حكمة الامام (ع) في كيفية قيامه
عارض الامام في المدينة بيعة خليفة اكتسب شرعية حكمه لدى المسلمين ببيعتهم اياه، وقاوم عصبة الخلافة في المدينة حتى انتشر خبره، ثم توجه إلى مكة والتزم الطريق الاعظم ولم يتنكبه مثل ابن الزبير، وجاء مكة والتجأ إلى بيت اللّه الحرام فاشرأبت اليه أعناق المعتمرين، وتحلقوا حوله يستمعون إلى سبط نبيهم وهو يحدثهم عن سيرة جده ويشرح لهم انحراف الخليفة عن تلك السيرة! ثم أعلن دعوته وكاتب البلاد ودعا الامة إلى القيام المسلح في وجه الخلافة،
وتغيير ما هم عليه، وطلب منهم البيعة على ذلك، وليس على ان يعينوه ليلي الخلافة، ولم يمنّ الامام احدا بذلك بتاتا ولم يذكره في خطاب ولم يكتبه في كتاب، بل كان كلّما نزل منزلا او ارتحل ضرب بيحيى بن زكريا مثلا لنفسه، وحق له ذلك فان كلا منهما انكر على طاغوت زمانه الطغيان والفساد، وقاومه حتى قتل، وحمل رأسه إلى الطاغية! فعل ذلك يحيى بمفرده، والحسين مع اعوانه وانصاره واهل بيته، ولا يفعل ذلك من يريد ان يجمع الناس حوله ويستظهر بهم ليلي الخلافة، بل يمنّيهم بالنصر والاستيلاء على الحكم ولا يذكر للناس ما يؤدي إلى الوهن والفشل.
بقي الامام اربعة اشهر في مكة بما فيهن اشهر الحج، واجتمع به المعتمرون اولا ثم الوافدون لحج بيت اللّه الحرام من كلّ فجّ عميق، وهو يروي لهم عن جده الرسول (ص) عن اللّه مايخوفهم معصيته، ويحذرهم عذابه في يوم القيامة، ويدعوهم إلى تقوى اللّه وطلب مراضيه، وينبههم إلى خطر الخلافة القائمة على الاسلام، فيسمعون منه ما لم يسمعوا من غيره في ذلك العصر، وبقي هكذا حتى اقبل يوم التروية، واحرم الحاج للحج، واتجهوا إلى عرفات ملبّين.
في هذا الوقت خالف الامام الحجيج واحل من احرامه وخرج من الحرم قائلا اخشى ان تغتالني عصبة الخلافة لاني لم أبايع فتهتك بي حرمة الحرم، ولان اقتل خارجا منه بشبر احب اليّ من اقتل داخلا بشبر. ان الامام لم يقل عندئذ اذهب إلى العراق لالي الحكم؛ بل قال: اذهب لاقتل خارجا من الحرم بشبر.
ويعود الحجيج إلى مواطنهم ويبلغ معهم خبر الامام الحسين إلى منتهى الخفّ والحافر، ويبلغ خبره إلى أي صقع من اصقاع الارض يمرّ به ركب الحجيج الذي يحمل معه إلى المسلمين في كل مكان النبأ العظيم، نبأ خروج سبط نبيهم على الخلافة القائمة ودعوته المسلمين إلى القيام المسلح ضد الخلافة لانه يرى الخليفة قد انحرف عن الاسلام ويرى الخطر محدقا بالاسلام مع استمرار هذا الحكم، فيتعطش المسلمون في كل مكان لمعرفة مآل هذه المعركة، معركة أهل بيت الرسول مع عصبة الخلافة، ويتنسمون اخبارها فيبلغهم ان الحسين (ع) خرج لا يلويه شيء، ولا يثني عزمه تحذير المحذرين، ولا تخذيل المخذّلين، لا يلويه قول عبداللّه بن عمر: استودعك اللّه من قتيل، ولا قول الفرزدق: قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني امية، ولا كتاب عمرة وحديثها