عبد  الله  بن  عليّ  عمّ  الخليفة  العباسي  السفّاح  يحتجّ بالوصيّة  :

دعـا العبّاسيّون في بادئ أمرهم الناس إلى القيام ضدّ الأمويين باسم آل  محمّد (ص) وكان يدعى أبو مسلم أمير آل محمّد(1) ، وكانوا يحتجّون على  خصومهم بالنصوص التي وردت عن رسول الله (ص) في حقّ آله بالحكم ، ولمّا تمّ لهم الاستيلاء على الحكم أداروا ظهورهم لآل محمّد (ص) .

وممّن احتجّ بالوصيّة منهم عمّ السفّاح أوّل الخلفاء العباسيين ; فقد روى الذهبي عن أبي عمرو الأوزاعي(2) ما موجزه  :

لمّا قدم عبد الله بن عليّ عمّ السفّاح الشام وقتل بني اُميّة بعث إليّ وقال في  كلامه  :

ويحك أوَليس الأمر لنا ديانة  ؟

قلت  : كيف ذاك  ؟

قال  : أليس كان رسول الله (ص) أوصى لعليّ  ؟

قلت  : لو أوصى إليه لما حكّم الحكمين . فسكت وقد اجتمع غضباً ، فجعلت أتوقّع رأسي يسقط بين يديّ ، فقال بيده هكذا ، أومأ أن أخرجوه ; فخرجت ـ الحديث .

إنّ الأوزاعيّ احتجّ في ردّ الوصيّة بما احتجّ به الخوارج على الإمام عليّ وجوابه جـواب الإمـام للخوارج ، والذي مرّ ذكره تحت عنوان  : الوصيّة في كلام الإمام عليّ (عليه السلام)واحتجاجه .

 

محمّد  بن  عبد  الله  بن  الحسن  يحتجّ  على  الخليفة  المنصور بالوصيّة  :

روى الطبريّ وابن الأثير في ذكرهما حوادث سنة 145 بتأريخيهما  : انّ  محمد  بن عبد الله بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عندما خرج على الخليفة العبّاسيّ أبي جعفر المنصور وبايعه الناس بالمدينة ، كتب في جواب أبي جعفر كتاباً  مفصّلا يدلي بحججه في أ نّه أحقّ بالخلافة من المنصور وجاء فيه  :

... وإنّ أبانا عليّاً كان الوصيّ وكان الإمام ، فكيف ورثتم ولايته وولده أحياء  ؟ ... .

فكتب إليه المنصور كتاباً يردّ فيه على ما احتجّ به وسكت عن جواب هذه  الحجّة ، وسكوت المنصور إقرار منه بصحّتها لديهم(3) .

 

الخليفة  المهديّ  يرفض التصديق على وصيّة لذكر  ( الوصيّ ) فيها  :

في تأريخ الطبري  :

ولمّا حضرت القاسم بن مُجاشع التميميّ من أهل مرو  الوفاة أوصى إلى الـمهديّ فكتـب ... والـقاسم بن مجاشع يشهد بذلك ويشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله (ص) وأنّ عليّ بن أبي طالب وصيّ رسول الله (ص) ووارث الإمامة بعده ، قال  : فعُرضت الوصيّة على المهديّ فلمّا بلغ هذا الموضع رمى بها ولم  ينظر فيها(4) .

 

الخليفة  هارون  الرشيد يخبر بمابلغه  من  الأوصياء  :

في الأخبار الطوال عن الأصمعيّ(5) ما موجزه  :

قال  : دخلت على الرشيد فأرسل إلى ولديه محمّد وعبد الله ، فأتياه وأجلسهما عن يمينه وشماله ... فضمّهما إلى صدره ، وسبقته عبرته حتّى تحدّرت دموعه ، ثمّ أذن لهما ، حتّى نهضا وخرجا ، قال  :

كيف بكم إذا ظهر تعاديهما وبدا تباغضهما ووقع بأسهما بينهما حتّى تسفك الدماء ويودّ كثير من الأحياء أ نّهم كانوا موتى  ؟

فقلت  : يا أمير المؤمنين ، هذا شيء قضى به المنجّمون عن مولدهم ، أو  شيء  اثرته العلماء في أمرهما  ؟

قال  : بل شيء أثرته العلماء عن الأوصياء عن الأنبياء في أمرهما .

قالوا  : فكان المأمون يقول في خلافته  : قد كان الرشيد سمع جميع ما جرى بيننا من موسى بن جعفر بن محمّد(6) ، فلذلك قال ما قال .

