قيّض اللّه الامام الحسين(ع) لكسر قدسية مقام الخلافة في نفوس المسلمين بعد أن أعدّ له الاجواء النفسيّة في المجتمع الاسلامي بما أنزل في حقّه ضمن ما أنزل في حقّ أهل البيت عامة بقرآنه الكريم، وفي ما بلّغ المسلمين على لسان رسوله في أهل البيت عامّة وفي الامام الحسين(ع) خاصّة:
فانّه لما أنزل اللّه سبحانه: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلاّ المودّة في القربى).
فسّر رسوله(القربى) بعلي وفاطمة والحسن والحسين
(15).
ولّما أراد اللّه سبحانه أن ينزل آية التطهير، ورأى رسول اللّه أنّ الرحمة هابطة، دعا عليّا وفاطمة والحسن والحسين وضمّهم إلى نفسه تحت الكساء، فانزل اللّه تعالى:
(إنما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا)، فقال رسول اللّه: أللهم إنّ هؤلاء أهل بيتي، وبقي طول حياته بعد ذلك يقف على باب دارهم يوميّا خمس مرّات أوقات الصلاة اليومية ويقول: السلام عليكم يا أهل البيت إنّما يريد اللّه ليذهب...(16).
ولّما نزلت الاية الكريمة:(فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبنائنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثّم نبتهل فنجعل لعنة اللّه على الكاذبين) (61/آل عمران) وأراد أن يباهل نصارى نجران؛ دعا رسول اللّه عليّا وفاطمة والحسن والحسين(17).
وفي رواية: وقد احتضن الحسين وأخذ بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي يمشي خلفها، وقال لهم النبي: إذا دعوت فأمّنوا، فلّما رآهم أسقف نجران، قال: يا معشر النصارى؛ إنّي لارى وجوها لو سألوا اللّه أن يزيل جبلا من مكانه لازاله، فلا تبتهلوا فتهلكوا، فصالحهم على دفع الجزية(18). هذا بعض ما تلته أبناء الاّمة في قرآنها وسمعته في تفسيره عن رسول اللّه له وشاهدته يفسّرهُ بعمله.
وأيضا سمعت رسول اللّه يقول:
من صلّى صلاة لم يصلّ فيها عليّ ولا على أهل بيتي لم تقبل منه(19).
ولّما سألوه كيف يصلّون عليه قال:
قولوا: اللهّم صلّى على محمد وعلى آل محمّد كما صلّيت على آل إبراهيم إنّك حميد مجيد، اللّهمّ بارك على محمّد وآل محمّد كما باركت على آل إبراهيم إنّك حميد مجيد(20).
وسمعته يقول لعلي وفاطمة والحسن والحسين: أنا حرب لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم(21).
وفي رواية: أنا حرب لمن حاربكم وسلم لم سالمكم.
وأخذ بيد حسن وحسين، فقال: من أحبّني وأحبّ هذين وأباهما وأُمّهما كان معي في درجتي يوم القيامة(22).
ويقول : الحسن والحسين ريحانتاي من الدنيا(23).
ويقول: ألاّ أخبركم بخير الناس جدا وجدّة؟ ألاّ أخبركم بخير الناس عّما وعمّة؟ ألاّ أخبركم بخير الناس خالا وخالة؟
ألاّ أخبركم بخير الناس أبا وأمّا:
الحسن والحسين(24).
ويقول: هذان ابناي وابنا ابنتي، اللهمّ انّي أحبّهما فأحبّهما وأحبّ من يحبّهما(25).
ويقول: من أحبّ الحسن والحسين فقد أحبّني، ومن أبغضهما فقد أبغضني(26).
ويقول: كلّ بني آدم ينتمون إلى عصبتهم إلاّ ولد فاطمة فانّي أنا أبوهم وأنا عصبتهم(27).
وكان يصلّي في مسجده فإذا سجد وثب الحسن والحسين (ع) على ظهره، وإذا رفع رأسه أخذهما فوضعهما وضعا رفيقا فإذا عاد عادا...(28).
