أئمّة أهل البيت (ع) يتداولون مواريث النبوّة

أئمّة أهل البيت (ع) يتداولون مواريث النبوّة الامام السجاد (ع) يدفع مواريث النبوة إلى الامام الباقر (ع) في تظاهرة لمّا حضرت علي بن الحسين (ع) الوفاة أخرج صندوقا عنده، فقال: يا محمد! إحمل هذا الصندوق. فحمل بين أربعة، فلّما توفّي جاء اخوته يدّعون في الصندوق، فقال لهم: واللّه ما لكم فيه شيء، ولو كان لكم فيه شيء ما دفعه الّي. وكان في الصندوق سلاح رسول اللّه (ص).

ونظر الامام السجّاد (ع) إلى ولده، وهو يجود بنفسه وهم مجتمعون عنده، ثمّ نظر إلى ابنه محمد فقال: يا محمد خذ هذا الصندوق فاذهب به إلى بيتك وقال: أما إنّه لم يكن فيه دينار ولا درهم،: ولكن كان مملّوا علما.

هذه التظاهرة في تسليم الكتب اختصّ بها الامام السّجاد (ع) ولم يفعل نظيرها من سبقه من الائمة ولا فعل مثلها من جاء بعده منهم، والحكمة في عمله تهيئة الاجواء للامام الباقر (ع) كي ينقل للناس أحكام الاسلام وعقائده عمّا ورثه من رسول اللّه (ص) من كتب في مقابل من كان يفتي برأيه مثل الحكم ابن عتيبة فانّه اختلف مع الامام الباقر (ع) في شيء فقال لابنه الصادق (ع): يا بنىّ قم، فأخرج كتابا مدروجا عظيما وجعل ينظر حتّى أخرج المسألة فقال: هذا خطّ عليّ واملاء رسول اللّه، وأقبل على الحكم وقال: يا أبا محمد! اذهب أنت وسلمه وأبو المقدام حيث شئتم يمينا وشمالا فوَاللّه لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبرئيل.

هكذا بدأ الامام الباقر (ع) من بين الائمّة بإراءة الكتب التي ورثوها عن جدّه الامام علي من املاء رسول اللّه للمسلمين وأقرأها بعضهم، وتابعه في ذلك الامام جعفر الصادق وأكثر من توصيفها والنقل عنها وبيان ما فيها وانّها كيف كُتِبَتْ، وأنّ فيها كلّ ما يحتاجه الناس إلى يوم القيامة حتّى ارش الخدش.

وكان الائمّة يصادمون في عملهم هذا مدرسة الخلافة في اعتمادها على الرأي والقياس في استنباط الاحكام وبيانها، وكانوا يصرّحون بأنّهم لايعتمدون الرأي وانّما يحدِّثون عن رسول اللّه، كما قال الامام الصادق (ع):

حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدّي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول اللّه، وحديث رسول اللّه قول اللّه عزّ وجلّ.

* * *

بعدما انصرفت قلوب بعض المسلمين عن مدرسة الخلافة اثر استشهاد الحسين (ع) وأدركوا أنّ أُولئك ليسوا على حقّ في ما يقولون ويفعلون، ومالت قلوبهم إلى أهل بيت رسول اللّه (ص)؛ عند ذاك استطاع أئمة أهل البيت أن يبصّروا بعضهم أمر دينهم، ويعرّفونهم أنّ مدرسة الخلفاء تعتمد الرأي في الدين في قبال أئّمة أهلُ البيت الذين يبلّغون عن اللّه ورسوله، وكان الفرد المسلم بعد تفهمّ هذه الحقيقة، يتهيّأ لقبول ما يبيّنه الامام من أئمّة أهل البيت، ومن ثمّ بدأ بعض الافراد يتلّقى الحكم الاسلامي الذي جاء به رسول اللّه عن طريقهم. وكذلك استبصر الفرد بعد الاخر حتّى تكونت منهم جماعات اسلاميّة واعية، ومن الجماعات الواعية مجتمعات اسلاميّة صالحة قائمة على أُسس من المعرفة الاسلامية الصحيحة، وعند ذاك احتاجوا إلى مرشدين فعيَّن لهم الائمّة من يقوم بذلك وينوب عنهم في أخذ الحقوق المالية، فكانوا يرجعون إلى الوكلاء النوّاب في ذينك تارة، وأخرى يجتمعون بامامهم اذا تيسَّر لهم السفر اليه.

