مدرسة  الخلفاء  تبذل  جهوداً  كبيرة

في  سبيل  كتمان  أخبار  الوصيّة  وتأويل ماانتشر منها

إنّ أوّل من وجدناه يفعل ذلك ، اُمّ المؤمنين عائشة في ما روي عنها من  حديث ، غير أنّ حديثها في إنكار الوصية يدلّ على اشتهار الإمام عليّ بلقب ( الوصي ) في عصرها ، كما نبيّن ذلك في ما يأتي  :

 

حديث  عائشة  يدلّ  على  أنّ  عليّاً  كان  وصيّ  الرسول  (ص)  :

ومـمّا يدلّ على أنّ الإمام عليّاً كان مشهوراً بين الصحابة بأ نّه وصيّ رسول  الله (ص) مضافاً إلى ما أوردناه ; رواية اُمّ المؤمنين عائشة كما في صحيح مسلم ، قال  :

ذكروا عند عائشة أنّ عليّاً كان وصيّاً فقالت  :

متى أوصى إليه فقد كنت مسندته إلى صدري ـ  أو قالت  : حجري  ـ فدعا بالطست فلقد انخنث في حجري وما شعرت أ نّه قد مات ، فمتى أوصى إليه(1)  !  ؟

كانت اُمّ المؤمنين بحاجة إلى استنفار الناس لحرب الإمام عليّ والتي سمّيت في  التأريخ باسم حرب الجمل ، ومن ثمّ نرى أنّ هذه المذاكرة لم تجرِ عفواً ، وإنّما كانت شبيهة بالاحتجاج عليها في ما اشتهر للإمام بأ نّه وصيّ النبيّ ، وكان هذا الموقف منها متناسباً مع هذا الواقع التأريخي ، وكذلك متناسباً مع مواقفها الاُخرى من الإمام علي ; فقد روى ابن سعد عن عائشة ، في خبر مرض رسول الله (ص) أ نّها قالت  :

فخرج بين رجلين تخطّ رجلاه في الأرض بين ابن عباس ـ  تعني الفضل  ـ وبين رجل آخر ; قال عبيد الله  : فأخبرت ابن عبّاس بما قالت  : قال  : فهل تدري من الرجل الآخر الّذي لم تسمّ عائشة  ؟ قال  : قلت  : لا  ! قال ابن عبّاس  : هو عليّ  ! إنّ عائشة لا تطيب له نفساً بخير(2) .

وفي حديث آخر جاء في مسند أحمد(3) :

جاء رجل فوقع في عليّ وفي عمّار عند عائشة فقالت  :

أمّا عليّ ، فلست قائلة لك فيه شيئاً ; وأمّا عمّار فإنّي سمعت رسول الله (ص) يقول فيه  : « لا يخيّر بين أمرين إلاّ اختار أرشدهما » .

هكذا كانت اُمّ المؤمنين تدفـع عـن عـمّار الوقيعة وتسكت عمّن ينال من الإمام عليّ (عليه السلام) .

وفي حديث ثالث  :

وفي صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما واللفظ لمسلم  :

عن عائشة أنّ رسول الله (ص) بعث رجلا على سريّة وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم بـ  (  قُلْ هُوَ اللّهُ أحَد  ) فلمّا رجعوا ذكر لرسول الله (ص) فقال  : سلوه لأيّ شيء يصنع ذلك . فسألوه ، فقال  : لأ نّها صفة الرحمن ، فأنا اُحبّ أن أقرأ بها .

فقال رسول الله (ص)  : أخبروه أنّ الله يحبّه(4) .