وكان يخطب في مسجده إذ جاء الحسن والحسين يمشيان ويعثران، فنزل رسول اللّه(ص) من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه...(29).
أعدّ اللّه ورسوله الاّمة في الايات والاحاديث الانفة لتنظر إلى أهل البيت عامّة بعد رسول اللّه(ص) نظرة إجلال وإكبار وحبّ وولاء، وكذلك في آيات أخرى مثل: آية الخمس وسورة هل أتى وآية وآت ذا القربى حقّه، وفي أحاديث عن النبي في تفسير تلك الايات وغيرها(30).
وخصّ بالذكر من بينهم الامام الحسين في مثل أخبار اللّه نبيّه باستشهاد الامام الحسين في يوم مولده وبعده، واخبار رسوله أمُّته بذلك مرّة بعد أخرى(31).
وكذلك في ما فعل الامام علي (ع) بعد رسول اللّه(ص) مثل روايته عن رسول اللّه(ص) في طريقه إلى صفين وغيره باستشهاد الامام الحسين (ع).
وقوله فيبعض أيّام صفّين:
أنّني أنفس بهذين يعني الحسن والحسين(ع) على الموت لئلا ينقطع بهما نسل رسول اللّه صلّى لله عليه وآله وسلّم(32).
هكذا وُجّهَت الاّمة إلى حبّ الامام الحسين وإجلال مقامه، أضف إلى ذلك ما كان عند بعض أبناء الامّة من نصوص عن الرسول في إمامة الائمة الاثني عشر، وأنّهم حملة الاسلام وحفظته وأن الامام الحسين ثالثهم.
ومهما يكن من أمر فان الامام الحسين كان الرجل الوحيد الذي ورث حب المسلمين لجده الرسول (ص) في عصره.
ولهذا رغب المسلمون يومذاك في أن يبايعوه بالخلافة ليصبح بتلك البيعة الخليفة الشرعي بعد معاوية، يتبوّأ عرش الخلافة بحقوقها، ولو أتيح له ذلك وأصبح خليفة المسلمين ببيعتهم ايّاه لما استطاع أن يعيد إلى المجتمع الاحكام الاسلاميّة التي بدّلها الخلفاء وغيّروها باجتهاداتهم، كما لم يستطع الامام علي(ع) ان يفعل ذلك بالنسبة إلى اجتهادات الخلفاء الثلاثة من قبله(33)، وكان على الامام الحسين لو بُويع أن يقرّ أحداث معاوية ـ اجتهاداته - على حالها بما فيها لعن أبيه الامام علي (ع) على جميع منابر المسلمين بالاضافة إلى اجتهادات الخلفاء السابقين، ولّما لم يقدّر للمسلمين أن يبايعوه بالخلافة أصبحت حاله لدى المسلمين حال الحرمين الشريفين، له الحرمة في نفوسهم ولكنّهم انتهكوها في سبيل طاعة الخليفة وصحّ ماقاله له الفرزدق في هذا الصدد (قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أميّة).
في ضوء الدراسات السابقة نستطيع أن نعرّف مشكلة ذلك العصر كما يلي.
15 بتفسير الاية من تفسير الطبري والزمخشري والسيوطي، ومستدرك الصحيحين 3/172، وذخائر العقبى للطبري ص 138، وأسد الغابة5/367، وحلية الاولياء3/201، ومجمع الزوائد7/103 و 9/146.
16 مضت مصادر الخبر في القسم الاول من هذا الكتاب.
17 صحيح مسلم، باب فضائل علي من كتاب فضائل الصحابة، وسنن الترمذي، ومستدرك الصحيحين 3/150، ومسند أحمد 1/185، وسنن البيهقي 7/63، وتفسير الاية بتفسير الطبري والسيوطي، والواحدي في أسباب النزول ص 74 و 75.
18 بتفسير الاية بتفسير الكشاف للزمخشري، والتفسير الكبير للفخر الرازي، ونور الابصار للشبلنجي ص 100.
19 سنن البيهقي 2/379، وسنن الدارقطني ص 136.
