قول مجهول قائله

أما ما قيل من أنّ المهدي (ع) قال: أنّ الكافي كافٍ لشيعتنا، فانّه قول مجهول راويه ولم يسمّ أحد اسمه، ويدلّ على بطلانه تأليف مئات كتب الحديث بمدرسة أهل البيت بعد الكافي مثل: من لا يحضره الفقيه، ومدينة العلم، والتهذيب، والاستبصار، والبحار، ووسائل الشيعة، وجامع أحاديث الشيعة، إلى غيرها.

الاحاديث الصحيحة لدى فقهاء مدرسة أهل البيت

بما انّ أتباع مدرسة أهل البيت لم يسدّوا باب الاجتهاد ـ أي استنباط الاحكام من الكتاب والسنّة ـ، كما فعل ذلك أتباع مدرسة الخلفاء، فانهم بحاجة مستمرة إلى دراسة آيات الاحكام من كلام اللّه، ودراسة أحاديث الاحكام المنتهية إلى رسول اللّه (ص).

وفي صدد ذلك جمعوا آيات الاحكام في رسائل خاصة مثل: كنز العرفان في فقه القرآن للسيوري (ت: 826 هـ)، ومسالك الافهام إلى آيات الاحكام لجواد الكاظمي (توفي أواسط القرن الحادي عشر الهجري)، ثم عنوا بدراستها لدراية منطوقها ومفهومها، خاصها وعامها، محكمها ومتشابهها، إلى غير ذلك من الدراسات، واستنبطوا منها الاحكام الشرعية التي دوّنوها في كتبهم الفقهية.

وكذلك جمعوا الاحاديث المروية بواسطة الصحابة المؤمنين وأئمة أهل البيت الاطهار في موسوعات كبيرة مثل الفقيه والاستبصار والتهذيب والوسائل وجامع أحاديث الشيعة، ثم عنوا بدراسة أسانيد أحاديثها لمعرفة قويها من ضعيفها وصحيحها من سقيمها، ودراسة متونها لمعرفة عامها وخاصها، مجملها ومبينّها ورجحان ما تعارض منها، ثم اثبتوا الاحكام التي استخرجوها مما صحّ عندهم من تلك الاحاديث في كتب فقهيّة، مثل النهاية للشيخ الطوسي، والمختصر النافع وشرايع الاسلام للمحقق الحلي (ت: 676 هـ)، واللمعة للشهيد الاول (ت: 786 هـ)، وشرحها للشهيد الثاني (ت: 965 هـ) وجواهر الكلام في شرح شرايع الاسلام للشيخ محمد حسن (ت: 1266 هـ) إلى نظائرها.

ويتّضح ممّا ذكرنا انّ علماء مدرسة أهل البيت لم يُجروا في دراستهم الرسميّة الحوزوية على غير أحاديث الاحكام دراسات لتمحيص الاحاديث، وأنّ الاحاديث التي جمعوها (في مثل الوسائل وجامع أحاديث الشيعة) انّما جمعوها ليجري الفقيه عليها دراساته لمعرفة الاحاديث الصحيحة منها، ثم استنباط الاحكام ممّا ثبت عندهم صحّتها منها.

اذا فالاحايث الصحيحة عند فقهاء الشيعة هي التي استخرجوا منها المسائل الفقهية المدوّنة في الكتب الفقهية المذكورة آنفا، ومن ثمّ ثبت انّ العلماء لم يجروا أي دراسة حوزوية على أحاديث السيرة، سواء سيرة الانبياء السابقين، أو خاتم الانبياء وصحابته، أو الائمة وأصحابهم، وروايات التاريخ الاسلامي العام، ولا على أحاديث تفسير القرآن الكريم والادعية والاخلاق، وكذلك أغلب أحاديث الاعمال المستحبّة، وتجدهم يعوّلون في هذه المباحث على روايات ورواة لا يعوّلون عليها ولا عليهم في المباحث الفقهية، بل يطرحونها ويسقطونها من الاعتبار. ولو سألت أحدهم: هل صحّ عندك جميع ما ذكرت في هذا البحث غير الفقهي من حديث؟ لاجابك بالنفي وقال: انه ليس من مباحث الاحكام الشرعيّة وانّما هو من أبواب المعارف الاسلاميّة، والامر فيه هيّن.

ومن ثمّ يخرجون في مباحث التفسير والسيرة والادعية والاخلاق والاعمال المستحبة روايات عن رواة لا يروون عنهم في أبواب الفقه، وقد أكثروا في هذه المباحث من ذكر روايات مدرسة الخلفاء ممّا تخالف الواقع وانتقدوا عليها، دون ان يعلم الناقد ان النقد انما يتّجه إلى روايات مدرسة الخلفاء فيها وليس إلى روايات مدرسة أهل البيت، وإليك ثبتا بذلك فيما يأتي.