهم جاءهم ذلك عن جميع الامصار ، فقالوا: انّا لفي عـافية ممّا فيه الناس (4) .

الرواية الثالثة - روى سيف في كتاب الردّة والفتوح  وقال :

حدثنا السريّ قال حدّثنا شعيب قال حدثّنا سيف عن عطيّة عن يزيد الفقعسي عن ابن عبّاس قال :

انّ عيسى - عليه السلام - دعا بني اسرائيل فأجابه الى ذلك من شاء اللّه فـلّما رفعه اللّه عزّ وجلّ استحلى الناس كلامه وبلغ اصحابه سبع مئة أهل بيت ، فقال بولس - وكان يكّنى : أبا شاؤل ، وهو الملك يومئذ -: اقتلوا النصارى، فـهربوا، فركب في آثارهم حتّى انتهى الى الدروب فأعجزوه ، فقال لهم بولس : انّ كلامهم مستحلى وقد دخلوا على عدوّكم فلا يزالون يستميلونهم ثمّ  يركبونكم بهم الان ، الاّ أن تـمالئوني على ما أقول لكم قالوا : نعم ! قال : فأنتم شركائي على ما كان من خير وشرٍّ ; انا كأحدكم قالوا : نعم ! فترك ملكه ثمّ  لبس لباسهم ثمّ  اتّبعهم ليضلّهم حتّى انتهى الى عسكرهم فأخذوه وقالوا : الحمد للّه الّذي أخزاك وأمكن منك ، فقال : بلّغوني رؤوسكم فأنّه لم يبلغ من حمقي ان آتيكم الاّ ومعي برهان فأبلغوه رؤوسهم فقالوا : مه ! فقال : لقيني عيسى منصرفي عنكم فأخذ بسمعي وبصري وعقلي فلم أسمع ولم أبصر ولم أعقل ثمّ  كشف عنّي فأعطيت للّه(5) عهدا أن أدخـل في أمركم وان أحتسب عليكم بنفسي فاعلّمكم التوراة وأحكامها فصدّقوه . وقال : ابنوا لي بيتا، وقال : افرشوه رماداً ففرشوه رماداً فتعبّد فيه وعلّمهم ما شاء اللّه  ثمّ  أغلقه دونهم فأطافوا به وقالوا : نخشى ان يكون رآى شيئا يكرهه فأشفق منه ، ففتحه بعد يوم فقالوا : أرايت شيئا تكرهه ؟ قال : لا! ولكنّي رأيت رأيا أعـرضه عليكم فان كان صوابا فخذوا به وان كان خطأً فردّوني عنه قالوا : هات! قال : هل رأيتم سارحة قطّ تسرح الاّ من عند ربّها ؟ قالوا : لا! قال : فانّي رأيت الليل والصبح والشمس والقمر والبروج انّما تجيء من ها هنا وما يجيء من هذا الوجه الاّ وهو احقّ الوجوه ان يصلّى اليه ، قالوا : صدقت ، فردّهم عن قبلتهم ;ثمّ انّه أغلق بعد ذلك بيومين ، ففزعوا اشدّ من فزعهم الاوّل وأطافوا به ، فلّما فتحه قالوا كما قالوا في المرّة الاولى وقال مثل ذلك ، قالوا : هات! قال: ألستم تزعمون انّ الرجل اذا أهدى للرجل هديّة وأكرمه بالكرامة فردّها عليه شقّ عليه ، وانّ اللّه سخّر لكم ما في الارض وجعل ما في السماء لكم كرامة أكرمكم بها فاللّه أحقّ من لم ترّد عليه كرامته فما بال بعض  الاشياء  حلال وبعضها حرام ; ما بين  البقّة  الى الفيل حـلال  ،  قالـوا  : صدقت ;فهذه اثنتان ثمّ  أغلقه بعد ذلك ثلاثا ففزعوا أشدّ من فزعهم في الثـانية وأطافوا به ، فلّما فتح عنه قالوا كما قالوا وقال لهم كما كان يقول ، قالوا: هات ! أرى أن لايؤذى أحد ولا يكافأ فمن عرض لكم بسوء فلا تكافئوه فان لطم خَدَّهُ بذل له الخدّ الآخر وان أخذ بعض ثيابه زاده بقيّتها فقبلوا ذلك وتركواالجهاد ثمّ أغلقه بعد ذلك أطول من ذلك  وفزعوا أشدّ ممّا كانوا يفزعون فأطافوا به حتّى فتح عنه قالوا له كما كانوا يقولون وقال كما كان يقول قالوا : هات ! قال: أخرجوا عنّي أهل البيت فلا يبقى الا يعقوب ونسطور وملكون والمؤمن ،

