اُمّ المؤمنين تظهر السرور بقتل الإمام عليّ (عليه السلام) :
وأكثر من كلّ ما ذكرناه ما رواه أبو الفرج في مقتل الإمام عليّ (عليه السلام)
وقال :
( لمّا أن جاء عائشة قتل الإمام عليّ ، سجدت )(1) أي سجدت شكراً
لله لما بشّروها به .
وروى الطبري وأبو الفرج وابن سعد وابن الأثير وقالوا :
لمّا أتى عائشه نعي علي قالت :
فألقت عصاها واستقرّ بها النوى *** كما قرّ عيناً بالإياب المسافر
ثمّ قالت : من قتله ؟ فقيل : رجل من مراد ، فقالت :
فإن يك نائياً فلقد نعاه *** غلام ليس في فيه التراب
فقالت زينب بنت اُمّ سلمة : ألِعَليّ تقولين هذا ؟ فقالت : إذا نسيت
فذكّروني(2) .
ثمّ تمثّلت :
ما زال إهداء القصائد بيننا *** باسم الصديق وكثرة الألقاب
حتّى تركت كأنّ قولك فيهم *** في كلّ مجتمع طنين ذباب(3)
مقارنة أحاديث اُمّ المؤمنين عائشة بأحاديث غيرها :
كان ما ذكرناه بعض مواقف اُمّ المؤمنين عائشة من الإمام عليّ (عليه السلام) .
أمّا قولها : ( متى أوصى إليه ، وانخنث فمات على صدري أو بين حاقنتي وذاقنتي )(4) .
فقد تفرّدت هي بروايته وتعارضه الروايات الآتية :
قال ابن سعد في طبقاته : باب من قال توفّي رسول الله (ص) في حجر علي بن أبي طالب ،
عن الإمام عليّ :
« قال : قال رسول الله (ص) في مرضه : اُدعوا لي أخي ; قال : فدعي له علي ،
فقال : اُدن منّي . فدنوت منه فاستند إليّ فلم يزل مستنداً إليّ وإنّه ليكلّمني
حتّى أنّ بعض ريق النبيّ (ص) ليصيبني . ثمّ نزل برسول الله (ص) وثقل في حجري ... »
الحديث .
وروى عن عليّ بن الحسين ، قال :
( قبض رسول الله (ص) ورأسه في حجر عليّ ) .
وعن الشعبي ، قال :
( توفّي رسول الله (ص) ورأسه في حجر عليّ وغسّله عليّ ... ) الحديث .
وروى عن أبي غطفان ، قال :
( سألت ابن عباس ، أرأيت رسول الله (ص) توفّي ورأسه في حجر أحد ؟ قال : توفّي وهو
لمستند إلى صدر عليّ ، قلت : فإنّ عروة حدّثني عن عائشة أ نّها قالت : توفّي
رسول الله (ص) بـين سَحْـري ونَـحْري ! فـقال ابـن عبـاس : أتعقل ؟ والله
لتُوُفّي رسول الله (ص) وإنّه لمستند إلى صدر علي ، وهو الذي غسّله ... ) الحديث .
( إنّ كعب الأحبار قام زمن عمر فقال ونحن جلوس عند عمر أمير المؤمنين :
ما كان آخر ما تكلّم به رسول الله (ص) ؟ فقال عمر : سل عليّاً ، قال :
أين هو ؟ قال : هو هنا . فسأله ، فقال عليّ : أسندته إلى صدري فوضع رأسه
على منكبي فقال : الصلاة الصلاة ! فقال كعب : كذلك آخر عهد الأنبياء وبه اُمروا
وعليه يبعثون . قال : فمن غسّله يا أمير المؤمنين ؟ قال : سل علّياً ; قال :
فسأله فقال : كنت أنا أغسّله وكان العباس جالساً وكان اُسامة وشُقران يختلفان إليّ
بالماء )(5) .
لو كان النبيّ انخنث وتوفّي بين سحر عائشة ونحرها أو حاقنتها وذاقنتها ، كما قالت
هي ، لقال الخليفة عمر لكعب الأحبار : سَل اُمّ المؤمنين عائشة عن آخر ما تكلّم
به رسول الله (ص) ولم يكن يحيله على الإمام عليّ (عليه السلام) .
وأقوى من كلّ الروايات السابقة رواية من شهدت ذلك من اُمّهات المؤمنين وهي اُمّ
سلمة فإنّها قالت :
( والذي أحلف به إن كان عليّ لأقرب الناس عهداً برسول الله (ص) عدناه غداة وهو
يقول : جاء عليّ ؟ جاء عليّ ؟ ـ مراراً ـ فقالت فاطمة كأ نّك بعثته في حاجة
قالت : فجاء بعد ، فظننت أنّ له إليه حاجة ، فخرجنا من البيت فقعدنا عند الباب ،
قالت اُمّ سلمة : وكنت من أدناهم إلى الباب ، فأكبّ عليه رسول الله (ص) وجعل
يسارّه ويناجيه ، ثمّ قبض (ص) من يومه ذلك ، فكان أقرب الناس به عهداً )(6) .
وفي رواية عبد الله بن عمرو :
( أنّ رسول الله (ص) قال في مرضه : ادعوا لي أخي ـ إلى قوله ـ فدعي له عليّ
فستره بثوبه وأكبّ عليه ... )(7)
الحديث .
وممّا قاله الإمام عليّ (عليه السلام) عن وفاة رسول الله (ص) قوله :
( فلقد وسّدتك في ملحودة قبرك ، وفاضت بين نحري وصدري نفسك ، فإنّا لله وإنّا إليه
راجعون )(8) .
وقال أيضاً :
( ولقد قبض رسول الله (ص) وإنّ رأسه لعلى صدري . ولقد سالت نفسه في كفّي ،
فأمررتها على وجهي . ولقد وليت غسله (ص) والملائكة أعواني ، فضجّت الدار والأفنية ،
ملأ يهبط ، وملأ يعرج ، وما فارقت سمعي هينمة منهم يصلّون عليه حتّى واريناه في
ضريحه )(9) .
1 مقاتل
الطالبيين ، ط . القاهرة ، سنة 1368 هـ ، ص 43 .
2
تأريخ الطبري في ذكر سبب مقتل أمير المؤمنين من حوادث سنة 40 هـ ، ط . اوربا
1 / 3466 . وكذلك ابن الأثير ، ط . اوربا 3 / 331 ، و ط . الاُولى 3 / 157 .
وطبقات ابن سعد 3 / 27 . ومقاتل الطالبيين ص 42 ، وفي لفظه : ( بغاه غلام ) ، وفي
لفظ غيره : ( نعاه ) .
3
جاء تمثّل اُمّ المؤمنين بالبيتين في مقاتل الطالبيين ص 42 .
4
صـحيح البـخاري ، كتاب الوصايا ، الباب الأوّل 2 / 84 ، وكتاب المغازي ، باب مرض
النبيّ 3 / 63 منه . وصحيح مسلم ، كتاب الوصية ، باب 19 . وابن ماجة ، كتاب
الجنائز ، باب 64 . ومسند أحمد 6 / 32 ، 64 و 77 . والطبري 1 / 1814 . وراجع قبله
ص 155 من هذا الكتاب .
5
هذه الأحاديث الخمسة في طبقات ابن
سعد ، باب من قال : توفّي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في حجر عليّ بن أبي
طالب ، ط . اوربا 2 / ق 2 / 51 .
6
أخرجه الحاكم في مستدركه 3 / 138
وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه . واعترف بصحّته الذهبي في تلخيص
المستدرك . وأخرجه ابن عساكر في باب : أ نّه كان أقرب الناس عهداً برسول الله
(صلى الله عليه وآله وسلم) ، من ترجمة الإمام علي 3 / 14 ـ 17 بطرق متعددة . وفي
مصنّف ابن أبي شيبة 6 / 348 . ومجمع الزوائد 9 / 112 . وكنز العمال ، ط . الثانية ،
كتاب الفضائل ، فضائل علي بن أبي طالب ، ح 374 ، 15 / 128 . وأخرجه سبط ابن
الجوزي ، في تذكرة خواصّ الاُمّة ، باب حديث النجوى والوصية عن كتاب الفضائل
لأحمد بن حنبل .
7
كنز العمال ، ط . الاُولى 6 / 392 . وتأريخ ابن كثير 7 / 359 . وترجمة الإمام علي
من تأريخ ابن عساكر ، ط . بيروت ، سنة 1395 هـ ، 2 / 484 .
8
نهج البلاغة ، الخطبة : 202 .
9
نهج البلاغة ، الخطبة : 197 .