الوصيّة  في  كتاب  ابن  عبّاس  :

قال ابن عبّاس في وقعة صفّين في جواب كتاب معاوية  :

بسم الله الرحمن الرحيم

أمّا بعد ، فقد أتاني كتابك وفهمت ما سطرت فيه ،...

وأمّا قولك إنّي لو بايعني الناس لأسرعت إلى طاعتي ، فقد بايع الناس عليّاً ، وهو أخو رسول الله (ص) وابن عمّه ووصيّه ووزيره ، وهو خير منّي ، وأمّا أنت فليس لك فيها حقّ ، لأنّك طليق وابن طليق ورأس الأحزاب وابن آكلة الأكباد ، والسلام .

فلمّا انتهى كتاب ابن عباس إلى معاوية وقرأه ، قال  : هذا فعلي بنفسي . والله  لأجهدنّ أن لا اُكاتبه سنة . ثمّ أنشأ يقول  :

ولم يك في ما جاء ما يستحقّه *** وما زاد أن أغلى عليه مراجلي

فقل لابن عباس أراك مخوّفاً *** بجهلك حلمي إنّني غير غافل

فأبرق وأرعد ما استطعت فإنّني *** إليك بما يشجيك سبط الأنامل

وصفّين داري ما حييت وليس ما *** تربص من ذاك الوعيد بقاتلي

فأجابه الفضل بن العباس وهو يقول  :

دعوت ابن عباس إلى السلم خدعة *** وليس لها حتّى يموت بقائل

قلت له لو بايعوك تبعتهم *** فهذا عليّ خير حاف وناعل

وصيّ رسول الله من دون أهله *** وفارسه إذ قيل هل من منازل

فدونكه إذ كنت تبغي مهاجراً *** أشمّ بنصل السيف ليس بناكل(1)

وقال مالك الأشتر  :

من رأى غرّة الوصيّ عليّ *** إنّه في دجى الحنادس نور(2)

ونقل المسعودي في مروج الذهب  :

   أ ـ في ذكر من رثى الإمام عليّاً بعد استشهاده  :

وفي ذلك يقول آخر من شيعة علي (رضي الله عنه)  :

تأسّ فكم لك من سلوة *** تفرّج عنك غليل الحزن

بموت النبيّ وقتل الوصيّ *** وقتل الحسين وسمّ الحسن

   ب ـ في ذكر قتل حجر بن عديّ  :

وإنّ قاتل حجر بن عديّ قال له ساعة قتله  :

إنّ أمير المؤمنين قد أمرني بقتلك ، يا رأس الضلال ومعدن الكفر والطغيان والمتولّي لأبي تراب ، وقتل أصحابك ، إلاّ أن ترجعوا عن كفركم وتلعنوا صاحبكم وتتبرّأوا منه ، فقال حجر وجماعة ممّن كان معه  : إنّ الصبر على حدّ السيف لأيسر  علينا ممّا تدعونا إليه ، ثمّ القدوم على الله وعلى نبيّه وعلى وصيّه أحبّ إلينا من دخول النار(3) .

وقال عليّ بن محمد بن جعفر العلوي فيّمن انتمى إلى سامة بن لؤي ابن  غالب  :

وسامة منّا فأ مّا بنوه *** فأمرهم عندنا مظلم

اُناس أتونا بأنسابهم *** خرافة مضطجع يحلم

وقلنا لهم مثل قول الوصـ *** ـيّ وكلّ أقاويله محكم

إذا ما سئلت فلم تدرِ ما *** تقول فقل  : ربّنا أعلم(4)

الوصيّة  في  شعر  المأمون  :

قد دفعت سياسة التقرّب إلى العلويين الخليفة العباسي المأمون ، أن ينتخب الإمام عليّاً الرضا وليّاً للعهد ويذكر الوصيّة في شعره ; فقد قال  :

اُلامُ على حُبّي الوصيّ أبا الحسن *** وذلك عندي من أعاجيب ذا الزمن(5)

وقال أيضاً  :

ومن غاو يغصّ عليّ غيظاً *** إذا أدنيت أولاد الوصيّ(6)

 اشتهار  لقب  الوصيّ  للإمام  عليّ  (ع)  مدى  القرون  :

وروى المبرّد في الكامل وقال  : قال الكميت  :

والوصيّ الذي أمال التجو *** بي به عرش اُمّة لانهدام

قال المبرّد  : قوله  : الوصيّ ، فهذا شيء كانوا يقولونه ويكثرون(7) .