عن عائشة عن رسول اللّه انه يقتل بارض بابل، هكذا تبلغهم اخبار الامام خبرا بعد خبر، ويمضي الحسين (ع) متريثا متهملا لايخفي من امره شيئا، بل يبادر إلى كل فعل يشهر مخالفته للخليفة يزيد، فيأخذ ما ارسله والي اليمن الى الخليفة من تحف وعطور ويعلن بفعله هذا عدم شرعية تصرف الخليفة، وكذلك يفعل كل ما يتم به الحجة على من اجتمع به او بلغه خبره، ويبالغ في ذلك، واخيرا يستقبل بالماء جيش عدوه وقد اجهده العطش في صحراء لا ماء فيها يرويهم ويروي مراكبهم، ولا يقبل ان يباغت هذا الجيش بالحرب، بل يتركهم ليكونوا هم الذين يبدأونه بالحرب، ثم انه يتمُّ الحجة على هذا الجيش ويخاطبهم بعد ان يؤمهم بالصلاة ويقول:
معذرة إلى اللّه عزّ وجلّ واليكم، إني لم آتكم حتى أتتني كتبكم، وقدمت عليّ رسلكم ان أقدم علينا فانه ليس لنا امام لعل اللّه يجمعنا بك على الهدى، فان كنتم على ذلك، فقد جئتكم، فان تعطوني ما أطمئن اليه من عهودكم ومواثيقكم أقدم مصركم، وان لم تفعلوا وكنتم لمقدمي كارهين، انصرف عنكم.
وقال في خطبته الثانية:
إن تتقوا وتعرفوا الحق لاهله يكن ارض لله، ونحن اهل البيت اولى بولاية هذا الامر عليكم من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم والسائرين فيكم بالجور والعدوان.
وأتمّ الحجة أيضا على اصحابه وخطب فيهم وقال:
ألا ترون ان الحق لايعمل به وان الباطل لايتناهى عنه؟ ليرغب المؤمن في لقاء اللّه محقا، فاني لا أرى الموت إلاّ سعادة والحياة(41) مع الظالمين إلاّ برما.
فقال له اصحابه: واللّه لو كانت الدنيا باقية وكنا فيها مخلدين إلاّ ان فراقها في نصرك ومواساتك لاثرنا الخروج معك على الاقامة فيها.
وقال في جواب اقتراح الطرمّاح ان يذهب إلى جبلي طيّ فيدافع عنه عشرون ألف طائي: انه قد كان بيننا وبين هؤلاء القوم قول لسنا نقدر معه على الانصراف.
إنّه قد كان بين الحسين (ع) وبين أهل العراق عهدٌ ان يذهب اليهم ولا يقدر ان ينصرف عنهم حتى يتم الحجة عليهم.
* * *
أتمّ الامام الحسين (ع) الحجة على المسلمين في بلادهم وحواضرهم وعواصمهم مدة خمسة أشهر، سواء من كان منهم في الحرمين أو العراقين ـ البصرة والكوفة ـ وكذلك من كان في الشام حين اسمعهم حججه في خطبه وكتبه وعلى لسان رسله وأبلغهم نبأه.
وباشر القيام المسلح بأخذه البيعة ممن بايعه على ذلك، ثم في قتال سفيره مسلم ثم في توجهه إلى العراق متريثا، وكان بامكان جماهير الحجيج ان يلتحقوا بعد الحج بركبه المتمهل في السير، وكان بامكان أهل الحرمين والعراقين وسائر البلاد الاسلامية ان يلبّوا دعوته حين استنصرهم، فانه لم يأخذ على حين غرّة ليكونوا معذورين لانه لم تؤاتهم الفرصة لنصرته، بل انه تنقل من بلد إلى بلد يداور عصبة الخلافة ويحاور بمنظر من المسلمين ومخبر، اذن فقد اشترك الجميع في تخذيله، وان تفرد أهل الكوفة بحمل العار في دعوته، وتلبية دعوته ثم قتالهم اياه!.
