هدف الامام الحسين (ع) وشعاره وسبيله
رفع الامام شعار بطلان حكم الخلافة القائم وان فيه خطرا على الاسلام حيث قال:
((وعلى الاسلام السلام إذ قد بليت الامة براع مثل يزيد)).
قال ذلك في جواب من قال له:
بايع امير المؤمنين يزيد فهو خير لك في الدارين.
قال ذلك في ظرف كان يقال له:
ياحسين ألا تتقي اللّه تخرج من الجماعة وتفرّق بين هذه الامة!
قال ذلك في ظرف قال له ابن عمر:
اتق اللّه ولاتفرّق جماعة المسلمين(37).
في هذا الظرف قال الامام الحسين (ع):
واللّه لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية أبدا.
وكان مؤدّى هذا الشعار صحة امر الامامة وبطلان أمر الخلافة القائمة ويتضح ذلك باجلى من هذا في وصيته لاخيه محمد بن الحنفية حيث كتب فيها:
((انما خرجت لطلب الاصلاح في أُمة جدي (ص) أريد ان آمر بالمعروف وانهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب. فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن ردّ عليّ هذا أصبر حتى يقضي اللّه بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين)).
أسقط الامام الحسين في هذه الوصية ذكر الخلفاء ابي بكر وعمر وعثمان ومعاوية وذكر سيرتهم، وصرح بانه يريد ان يسير بسيرة جده وابيه.
وتتلخص سيرة الخفاء في:
مجيئهم إلى الحكم استنادا إلى بيعة المسلمين اياهم كيف ما كانت البيعة، ثم حكمهم المسلمين وفق اجتهاداتهم الخاصة في الاحكام الاسلامية.
وتتلخص سيرة ابيه وجده في:
حملهما الاسلام إلى الناس، ودعوتهما الناس إلى العمل به، ووقوفهما عند احكام الاسلام، كانت هذه سيرتهما في جميع الاحوال، سواء أكانا حاكمين مثل عهد الرسول في المدينة والامام علي بعد مقتل عثمان، أو غير حاكمين مثل حالهما قبل ذلك، فقد كان للرسول سيرة في مكة وللامام علي سيرة قبل ان يلي الحكم، وسيرتهما في كلتا الحالين حمل الاسلام إلى الامة، أحدهما بلّغه عن اللّه والاخر عن رسوله.
في كلتا الحالين دعوا إلى الاسلام وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر.
والامام الحسين (ع) يريد ان يسير بسيرتهما كذلك، ولايريد ان يسير بسيرة الخلفاء، فمن قبله بقبول الحق فالله اولى بالحق، ومن ردّ عليه ذلك صبر حتى يقضي اللّه بينه وبين عصبة الخلافة بالحق.
* * *
يعرف مما اوردنا ومن سائر اعمال الامام واقواله في ايام قيامه، انه كان قد حمل إلى الناس شعار بطلان امر الخلافة القائمة، وصحة امر الامامة. وهدفه من كل ما قال وفعل، ان يؤمن الاخرون بهذا الشعار. فمن آمن به اهتدى ومن لم يؤمن بعد ان بلغه نداء الامام تمت الحجة عليه، ومن ثم كان يعمل جاهدا في سبيل نشر قضيته.
كان هذا شعار الامام وهدفه واتخذ الشهادة سبيلا للوصول إلى هدفه، ولنعم ما قال الشاعر على لسانه:
ان كان دين محمد لم يستقم
إلاّ بقتلي ياسيوف خذيني
ومما يدل على ذلك ما جاء في كتابه إلى بني هاشم:
أما بعد، فان من لحق بي استشهد، ومن تخلف لم يدرك الفتح.
صرح الامام في هذا الكتاب بأن سبيله الشهادة ومآلها الفتح، وكذلك كان شأن سائر أقواله وأفعاله في هذا القيام فانها كلها توضح ما حمل من شعار، وما اتخذ من سبيل وهدف، وكان حين يدعو ويستنصر يدعو ويستنصر من يشاركه في كل ذلك على بصيرة من امره، مثل قصته مع زهير بن القين فان الامام حين دعاه ذهب إلى الامام متكارها، ثم مالبث ـكما قال الراوي ـ أن جاء مستبشرا قد اسفر وجهه، فأمر بفسطاطه فحمل إلى الحسين (ع)، ثم قال لامراته: انت طالق!
الحقي بأهلك، فاني لا احب ان يصيبك من سببي إلاّ خير، ثم قال لاصحابه: من احب منكم الشهادة فليقم وإلاّ فانه آخر العهد.
اخبر زهير بمصيره قبل ان يصل إلى ركب الامام خبر استشهاد مسلم وهانئ وانقلاب اهل الكوفة على اعقابهم، واخبرهم انه سمع في غزوة بلنجر من الصحابي سلمان الباهلي ان يستبشروا بادراك هذا اليوم.
كان الامام يدعو انصارا من هذا القبيل، ويبعد عن نفسه من اتبعه أملا بوصول الامام إلى الحكم(38).
اعلن الامام عن سبيله هذا، ورفع شعاره ذلك، مرة بعد اخرى، وفي منزل بعد منزل. فقد قال في جواب ابن عمر:
ياعبد اللّه! أما علمت ان من هوان الدنيا على اللّه ان رأس يحيى بن زكريا أهدي إلى بغيّ من بغايا بني اسرائيل ... فلم يعجل اللّه عليهم بل اخذهم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر! ثم يقول له: اتّق اللّه، ياأبا عبد الرحمن ولاتدعنَّ نصرتي.
كأن الامام يشير في حديثه إلى ان شأنه شأن يحيى ويدعو ابن عمر إلى نصره في ما اختار لنفسه من سبيل.
وقال الامام في خطبته عند توجهه إلى العراق:
خطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى اسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وقد خير لي مصرع أنا لاقيه، كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلا، فيملان مني أكراشا جوفا، واحوية سغبا، لا محيص عن يوم خطّ بالقلم. رضا اللّه رضانا أهل البيت نصبر على بلائه ويوفينا اُجور الصابرين، لن تشذّ عن رسول اللّه لحمته، وهي مجموعة له في حضيرة القدس، تقرّ بهم عينه وينجز بهم وعده.
من كان باذلا فينا مهجته، وموطنا على لقاء اللّه نفسه فليرحل معنا....
وما نزل الامام منزلا ولا ارتحل منه إلاّ ذكر يحيى بن زكريا ومقتله(39).