إذاً فالإمام عليّ كان مشهوراً بأ نّه وصيّ الرسول (ص) حتّى أصبح الوصيّ
لقباً له كما كان مشهوراً بكنيته أبي تراب .

واستشهد المبرّد على قوله بأنّ الإمام عليّاً كان مشهوراً بلقب الوصيّ بما جاء في شعر أبي الأسود الدؤلي قوله  : ( الوصي ) مع اسم حمزة والعباس ، بلا تعريف لأحدهم حيث قال  :

اُحبّ محمّداً حبّاً شديداً *** وعبّاساً وحمزة والوصيّا(8)

وقول الحميريّ  :

إنّي أدين بما دان الوصيّ به *** يوم النخيلة من قتل المحلّينا(9)

وقوله أيضاً  :

والله منّ عليهم بمحمّد *** وهداهم وكسا الجنوب وأطعما

ثمّ انبروا لوصيّه ووليّه *** بالمنكرات فجرّعوه العلقما(10)

وقال إمام الشافعية ، محمد بن إدريس ( ت  : 204 هـ )  :

إن كان حبّ الوصيّ رفضاً *** فإنّني أرفض العبادِ(11)

وقال ابن دريد  :

أهوى النبيّ محمّداً ووصيّه *** وابنيه وابنته البتول الطاهرة(12)

وفي ديوان المتنبي  :

وقيل للمتنبي  : ما لك لم تمدح أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب 2  ؟ فقال  :

وتركت مدحي للوصيّ تعمّداً *** إذ كان نوراً مستطيلا شاملا

وإذا استقلّ الشيء قام بذاته *** وكذا ضياءالشمس يذهب باطلا(13)

والبيت الثاني جرى مجرى الأمثال بهذا اللفظ  :

وإذا استطال الشيء قام بنفسه *** وصفات ضوء الشمس تذهب باطلا(14)

وقال يمدح أبا القاسم طاهر بن الحسين بن طاهر العلوي كما في ديوانه أيضاً  :

هو ابن رسول الله وابن وصيّه *** وشبههما شبهت بعد التجارب(15)

وقال شيخ الإسلام الحمويني الجويني ( ت  : 722 هـ )  :

أخو أحمد المختار صفوة هاشم *** أبو السادة الغرّ الميامين مؤتمن

وصيّ إمام المرسلين محمّد *** عليّ أمير المؤمنين أبو الحسن

ـ الأبيات(16) . وقال أيضاً  :

أخي خاتم الرسل الكرام محمد *** رسول إله العالمين مطهّر

عليّ وصيّ المصطفى ووزيره *** أبي السادة الغرّ البهاليل حيدر(17)

وقال السيد محمد حبيب العبيدي ( ت  : 1383 هـ ) مفتي الموصل ، أيّام ثورة

العراقيّين عام 1920 ميلاديّة ، عند احتلال بريطانيا للعراق وفي دحض ادّعاء بريطانيا أنّ لها حقّ الوصاية على العراق والعراقيّين . في صرخته الاُولى ، كما سمّـاها في ديوانه  :