* * *
أتمّ الامام الحسين (ع) الحجة على المسلمين عامة بما قال وفعل من قبل ان يصل إلى عرصات كربلاء، ولما انتهى اليها وقلب له أهل العراق ظهر المجن، وازدلف اليه هناك عشرات الالوف منهم، يتقربون إلى عصبة الخلافة بدمه، عند ذاك اتم عليهم ـ على عصبة الخلافة خاصة ـ الحجة بما قال وفعل: فقد اقترح على عصبة الخلافة اولا ان يتركوه فيلقي السلاح ويرجع إلى المكان الذي أتى منه او يسير إلى ثغر من الثغور فيكون رجلا من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم، وبذلك لا يبقى أي خطر منه على حكمهم كما كان شأن سعد بن أبي وقاص وعبد اللّه بن عمر واسامة بن زيد مع ابيه الامام علي (ع) حين لم يبايعوه، فلما أبى عليه جيش الخلافة إلاّ ان يبايع وينزل على حكم ابن زياد، أبى ذلك واستعدّ للقاء اللّه؛ ولاتمام ا لحجة على جيش الخلافة من أهل العراق، وعلى اصحابه خاصة، طلب منهم عصر التاسع من محرم ان يمهلوه ليلة واحدة ليصلي لربه، ويتضرع ويتلو كتابه فانه يحب ذلك، وبعد لاي لبّوا طلبه فجمع اصحابه ليلة العاشر من محرم وخطب فيهم وقال في خطبته:
ألا واني أظن ان يومنا من هؤلاء الاعداء غدا واني قد أذنت لكم فانطلقوا جميعا في حل، ليس عليكم مني ذمام، وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا، وليأخذ كل واحد منكم بيد رجل من أهل بيتي فجزاكم اللّه جميعا خيرا، وتفرقوا في سوادكم ومدائنكم فان القوم انما يطلبونني، ولو أصابوني لذهلوا عن طلب غيري.
فقال له الهاشميون:
لِمَ نفعل ذلك؟ لنبقى بعدك؟ لا أرانا اللّه ذلك أبدا.
والتفت إلى بني عقيل وقال:
حسبكم من القتل بمسلم، اذهبوا قد أذنت لكم فقالوا: لا واللّه لانفعل، ولكن نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا، نقاتل معك حتى نرد موردك، فقبح اللّه العيش بعدك!
ثم تكلّم انصاره فقال مسلم بن عوسجة:
أنحن نخلّي عنك؟! وبماذا نعتذر إلى اللّه في أداء حقك؟ أما واللّه لا أفارقك حتى أطعن في صدورهم برمحي وأضربهم بسيفي ماثبت قائمه في يدي، ولو لم يكن معي سلاح اقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة حتى اموت معك.
وقال سعيد بن الحنفي:
واللّه لانخليك حتى يعلم اللّه أنا قد حفظنا غيبة رسوله فيك. أما واللّه لو علمت اني اقتل ثم احيا، ثم احرق حيا ثم أُذرى، يُفعلُ بي ذلك سبعين مرة، لما فارقتك حتى القى حمامي، فكيف لا افعل ذلك وانما هي قتلة واحدة ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها ابدا. وتكلم باقي الاصحاب بما يشبه بعضه بعضا. وبعد هذه الخطبة تهيأوا للقاء ربهم واحيوا الليل بالعبادة. قال الراوي:
((لما أمسى الحسين واصحابه قاموا الليل كله يصلون ويستغفرون ويدعون ويتضرعون)).
واستعدوا كذلك للقاء خصومهم واتمام الحجة عليهم في يوم غد، فأمر الامام بمكان منخفض من وراء الخيام كأنّه ساقية فحفروه في ساعة من الليل، وامر فأتي بحطب وقصب فألقي فيه، فلما اصبحوا استقبلوا القوم بوجوهم وجعلوا البيوت في ظهورهم وامر بذلك الحطب والقصب من وراء البيوت فأُحرق بالنار كي لايأتوهم من ورائهم، وبذلك منعهم الامام من الحملة عليه بغتة وقتله قبل اتمام الحجة عليهم، بل القى عليهم هو واصحابه الخطبة تلو الخطبة. وحين تقابل الجيشان في يوم عاشوراء واستعدّا للقتال بدأهم الامام الحسين فركب ناقته واستقبلهم واستنصتهم ثم قال في خطبته:
أيها الناس! اسمعوا قولي ولاتعجلوا حتى اعظكم.
آمنتم بالرسول محمد (ص) ثم انكم زحفتم إلى ذريته وعترته تريدون قتلهم....