*          *          *

قال المؤلّف  :

قصد الرشيد من الأوصياء الأئمة من أهل البيت  : موسى وأباه جعفر الصادق

وجدّه مـحمّداً الـباقر وجدّ أبيه علي بن الحسين ثمّ الحسن والحسين وأباهما عليّ ابن  أبي  طالب (عليه السلام) . وقصد من الأنبياء خاتم الأنبياء (ص) .

ومن أجل ذلك فعل الخليفة هارون الرشيد ما لم يفعله خليفة من قبله ولا  بعده وذلك كما رواه المؤرّخون وقالوا  :

( ولمّا صار إلى مكّة ...، فدخل البيت ، ودعا بمحمّد  والمأمون ، فأملى على محمّد كتاب الشرط على نفسه ، وكتب محمّد الكتاب ، وأحلفه على ما فيه ، وأخذ عليه العهود والمواثيق ، وفعل بالمأمون مثله ، وأخذ عليه مثل ذلك ، وكان نسخة الكتاب الذي كتبه محمد بخطّه  :

 

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا كتاب لعبد الله هارون أمير المؤمنين ، كتبه محمّد بن هارون في صحّة من  بدنه وعقله وجواز من أمره . انّ أمير المؤمنين هارون ولاّني العهد من بعده ، وجعل لي البيعة في رقاب المسلمين جميعاً ، وولّى أخي عبد الله ابن أمير المؤمنين العهد والخلافة وجميع اُمور المسلمين بعدي برضىً منّي وتسليم ، طائعاً غير مكره ، وولاّه خراسان بثغورها وكورها ، وأجنادها وخراجها وطرازها ، وبريدها ، وبيوت أموالها وصدقاتها وعُشرها وعُشورها ، وجميع أعمالها في حياته وبعد موته ، وشرطت لعبد الله أخي علَيّ الوفاء بما جعل له هارون أمير المؤمنين من البيعة والعهد والولاية والخلافة واُمور المسلمين بعدي ... إلى آخر الكتابين .

 

وروى الطبريّ بعد ذلك وقال  :

( وكتبا لأمير المؤمنين في بطن بيت الله الحرام بخطوط أيديهما بمحضر ممّن  شهد الموسم من أهل بيت أمير المؤمنين وقوّاده وصحابته وقضاته وحَجَبَة الكعبة وشهاداتهم عليهما كتابين استودعهما أمير المؤمنين الحَجَبَة وأمر بتعليقهما في  داخل الكعبة ، فلمّا فرغ أمير المؤمنين من ذلك كلّه في داخل بيت الله الحرام

وبطن  الكعبة أمر قضاته الّذين شهدوا عليهما وحضروا كتابهما أن يُعلموا جميع من  حضر الموسم من الحاجّ والعُمّار ووفود الأمصار ما شهدوا عليه من شرطهما وكتابهما ، وقراءة ذلك عليهم ليفهموه ويَعُوه ويعرفوه ويحفظوه ويؤدّوه إلى إخوانهم وأهل بلدانهم وأمصارهم . ففعلوا ذلك وقُرئ عليهم الشرطان جميعاً في المسجد الحرام ، فانصرفوا . وقد اشتهر ذلك عندهم وأثبتوا الشهادة عليه ... )(7) .


1 تأريخ اليعقوبي 2 / 352 . والتنبيه والإشراف للمسعودي ص 293 . وتأريخ ابن الأثير 5  /  139 ، 142 و  194 في ذكر حوادث سنة 129 و  130 .

2  بترجمته في تذكرة الحفّاظ 1 / 181 .

3 الـطبري ، ط . اوربا 3 / 209 . وتأريخ ابن الأثير ، ط . مصر الاُولى 5 / 199 . وابن كثير 10  / 85 .

4 تأريخ الطبري 3 / 532 .

5 الأصمعيّ  : عبد الملك بن قريب ( ت  : 216 هـ ) البصري اللغويّ النحويّ . قيل  : كان يحفظ اثني عشر ألف اُرجوزة . ترجمته في الكنى والألقاب للقمّي .

6 الأخبار الطوال ،ط .القاهرة الاُولى سنة 1960 ، ص 389 لأبي حنيفة الدينوري (ت:282 هـ ) . ومروج الذهب للمسعوديّ 3 / 351 .

7 تأريخ اليعقوبي 2 / 416 ـ 421 . وأورد الطبري تفصيل ذلك في ذكر حوادث سنة ستّ  وثمانين ومائة ، ط . اوربا 3 / 654 ـ 665 . وأشار إلى ذلك بإيجاز كلّ من المسعودي في  مروج الذهب 3 / 353 . وابن الأثير في تأريخه ( الكامل ) ، ط . اوربا 6 / 117 ـ 118 . وابن كثير في البداية والنهاية 10 / 187 .