أيّها الغرب جئت شيئاً فريّا *** ما علمنا غير الوصيّ وصيّا

*      *      *

قسماً بالقرآن والإنجيل *** ليس نرضى وصاية لقبيل

أو تسيل الدماء مثل السيول *** أفبعد الوصيّ زوج البتول

نحن نرضى بالإنكليز وصيّا  ؟

دون ملك العراق بين الطلول *** لأبي عبد الله نجل البتول

قد اُريقت دماء خير قتيل *** أفبعد الحسين سبط الرسول

نحن نرضى بالإنكليز وصيّا  ؟

قد ظلمنا العراق يا ساكنيه *** إنّ دمع النساء لا يجديه

حين تبكي السبطين أو تبكيه *** أفمن بعد المجتبى وأخيه

نحن نرضى بالإنكليز وصيّا  ؟

يا محبّي آل النبيّ الكرام *** أيكون العراق ملك اللئام

وهو ميراث آل خير الأنام *** أفبعد الأئمة الأعلام

نحن نرضى بالإنكليز وصيّا  ؟

وقال في صرخته الثانية  :

اشهدوا يا أهل الثرى والثريّا *** قد أبت شيعة الوصيّ وصيّا

قد نكثنا عهد النبيّ لدينا *** واحتملنا إثماً وعاراً وشينا

إن قبلنا وصاية وغوينا *** أفلا يسخط الوصيّ علينا

إن رضينا بالإنكليز وصيّا  ؟

ما عسى أن نقول يوم الجزاء *** لنبيّ الهدى أبي الزهراء

والشهيد المقيم في كربلاء *** وإمام الهدى بسامراء

إن رضينا بالإنكليز وصيّا  ؟

*          *          *

هكذا كلّ ما ذكرناه في شأن الوصي والوصيّة كان مشهوراً لدى أتباع مدرسة الخلفاء منذ القرن الأوّل الهجريّ حتّى القرن الرابع عشر; فقد قال الضبّي من عسكر عائشة يوم الجمل  :

نحن بنو ضبّة أعداء عليّ *** ذاك الّذي يعرف قدماً بالوصيّ

كانوا يلقّبون الإمام عليّاً بالوصيّ ويلقّبونه مع الأحد عشر من بنيه بالأوصياء كما قاله الخليفة العباسيّ هارون الرشيد في ما أخبر عمّا يقع من القتال بين  ولديه الأمين والمأمون .

وكانوا يلقّبون الإمام عليّاً بالوصيّ في حال الغفلة عن معنى هذا اللقب ومغزاه . أمّا في حال التنبّه إلى معنى هذا اللقب ومغزاه فقد كانوا ينكرونه حيناً ويكتمونه حيناً آخر ، ويحرّفون الكلام عن مواضعه آونة اُخرى .


1  كتاب الفتوح لابن أعثم 3 / 254 ـ 258 . وصفّين ص 416 . وشرح نهج البلاغة لابن  أبي  الحديد ، ط . الاُولى 1 / 284 .

2  قال ابن أعثم في الفتوح 3 / 226 ، والخوارزمي في المناقب ص 170 ما موجزه  : إنّ الأشتر وسائر أصحاب الإمام علي (عليه السلام) افتقدوه يوماً بصفّين فبحثوا عنه ووجدوه تحت رايات ربيعة فرأى الإمام الأشتر متغيّراً عن حاله باكياً فقال له  : ما خبرك يا مالك أفقدت ابنك أم أصابك غير ذلك  ؟ فجعل الأشتر ينشد ويقول ... الأبيات .حماة  : جمع حام وهو المدافع الذي لا يُقرَب أو الأسد لحمايته .الدجى  : جمع دُجية وهي الظلمة .الحنادس  : جمع حندس ، ليل حندس أي مظلم ، والحنادس ثلاث ليال من الشهر لظُلمتهن .

3 مروج الذهب أ  : في 2 / 428 ، و  ب  : 3 / 4 .

4 المسعوديّ في ذكر خبر ولد سامة أواخر ترجمة الإمام عليّ 2 / 408 . وولد سامة الذين  تكلّموا في انتسابهم إليه هم بنو ناجية .أمّا علي بن محمد بن جعفر العلوي ، فإنّ جعفراً هذا هو الإمام جعفر الصادق ابن الباقر وعليّ ابنه . نسبه في الأنساب لابن حزم ص 61 .

5  شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 / 22 .