ايها الناس! انسبوني من أنا، ثم ارجعوا إلى انفسكم وعاتبوها وانظروا هل يحل قتلي وانتهاك حرمتي؟!
ألست ابن بنت نبيكم؟
أو لم يبلغكم قول رسول اللّه لي ولاخي: هذان سيّدا شباب أهل الجنة؟ فان كنتم في شك من هذا القول أفتشكّون أني ابن بنت نبيكم؟ فواللّه ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم ولا في غيركم، ويحكم! اتطلبونني بقتيل منكم قتلته أو مال لكم استهلكته او بقصاص جراحة؟!
ونادى:
ياشبث بن ربعي! ويا حجّار بن ابجر! وياقيس بن الاشعث! ويازيد ابن الحارث! ألم تكتبوا اليّ أن اقدم قد أينعت الثمار واخضر الجناب، وانما تقدم على جند لك مجنّد؟
وقال:
أيها الناس! إذا كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم فقال له قيس بن الاشعث:
أوَلاَ تنزل على حكم بني عمّك..؟
وقال الحسين(ع):
ألا وانّ الدعيّ بن الدعيَّ قد ركّز بين أثنتين، بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة..
وقال:
أما واللّه لا تلبثون بعدها إلاّ كريثما يُركَبُ الفرس حتى تدور بكم دور الرحى... عهد عهده إليّ أبي عن جدّي رسول اللّه...
ثم رفع يديه إلى السماء وقال:
اللهم احبس عنهم قطر السماء.... وسلّط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأسا مصبرة...
إذن فانّ جيش الخلافة من أمة محمد (ص) يقاتلون ابن بنت نبيهم من أجل أن يبايع يزيد وينزل على حكم ابن زياد، ويتقبل الامام الحسين وجيشه قتل رجالهم وسبي نسائهم ولا يفعلون ذلك.
جيش الخلافة يقتل ابن بنت نبيه ويسبي عترته من اجل كسب رضا الخليفة، وواليه، وكسب حطام الدنيا منهما.
والامام وجيشه يستشهدون من أجل كسب رضا اللّه وتحصيل ثوابه في يوم القيامة.
يدلّ على ذلك بالاضافة إلى ما سبق ذكره، جميع أفعال الجيشين وأقوالهما في ذلك اليوم.
بدأ القول والفعل أمير جيش الخلافة عمر بن سعد حين وضع سهما في كبد قوسه ثم رمى وقال: اشهدوا لي عند الامير اني اول من رمى.
ورفع الحسين (ع) يديه وقال:
اللهم انت ثقتي في كلّ كرب ورجائي في كل شدة...
وتسابق الجيشان يكشفان عن دخائل نفوسهما في ما يقولان ويفعلان؛ مثل مسروق الوائلي من جيش الخلافة حين قال: كنت في اوائل الخيل ممن سار إلى الحسين فقلت: أكون في أوائلها لعليّ اصيب رأس الحسين (ع) فأصيب به منزلة عند عبيد اللّه بن زياد.
في جيش الخلافة من يريد ان يأخذ رأس ابن بنت نبيه ليتقرّب به إلى ابن زياد.
وفي جيش الحسين (ع) جون، مولى أبي ذر، انه يستأذن الامام للقتال فيقول له الحسين:
انما تبعتنا طلبا للعافية فأنت في اذن مني، فيقول: أنا في الرخاء ألحس قصاعكم وفي الشدة اخذلكم! ان رحي لمنتن وحسبي للئيم ولوني لاسود. فتنفّس عليّ بالجنة ليطيب ريحي ويبيضّ لوني، لا واللّه لا أفارقكم حتى يختلط هذا الدم الاسود مع دمائكم...
ولمّا اذن له الحسين (ع) حمل عليهم وهو يقول:
كيف يرى الفجّار ضرب الاسود
بالمشرفيِّ القاطع المهنّد
احمي الخيار من بني محمد
أذبّ عنهم باللسان واليد
أرجو بذاك الفوز عند المورد
من الاله الواحد الموحد
وبعد ما قتل وقف عليه الحسين (ع) وقال:
اللهم بيض وجهه وطيّب ريحه واحشره مع محمد (ص) وعرّف بينه وبين آل محمد (ص).