20 صحيح البخاري، كتاب الدعوات في باب الصلاة على النبي، وفي كتاب التفسير، في باب تفسير قوله تعالى:(ان اللّه وملائكته يصلون على النبي)، وصحيح مسلم، في كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي(ص) بعد التشهد، ومسند أحمد 2/47، و5/353، والادب المفرد للبخاري ص93، وسنن النسائي وابن ماجة والترمذي، والبيهقي 2/147 و 279، والدارقطني ص 135، ومسند الشافعي ص23 ، ومستدرك الصحيحين 1/269، وتفسير آية (ان اللّه وملائكته..) من تفسير الطبري.
21 سنن الترمذي كتاب المناقب، وابن ماجة، المقدّمة، ومستدرك الصحيحين 1/149، ومسند أحمد 2/442، وأسد الغابة 3/11 و 5/523، ومجمع الزوائد 9/169، وتاريخ بغداد 8/136، والرياض النضرة 2/199، وذخائر العقبى ص 23.
22 مسند أحمد 1/77، وسنن الترمذي كتاب المناقب، وتاريخ بغداد 3/287، وتهذيب التهذيب 10/430، وكنز العمال.
23 في باب مناقب الحسن والحسين من كتاب بدء الخلق من صحيح البخاري أن رجلاً سأل ابن عمر عن دم البعوض فقال: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق، قال: انظروا إلى هذا! يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن النبي(ص) وسمعت النبي(ص) يقول: هما ريحانتاي من الدنيا.
وباب رحمة الولد وتقبيله، والادب المفرد له ص 14، وسنن الترمذي، ومسند أحمد 2/85 و93 و114 و 153، ومسند الطيالسي 8/160، وخصائص النسائي ص 37، ومستدرك الحاكم 3/165، والرياض النضرة 2/232، وحلية أبي نعيم 3/201 و 5/70، وفتح الباري 8/100، ومجمع الزوائد 9/181.
24 مجمع الزوائد للهيثمي 9/184، وذخائر العقبى ص 130، وكنز العمال 13/103ـ114، ط. الثانية.
25 الترمذي، كتاب المناقب، وخصائص النسائي ص 220، وكنز العمال13/99، ط.الثانية.
26 سنن ابن ماجة، في فضائل الحسن والحسين، ومسند أحمد 2/288 و440 و 531، و 5/369، وتاريخ بغداد 1/141، وكنوز الحقائق.ط. اسلامبول ص 134، ومسند الطيالسي10/327 و 332، ومجمع الزوائد 9/180 و 181 و 185، وسنن البيهقي 2/263، و 4/28، وحلية الاولياء 8/305، ومستدرك الصحيحين 3/166و171.
27 مستدرك الصحيحين 3/164، وتاريخ بغداد 11/285، ومجمع الزوائد 9/172، وذخائر العقبى ص 121، وكنز العمال 6/226 و 220.
28 مستدرك الصحيحين 3/163 و165 و 626، ومسند أحمد 2/513، و 2/493، و 5/51، وسنن البيهقي 2/263، ومجمع الزوائد للهيثمي 9/275 و 181 و182، وذخائر العقبى ص 132، وأسد الغابة 2/389، والرياض النضرة ص 132.
29 مسند أحمد 4/389، و 5/354، ومستدرك الحاكم 1/287، و4/189، وسنن البيهقي 3/218، و 6/165، وسنن ابن ماجة باب لبس الاحمر للرجال من كتاب اللباس، وسنن النسائي، باب صلاة الجمعة والعيدين، وسنن الترمذي، كتاب المناقب.
30 أسباب النزول للواحدي ص 331، وأسد الغابة 5/535، والرياض النضرة 2/227، ونور الابصار، للشبلنجي، وتفسير الاية بتفسير السيوطي.
31 راجع قبله فصل (أنباء باستشهاد الحسين).
32 نهج البلاغة، العدد 205 من خطبه.
33 راجع قبله، شكوى الامام علي من تغيير الولاة قبله أحكام الاسلام بباب: (شكوى الامام علي(ع) من تغيير السنّة النبوية) في الجزء الثاني من هذا الكتاب.