ففعلوا ، فقال : هل علمتم أحدا من الانس خلق من الطين خلقا فنفخ فيه فصار نفسا؟ قالوا : لا! قال فهل علمتم أحداً من الانس أبرا الاكمه والابرص وأحيى الموتى ؟ قالوا : لا قال : فهل علمتم أحداً من الانس كان ينبئ الناس بما يأكلون وما يدّخرون في بيوتهم ؟ قالوا : لا! قال: فانّي أزعم انّ اللّه  تعالى تجلّى لنا ثمّ  احتجب فقال بعضهم : صـدقت وقـال الاخر هو اللّه وعيسى ابنه وقال الاخر: لا ولكنّه ثالث ثلاثة ;عيسى ابـن وأبوه وأمّه ، فارتاع المؤمن وقال: لعنكم اللّه أي ويلكم! لا واللّه ما حاول هذا الا فسادكم ! ونعجّب من قبولنا عنه ونحن أصحاب عيسى دونه وقد رأينا عيسى وسمعنا منه وقبلنا عنه ، أي ويلكم  ! لا واللّه ما حاول الاّ ضـلالتكم وفسادكـم ; وأقبل يشتـمه ويستغفر ويتوب ثـم رجع عمّا مالأهم عليه وأقبل على أصحابه يحذّرهم وخشي أن يتابعوه فقال : اخرجوا الى ...(6) فقوموا فيهم بأمركم فما أراهم الا سيفترقون كما افترقتم فخرجوا فقاموا فيهم بمثل ما رأوا فاتّبع كلّ انسان منهم قوم وكان المؤمن أقلّهم تبعا فرجع الثلاثة اليه فأخبروه فقال لهم : أدركوا المؤمن وأصحابه فاقتلوهم والاّ أفسدوا عليكم أمركم فخرجوا الى أصحابهم فركبوا بهم المؤمن فقال : ويلكم ! الم يستبن لكم خبثه وكذبه؟ ألم ينهكم أن تؤذوا أحدا أو تركبوه؟ ألم يتغيّر لكم كلامه؟ فقاتلوهم فهزّموهم، فخرج المؤمن وأصحابه الى الشام فأسرهم اليهود فأخبروهم الخبر. وقالوا : انّما هربنا اليكم لنأمن في بلادكم وما لنا في الدنيا من حاجة ; انّما نلزم الكهاف ورؤوس الجبال والصوامع نسيح في البلاد فخلّوا عنهم وتألّفوا بهم البقيّة فاتّخذوا الصوامع والكهاف(7) وساحوا وأضطّروا الى البدعة فهو قوله تـعالـى (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا)سورة الـحديد / 27. يـعنـي: التوحيد ، فـاختلفوا فيه وهـم ايضا الا فرقة منهم ( فأيّدنا الّذين أمنوا) منهم وهم (على عدوّهم)منـهم مـن فـرقة المؤمن وغيرهم (فاصبحوا ظاهرين)الصف /14. بالحجّة وخروج محمّد صلى اللّه عليه وسلم .

وكان مهرب المؤمنين منهم الى جزيرة العرب فأدرك النبيّ منهم ثلاثون راهباً آمنوا به ومثله في هذه الأمّة مثل ابن سبأ (8).

كانت تلكم روايات سيف الثلاثة في مااختلقه من اخبار السبئية وفي مايأتي ندرسها بحوله تعالى سنداً ومتناً


1 تحقيق قاسم السامرائيّ الطبعة الثانية دار أميّة فـي الـرياض سنة 1418 هـ ص 57 - 58 .

2 كتاب الردّة والفتوح  لسيف بن عمر ص 56 - 57  والتمهيد والبيان ص 55 .

3 فاغتمر ، واغتمر فيهم : دخل في غمارهم وغمرهم وغمرتهم وفي الاصل «اعتمر».

4 الطبري ط اوربا 1 / 2942 - 2944 ،ط القاهرة، دار المعارف 4 / 340 - 341 ، وابن عساكر مصوّرة المخطوطة ،في مكتبة كلّية اصول الدين  بطهران 9 / ق 2 / 165 ب - 166 ب، وصدّر رواية سيف بقوله : عبد اللّه بن سبأ الذي تنسب اليه السبئيّة .وهم الغلاة من الرافضة اصله من اليمن، كان يهوديّا واظهر الاسلام وطاف بلاد المسلمين ليلفتهم عن طاعة الائمة، ويدخل بينهم الشرّ. ودخل دمشق لذلك في زمان عثمان بن عفّان . ثمّ  ذكر سنده الى سيف . مختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور الجزء الثاني عشر تحقيق روحيّة النحّاس، مراجعة محمّد مطيع الحافظ  ص 219 - 220 .وابن ابي بكر في التمهيد والبيان ط بيروت دار الثقافة الطبعة الاولى سنة 1384 هـ، ص 89 - 90 .

5 والنص : (والله) تحريف .

6 سقوط من الاصل  .

7 هكذا ورد في النص والصواب : كهوف .

8 الردّة والفتوح لسيف بن عمر ص 136 - 139، ح 133.