مقاييس العلماء لمعرفة الحديث
هكذا وضع أئمّة أهل البيت قواعد لمعرفة صحيح الحديث من سقيمه، واتخذها فقهاء مدرستهم ميزانا في فقه الحديث جيلا بعد جيل، وقد جمعها بعض العلماء ونسّقها مثل الشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي في الفائدتين التاسعة والعاشرة من خاتمة وسائل الشيعة، والشيخ حسين النوري في الفائدة الرابعة من مستدركه(83).
وفي أخريات القرن السابع الهجري راجت قاعدة جديدة لمعرفة الحديث، نسب كشفها(84) لابن طاووس أحمد بن موسى الحلي (ت: 673 هـ)(85)
والعلاّمة الحلّي الحسن بن يوسف بن عليّ بن المطهَّر (ت: 726 هـ)(86) حيث صُنّف الحديث بالنظر إلى روايه منذ عصرهما إلى أربعة أصناف:
أ ـ الصحيح: وهو ما اتّصل سنده إلى المعصوم بنقل الامامي العدل، عن مثله في جميع الطبقات.
ب ـ الحسن، وهو ما اتّصل سنده إلى المعصوم بامامي ممدوح من غير نصّ على عدالته، مع تحقق ذلك في جميع الطبقات.
ج ـ الموثّق ويقال له: القوي أيضا وهو ما دخل في طريقه من نصّ الاصحاب على توثيقه مع فساد عقيدته بان كان من احدى الفرق الاسلامية المخالفة للامامية وان كان من الشيعة.
د ـ الضعيف: وهو ما لا تجتمع فيه شروط أحد الثلاثة المتقدمة؛ بان يشتمل طريقه على مجروح بالفسق ونحوه، أو مجهول الحال أو ما دون ذلك، كالوضاع(87).
* * *
اشتهرت القاعدة الانفة منذ عصر العلاّمة فما بعد، وغالى بعض العلماء في اعتمادهم على هذه القاعدة، وعرض جميع الاخبار والاحاديث عليها.
فعدّوا مثلا أحاديث من السيرة لا يصدَّق محتواها ولا يمكن أن يقع في الخارج ـ بموجب هذا الميزان ـ صحيحة(88).
كما ضعف هذا البعض عن قبول أحاديث صحيحة لا يصحّحها هذا الميزان.
وقابل أولئك جماعة من الاخباريين، فشذّوا في تصحيحهم جميع ما جاء في الموسوعات الحديثية الاربع وما شاكلها(89)
ووقع هؤلاء في تهافت عجيب، وكلا الجانبين ابتعدا عن الصواب في معرفة الحديث، وليس ثمّة مجال للخوض في هذا البحث.
ومن نتائج التصنيف الاخير للحديث واعتمادهم المطلق عليه؛ انّهم وزنوا أحاديث الكافي بالجملة عليه وقالوا: ان الكافي يشتمل على تسعة وتسعين ومائة حديث وستة عشر ألف حديث، منها: 5072 حديثا صحيح. 144 حديثا حسن. 1118 حديثا موثق. 312 حديثا قويّ. 9485 حديثا ضعيف(90). 16121 المجموع.
يعتمد هذا التقسيم على تصنيف الروايات بالنظر إلى درجة رواتها بحسب الميزان المشهور منذ عهد العلاّمة الحلّي، ثمّ اعتمادا على معرفة علماء تلكم العصور بحال الرواة، ومع غضّ النظر عن الموازين الّتي نقلناها عن الائمة قبل هذا.
ومع كلّ ذلك فانّ الحوزات العلمية بمدرسة أهل البيت لم توصد باب البحث العلمي في يوم من الايّام، بل استمر جهدها المثمر مدى العصور في جهتين من الحديث:
أ ـ في المحافظة على نصوص الروايات المبينة للاحكام.
ب ـ في طرح البحوث العلمية حول أسانيد الاحاديث ومتونها ومنطوقها ومدلولها و...
وأخيرا فانّها خضعت لنتيجة ما وعته من نصوص الكتاب والسنّة ولم تجتهد في مقابلهما بتاتا.
وبذلك حافظت على الاحكام الاسلامية من الضياع، وتسلسلت أسانيدها إلى أئمّة أهل البيت (ع)، ومنهم إلى جدهم الرسول (ص)، ومنه إلى جبرئيل إلى الباري، ولنعم ما قال الشاعر:
ووال أناسا قولهم وحديثهم
روى جدنا عن جبرئيل عن الباري
83 ـ وسائل الشيعة 10 / 96 الفائدة التاسعة من الخاتمة، ومستدركه 3 / 535 الفائدة الرابعة.
84 ـ وسائل الشيعة 10 / 96 ـ 112، وخاصة ص 102 منه.
85 ـ ترجمته بمصفى المقال ص 71.
86 ـ ترجمته بالكنى والالقاب للقمّي 2 / 436.
87 ـ دراية الشهيد الثاني ص 19 ـ 24، الباب الاول في أقسام الحديث.
88 ـ راجع فصل ((عبد اللّه بن سبأ في كتب الحديث)) من عبد اللّه بن سبأ ـ ج 2.
89 راجع الفائدتين التاسعة والعاشرة من خاتمة وسائل الشيعة.
90 ـ قال الشيخ يوسف البحراني في لؤلؤة البحرين ص 394 قال بعض مشايخنا المتأخرين: أما الكافي فجميع ((أحاديثه...)) وهكذا نقله النوري عن لؤلؤة البحرين في شرح حال الكليني من خاتمة المستدرك 3 / 541. وقال النوري: والظاهر أن المراد من القوي ما كان بعض رجال سنده، أو كله الممدوح من غير الامامي، ولم يكن فيه من يضعف به الحديث، وله اطلاق آخر...
ويختلف الجمع الذي ذكره البرحاني والنوري مع حاصل جمع هذه الارقام كما ذكرناه في المتن، وينقص (تسعة) عن المجموع الذي ذكره صاحب الروضات بترجمة الكليني 6 / 116، ويختلف عما في الذريعة 17 / 245 فقد ذكر المجموع ستة عشر ألف حديث، والموثق 178، وأراه من الخطأ في النسخ.
وقد يكون هذا الاختلاف، والاختلاف في المجموع الوارد في المتن نتيجة لحذف المكررات عند البعض.