وفي جيش الحسين (ع) فتى عمره احدى عشرة سنة قتل أبوه في المعركة يستأذن الحسين للقتال فأبى ان يأذن له وقال: هذا قتل أبوه، ولعل امه تكره ذلك فقال: ان أُمي أمرتني، فلما قتل رمي برأسه إلى عسكر الحسين (ع) فأخذته أُمه ومسحت الدم عنه وضربت به رجلا قريبا منها وعادت إلى المخيم فأخذت عمودا وتقدّمت إلى جيش العدى وهي تقول:
انا عجوز سيدي ضعيفة
خاوية بالية نحيفة
أضربكم بضربة عنيفة
دون بني فاطمة الشريفة
فأمر الحسين (ع) بردها.
وفي جيش الحسين (ع) عمرو الازديّ برز وهو يقول:
اليوم يانفس إلى الرحمن
تمضين بالروح وبالريحان
اليوم تجزين على الاحسان
قد كان منك غابر الزمان
ما خطّ باللوح لدى الديّان
فاليوم زال ذاك بالغفران
وفي جيش الحسين (ع) خالد ابن هذا القتيل برز وهو يقول:
صبرا على الموت بني قحطان
كيما نكون في رضى الرحمن
ذي المجد والعزة والبرهان
ياأبتا قد صرت في الجنان
وفي جيش الحسين (ع) سعد بن حنظلة، برز وهو يقول:
صبرا على الاسياف والاسنه
صبرا عليها لدخول الجنة
يانفس للراحة فاطرحنّه
وفي طلاب الخير فارغبنّه
ومن جيش الحسين، زهير أخذ يضرب على منكب الحسين ويقول:
أقدم هديت هاديا مهديّا
فاليوم تلقى جدّك النبيا
وحسنا والمرتضى عليا
وذا الجناحين الفتى الكميّا
وأسد اللّه الشهيد الحيّا
ويقول:
أقدم حسين اليوم تلقى احمدا
وشيخك الخير عليا ذا الندى
وحسنا كالبدر وافى الاسعدا
وعمك القرم الهجان الاصيدا
وحمزة ليث الاله الاسدا
في جنة الفردوس تعلو صعدا
ومن جيش الحسين (ع)، حمل نافع وهو يقول:
أنا الغلام اليمنيّ الجمليّ
ديني على دين حسين وعلي
ان أقتل اليوم فهذا أملي
وذاك رأيي وأُلاقي عملي
وفي جيش الحسين (ع) يقول ابنه علي:
أنا علي بن الحسين بن علي
نحن وبيت اللّه أولى بالنبي
ويقول القاسم ابن أخيه:
إن تنكروني فأنا فرع الحسن
سبط النبي المصطفى والمؤتمن
ويقول محمد بن عبداللّه بن جعفر:
أشكو إلى اللّه من العدوان
فعال قوم في الردى عميان
قد بدّلوا معالم القرآن
ومحكم التنزيل والتبيان
واظهروا الكفر مع الطغيان
ويقول أخوه العباس بعد ان قُطِعت يمينهُ:
واللّه ان قطعتُمُ يميني
إني أُحامي أبدا عن ديني
وعن إمامٍ صادق اليقينِ
نجل النبي الطاهر الامين
ويقول:
يانفس لاتخشي من الكفار
وأبشري برحمة الجبار
مع النبي السيد المختار
وفي جيش الخلافة من يرمي الطفل الرضيع في حجر أبيه الامام.
وفي جيش الخلافة من يقطع الصبي الذاهل بسيفه أمام أمه.
* * *
ليت شعري هل قتل جيش الخلافة الطفل الصغير لانه لم يبايع خليفتهم؟!
أم هل سبوا بنات رسول اللّه وساروا بهن من كربلاء إلى الكوفة ومن الكوفة إلى الشام وأحضروهن دار الامارة في الكوفة وعرضوهن في محل عرض الاسارى في الشام وأحضروهن مجلس الخلافة من اجل ان يبايعن الخليفة؟!
لماذا فعلوا ذلك وغير ذلك؟
لماذا أحرق جيش الخلافة خيام آل الرسول (ص)؟!