ترى من يكون هذا الرجل الّذي يحبّه الله ولم ترَ عائشة أن تذكر اسمه  ؟ إنّه  لو  كان والدها الخليفة أبا بكر أو الخليفة عمر أو غيرهما من ذوي عصبتها مثل  ابن عمّها طلحة ونظرائهم ، لذكرت اسمه ، ومهما بحثنا في مصادر مدرسة الخلفاء لم نجد اسمه ، فاضطررنا إلى مراجعة مصادر مدرسة أهل البيت ، فوجدنا الخبر في  تفسير سورة الإخلاص من تفسير مجمع البيان وتفسير البرهان ، وباب معنى (  قُلْ هُوَ اللّهُ أحَد  ) من كتاب التوحيد للشيخ أبي جعفر محمد بن علي الصدوق ( ت  : 381 هـ ) واللفظ للأخير  :

 

عن الصحابي عمران بن حصين  :

 

أنّ النبيّ (ص) بعث سريّة واستعمل عليها عليّاً (عليه السلام) . فلمّا رجعوا سألهم ، فقالوا  : كلّ خير ، غير أ نّه قرأ بنا في كلّ صلاة بـ  (  قُلْ هُوَ اللّهُ أحَد  ) . فقال  : لِمَ  فعلت هذا  ؟ فقال  : لحبّي لـ  (  قُلْ هُوَ اللّهُ أحَد  ) . فقال النبيّ (ص)  : ما أحببتها حتّى أحبّك الله عزّ وجلّ(5) .

ولصحّة هذا الحديث شاهدان قويّان  :

   أ ـ في صحيح البخاري وغيره أنّ اُمّ المؤمنين عائشة عبّرت في حديثها عن  الإمام عليّ بلفظ  : رجل ، وكذلك فعلت في هذا الحديث .

   ب ـ ورد في صحيح البخاري وغيره أنّ رسول الله (ص) قال لعليّ يحبّه الله كما قال في هذا الحديث  : أحبّك الله .

هكذا لا تذكر اُمّ المؤمنين عائشة اسم عليّ (عليه السلام) في حديثها وتكنّي عنه بالرجل ; ولم تقتصر على هذا المقدار من الجفوة بل زادت ، كما سنذكر بعضها في  ما  يأتي  :


1  صحيح مسلم ، شرح النووي ، كتاب الوصية 11 / 89 . وصحيح البخاري ، كتاب المغازي ، باب مرض النبي   3 / 65  ، وكتاب  الـوصية  ، بـاب  الـوصايا  . وفـتح البـاب 6 /291 . ومسند أحمد 6 / 32 .

2 طبقات ابن سعد ، ط . بيروت 2 / 232 .وقد ذكر البخاري الحديث نفسه في صحيحه باب مرض النبي ووفاته 3 / 63 ، وهذا لفظه  : ( فقال  ابن عباس  : هل تدري من الرجل الآخر الذي لم تسمّ عائشة  ؟ قال  : قلت  : لا ، قال  ابن عباس  : هو عليّ بن أبي طالب ) .حذف البخاري من الحديث قول ابن عبّاس  : ( إنّ عائشة لا تطيب له نفساً بخير ) .

3 مسند احمد،  6 / 113  .

4  صـحيح مسلم ، كتاب صلاة المسافرين ، باب فضل قراءة (  قُلْ هُوَ اللّهُ أحَد  ) ، ح 263 ، ص 557  . وصحيح البخاري ، كتاب التوحيد ، باب ما جاء في دعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)اُمّته في توحيد الله تبارك وتعالى 4 / 182 .

5 تـفسير مـجمع البـيان للشيخ أبي عـلي أميـن الـدين ، الفـضل بن الحسن الطبرسي (ت : 568  هـ )، تـصحيح أحـمد عارف الزين ، مطبعة العرفـان ، صيـدا ، سنة 1333 ـ 1356 هـ  ، 10 / 576 . وتفسير البرهان للسيد هاشم البحراني ، ( ت  : 1107 أو 1109 هـ  ) ط . الثالثة ، قم سنة  1394 هـ 4 / 521 . وتوحيد الصدوق ، ط . طهران ، سنة 1387 هـ ، ص 94 ، ح 11 .وعـمران بـن حـصين أبو نـجيد الـخزاعي ، أسلـم عـام خيبر ، بـعثه عـمر ليفقّه أهل البصرة ، وكـان من فضلاء الصحابة ومجاب الدعوة . توفي بالبصرة سنة 52 هـ  . اُسد الغابة 4 / 137 ـ  138 .