6  المحاسن والمساوئ للبيهقي 1 / 105 .

7 التجوبيّ هو عبد الرحمن بن ملجم المرادي التدْؤلي ، قاتل الإمام علي (عليه السلام) . وقيل له التُّجيبي والتُّجوبيّ نسبة إلى المحلّة التي كان يسكنها بمصر قبل هجرته إلىالكوفة .الكامل للمبرّد ، ط . مكتبة المعارف ، بيروت 2 / 151 . والمبرّد هو  : أبو العباس ، محمّد بن زيد الأزديّ الثماليّ البصريّ . قال الخطيب البغداديّ بترجمته  : شيخ أهل النحو وحافظ علوم العربية ، من تآليفه  : الكامل في اللغة . توفّي ببغداد سنة 285 هـ  ، ترجمته بتأريخ بغداد 3 / 380 ، وكشف الظنون ، مادّة  : ( الكامل ) . والكميت  : أبو المستهلّ ابن زيد الأسدي ، من أهل الكوفة . كان عالماً بآداب العرب ولغاتها وأخبارها وأنسابها ، ثقة في علمه . ترجم شعره الهاشميات إلى الألمانية ، ( ت  : 126 هـ ) . الأعلام للزركلي 6 / 92 .

8 الكامل للمبرّد 2 / 152 . وأورده أبو الفرج بترجمة الحميري في الأغاني ، ط . ساسي 7  /  10 . وتأريخ دمشق لابن عساكر مصورة المجمع العلمي الإسلامي 8 / 2 / 310 أ ، ب .وأبو الأسود  : ظالم بن عمرو الدؤلي ، من الفقهاء والأعيان والشعراء ، واضع علم النحو ، رسم له علي بن أبي طالب اُصول النحو فكتب فيه أبو الأسود ، وأخذ عنه جماعة ، وهو أوّل من نقّط المصحف ، شهد مع عليّ (عليه السلام) صفّين ، توفّي بالبصرة سنة 69 هـ  . الأعلام للزركلي 3 / 34 . وراجع العقد الفريد ، ط . مصر عام 1372 ، 3 / 211 .

9  الكامل للمبرد 2 / 175 ، وأورد البيت وتفصيل سبب إنشاد السيد الحميري الشعر ، في  الأغاني ، ط . ساسي 7 / 21 يوم الخريبة . والعقد الفريد 3 / 285 . وابن أبي الحديد 1  /  43 ، وط . تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم 1 / 132 .والسيد الحميري ، إسماعيل بن محمد ، كان واحداً من ثلاثة ، أكثر الناس شعراً في الجاهلية والإسلام ، كان مقدماً عند الخليفتين المنصور والمهدي العباسيين ، توفي سنة 173 هـ  . الأعلام  للزركلي 1 / 320 .

10  في ترجمة السيد الحميري ، من الأغاني 9 / 6 يوم الخريبة .

11 ديوان الشافعي ط . بيروت 1403 هـ   ،ص 35 .

12  بترجمة ابن دريد في الكنى والألقاب 1 / 274 .وابن دريد  : أبو بكر محمد بن الحسن الأزدي البصري، شاعر نحوي ، لغوي ومن ومؤلفاته  : الجمهرة ( ت  : 321 هـ ) .

13 ديوان أبـي الـطيّب الـمتنبي ( ت  : 468 هــ )، تحـقيق فـريـدرخ ، ط . بـرلين ، سنة 1861 م ص 856 .

14  جاء بهذا اللفظ في ترجمة أبي نؤاس في الكنى والألقاب 1 / 162 .

15  ديوان المتنبي ص 333 .

16 في مقدّمة كتابه فرائد السمطين ، الورقة  : 2 ب ، مخطوطة مصورة المكتبة المركزية بجامعة  طهران برقم 1690 / 1164 . جمع في البيت الثاني بين ذكر الإسم ( عليّ ) وذكر الصفة ( وصيّ ) .

17 في أوّل السمط الأوّل من كتابه فرائد السمطين ، الورقة  : 7 ب .