مناقشة أحاديث اُمّ المؤمنين عائشة :
تفرّدت اُمّ المؤمنين عائشة برواية أنّ النبيّ (ص) توفّي في حجرها في مقابل كلّ
تلكم الأحاديث .
وأغلب الظنّ كما قلنا سابقاً أ نّها قالت ذلك في حرب البصرة ، أي بعد زمان
الخليفتين عمر وعثمان ، وكذلك يناسب هذا القول عصر معاوية حيث كان ينهى عن نقل
فضائل الإمام ويأمر بنقل ما يناقضها .
وعلى فرض صحّة قول عائشة أنّ النبيّ (ص) توفّي على صدرها ، هل كان ذلك مناقضاً
لما تواتر من أنّ الإمام عليّاً كان وصيّ رسول الله (ص) ؟ وألم يكن ثمة زمان آخر
ليدلي الرسول (ص) بوصاياه للإمام عليّ ؟ كما تدلّ عليه روايات كثيرة مثل ما رواه
أصحاب السنن والمسانيد عن الإمام عليّ ، قال :
( كان لي من رسول الله (ص) مُدخلان : مدخل بالليل ، ومدخل بالنهار ، فكنت إذا
أتيته وهو يصلّي تنحنح )(1) .
وفي رواية :
( كانت لي من رسول الله (ص) منزلة لم تكن لأحد من الخلائق ; إنّي
كنت آتيه كلّ سحر فاُسلّم عليه حتّى يتنحنح ... )(2)
الحديث .
ومن تأريخ ابن عساكر عن جابر :
( لمّا كان يوم الطائف ، ناجى رسول الله (ص) عليّاً ، فأطال نجواه ، فقال بعض
أصحابه : لقد أطال نجوى ابن عمّه . فبلغه ذلك ، فقال : ما أنا انتجيته ; بل الله
انتجاه ) .
وفي لفظ آخر للرواية :
( فناجاه طويلا ، وأبو بكر وعمر ينظران والناس ، قال : ثمّ انصرف إلينا
فقال الناس : قد طالت مناجاتك اليوم يا رسول الله ! فقال : ما أنا انتجيته
ولكنّ الله انتجاه )(3) .
* * *
أوردنـا هذه الروايات من مصادر اُخرى ـ أيضاً ـ في باب ذكر حاملي علوم الرسول (ص)
من هذا الكتاب ، وفي باب مصادر الشريعة الإسلامية لدى مدرسة أهل البيت : .
مـقارنة بين حديث اُمّ المؤمنين عائشة وحديث الإمام عليّ (عليه السلام) :
تفرّدت اُمّ المؤمنين عائشة برواية ما أخبرت به عن خبر آخر ساعات حياة
الرسول الأكرم (ص) أ نّه طلب طستاً ليبول فانخنث ومات بين حاقنتها وذاقنتها ،
وأمثال هذه الألفاظ ، أضف إليه حديثها وحديث غيرها في بدء نزول الوحي :
أنّ رسول الله (ص) عندما تلقّى أوّل وحي هبط به جبرائيل من الله بآيات سورة إقرأ ،
شكّ في جبرائيل أ نّه شيطان يريد أن يتلعّب به ، وشكّ في الآيات الكريمة أ نّها من
قبيل سجع الكهان حتّى طمأنه الرجل النصراني ورقة بن نوفل أ نّه نبيّ اُوحي إليه
كموسى بن عمران ، فاطمأنّ وأدرك أ نّه نبيّ ، إلى أحاديث اُخرى رويت عن سيرة رسول
الله (ص) .
إنّ تلكم الأحاديث كوّنت رؤية خاصة عن رسول الله (ص) لمن يعتقد بها ، تحطّ من مقام
أفضل الرسل عن مستوى الإنسان العادي ، ولهذا حقّ للرجل ( ذي المعرفة ) السعودي أن
يقول : محمد رجّالا مثلي مات (4).
أمّا في حديث الإمام عليّ عن بدء نزول الوحي وهو الشاهد الوحيد الذي كان عندئذ مع
الرسول (ص) في غار حراء : أ نّه سمع رنّة حينئذ وأنّ الرسول (ص) أخبره أنّ الرنّة
من الشيطان لأ نّه أيس من عبادته .
وفي حديثه أيضاً : انّ الله قرن برسول الله (ص) منذ أن كان فطيماً أعظم ملك من
ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره (5).
وفي حديثه عن وفاة رسول الله (ص) أ نّه أدناه إليه وأخذ يناجيه ويسرّ إليه ويوصي
حتّى قبض (ص)(6)
وسالت نفسه في كفّه فأمرّها على وجهه وأ نّه أخذ في تغسيله وتكفينه والملائكة
أعوانه في ذلك ، وقد ضجّت الدار والأفنية ملأ يهبط وملأ يعرج ، وأ نّه ما فارقت
سمعه هينمة منهم يصلّون عليه حتّى واراه في ضريحه .
1
سنن ابن ماجة ، كتاب الأدب ، باب الاستئذان ، ح 3708 . ومسند أحمد 1 / 80 .
2
مسند أحمد 1 / 85 و 107، ويأتي تفصيله في باب مصادر الشريعة الإسلامية لدى
مدرسة أهل البيت .
3
أخرج الحديثين ابن عساكر بترجمة
الإمام علي 2 / 310 و 311 . وابن كثير في تأريخه 7 / 356 . وفي شرح نهج
البلاغة ، ط . مصر الاُولى 2 / 78 ما ملخّصه :
دخلت عائشة وهما
يتناجيان ، فقالت : يا عليّ ليس لي إلاّ يوم من تسعة أيام ، أفما تدعني يا ابن
أبي طالب ! ؟
4
سمعت هذا الكلام من عالم سعودي في اول سفرة لي للحج .
5
نهج البلاغة .
6
وقد أيّد حديثه ، حديث اُمّ سلمة وغيرها في ذلك .