ولماذا داس جيش الخلافة بحوافر خيولهم صدر ابن بنت رسول اللّه وظهره؟!
ولماذا ترك جسده وأجساد آل بيته وأنصاره في العراء ولم يدفنوهم؟
ولماذا قطعوا رؤوسهم واقتسموها في ما بينهم وحملوها على أطراف الرماح؟
انهم فعلوا ذلك من أجل أن يبلغ ابن زياد أنهم سامعون مطيعون. فقد قال راجزهم:
فأبلغ عبيداللّه إمّا لقيته
بأني مطيع للخليفة سامع
إذن فقد استهدفوا من كل ذلك رضا ابن زياد وطاعة الخليفة. كما ذكره الاخر حين قال:
إملا ركابي فضة وذهبا
إني قتلت الملك المحجبا
قتلتُ خير الناس أُما وأبا(42)
من أجل كسب رضا الخليفة وواليه فعلوا كل ذلك، ومن أجل كسب الذهب والفضة منهما. من أجل هذا ينشدون أمام قصر ابن زياد:
نحن رضضنا الصدر بعد الظهر
بكل يعبوب شديد الاسر
وقال خوليّ لزوجته: جئتك بغنى الدهر، هذا رأس الحسين معك في البيت.
إذن فان جيش الامام (ع) عندما يقاتلون كانوا يطلبون بذلك رضا اللّه ورسوله والدار الاخرة.
وجيش الخليفة يفعلون ذلك في سبيل رضا يزيد وابن زياد وكسب الذهب والفضة.
وقد أقرّ الخليفة عيونهم فأمر لعبيد اللّه بن زياد بن أبيه بألف ألف، وأمر لاهل الكوفة جزاء السامع المطيع، وزاد في أعطياتهم مائة مائة.
أما لماذا فعل خليفة المسلمين ما فعل؟! ولماذا نكت ثنايا أبي عبد اللّه بالقضيب؟ ولماذ نصب رأسه ثلاث في دمشق وسار به من بلد إلى بلد؟ فانه بنفسه قد افصح عن سبب أفعاله وأقواله حين أنشد قائلا:
لست من خندف إن لم أنتقم
من بني أحمد ما كان فعل
قد قتلنا القرم من ساداتهم
وعدلنا ميل بدر فاعتدل
إذن فانها أحقاد بدرية! ألم تبقر هند أم أبيه في أُحد بطن حمزة، وتمثل به، وتمضغ كبده، ثم أنشأت تقول:
شفيت من حمزة نفسي بأُحد
حين بقرت بطنه عن الكبد
أو لم يضرب جده ابو سفيان بزج الرمح في شدق حمزة يومذاك ويقول: ذق عقق ! !
فرآه الحليس سيد الاحابيش وقال:
يابني كنانة! هذا سيد قريش يصنع بابن عمه لحما ما ترون؟!
ألم يقل جده ابو سفيان على عهد عثمان وبمحضر منه:
يابني أمية تلقّفوها تلقّف الكرة، فوالذي يحلف به ابوسفيان مازلت أرجوها لكم ولتصيرنّ إلى صبيانكم وراثة؟!
ألم يمر يومئذ بقبر حمزة ويضربه برجله ويقول:
يا أباعمارة! ان الامر الذي اجتلدنا عليه بالسيف أمس؛ صار بيد غلماننا اليوم يتلعبّون به؟!
ألم يقل أبوه معاوية:
إن أخا بني هاشم ـ ويقصد به رسول اللّه ـ ليُصاحُ به يوميا خمس مرات. لا واللّه إلاّ دفنا دفنا!
ألم يقتل جيش أبيه الخليفة معاوية بقيادة ابن ارطاة في وجهه الذي وجّهه ثلاثين ألفا من المسلمين وحرّق بيوتهم وذبح طفلي عبيد اللّه بن العباس بيده بمدية(43)؟!
إذا فان خليفة المسلمين يزيد اقتدى بجديه وأبيه في ما قال وفعل.
وان عصبة الخلافة يزيد ومروان وسعيدا أيضا اشتفوا من رسول اللّه ما كان فعل!