وإلى جانب ذلك ساعدت الظروف أحيانا الائمّة منذ الامام الباقر (ع) على تكوين حلقات دراسيّة يحضرها الامثل فالامثل من أهل عصرهم، يحدّثهم الامام فيها عن آبائه عن جدّه الرسول (ص) تارة، ويروي لهم عن جامعة الامام علي (ع) تارة أُخرى، وثالثة يبين لهم الحكم دونما اسناد، وتوسعّت تلك الحلقات على عهد الامام الصادق (ع) حتّى بلغ عدد الدارسين عليه أربعة آلاف شخص، وكان تلاميذهم يدونون أحاديثهم في رسائل صغيرة تسمّى بالاصول، دأبوا على ذلك حتّى بلغوا عصر المهدي، ثاني عشر أئمة أهل البيت (ع)، وغاب عن أنظار الناس وأرجع بدءا شيعته أينما كانوا إلى نوّابه الاربعة التالية أسماؤهم:

أ ـ عثمان بن سعيد العمري .

ب ـ محمد بن عثمان بن سعيد العمري.

ج ـ أبو القاسم حسين بن روح.

د ـ أبو الحسن علي بن محمد السمري.

ومارس هؤلاء النيابة عن الامام زهاء سبعين عاما يتوسّطون بينه وبين الشيعة حتّى تعودّت الشيعة على الرجوع إلى نوّاب الامام وحدهم في ما ينوبهم، وألّفّ في هذا العصر ثقة الاسلام الكليني أوّل موسوعة حديثيّة في مدرسة أهل البيت (ع) أسماها الكافي، جمع فيها قسما كبيرا من رسائل خريّجي هذه المدرسة التي كانت شائعة في ذلك العصر يرويها المئات عن أصحابها، وبذلك بدأ عهد جديد في تدوين الحديث بمدرسة أهل البيت (ع).

* * *

جاهد الائمّة بعد استشهاد الحسين (ع) لاعادة الاسلام الصحيح إلى المجتمع فأعادوه حكما بعد حكم وعقيدة بعد عقيدة حتّى تمّ في نهاية هذا العهد تبليغ جميع ما جاء به الرسول، وأُبعد عنه كلّ محرّف وزائف فيحدود من تقبّل منهم، وتمّ تدوين جميع سنّة الرسول (ص) في رسائل صغيرة ومدوّنات كبيرة.

وكذلك جاهدوا في إرشاد أبناء الامة فردا بعد فرد حتى تكونت منهم مجتمعات اسلامية صالحة فيها علماء يرجعون إلى مدوّنات حديثية، حوت كلّ ما تحتاجه أبناء الامّة من حقائق الاسلام، وبذلك انتهى واجب الائمة التبليغي في نهاية هذا العهد، كما انتهى واجب رسول اللّه التبليغي في آخر سنة من حياته فقبضه اللّه إليه صلوات اللّه عليه وآله.

وكذلك اقتضت حكمة اللّه أن يحتجب في نهاية هذا العهد الامام المهدي (ع) عن الانظار إلى ما شاء اللّه، فأرجع شيعته إلى فقهاء مدرستهم وأنابهم عنه نيابة عامّة دون تعيين أحد بالخصوص، وبذلك بدأ عصر غيبة الامام المهدي الكبرى، وناب عنه فقهاء مدرستهم في حمل أعباء التبليغ إلى اليوم وإلى ما شاء اللّه. كما نبينّه في ما يلي: