أئمة أهل البيت يعيّنون مقاييس لمعرفة الحديث
هكذا يقع الخطأ في رواية الحديث وغيره، ولم يعصم اللّه أي كتاب من الباطل عدا كتابه العزيز الذي (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه)(68).
أضف إليه انّه قد كُذِبَ على رسول اللّه وكذلك كُذِبَ على الائمة من أهل بيته، وانتشر الحديث المكذوب على رسول اللّه والائمة من أهل بيته في كتب الحديث واختلط الحقّ بالباطل والصحيح بالزائف، فعالج أئمة أهل البيت هذا وذاك بأمرين:
أولا ـ التشهير بالكذابين ممّن يروون الحديث وطردهم ولعنهم أمثال أبي الخطّاب محمّد بن أبي زينب الكوفي(69)، والمغيرة بن سعيد(70)، وبنان بن بيان(71)، وغيرهم.
ثانياـ وضع قواعد وموازين خاصّة لمعرفة سليم الحديث من سقيمه، مثل:
أ ـ ما رواه الامام أبو عبد اللّه الصادق (ع) عن جدّه الرسول (ص)، قال: خطب النبيّ بمنى فقال ((أيّها الناس! ما جاءكم عنّي يوافق كتاب اللّه فانا قُلْتُه، وما جاءكم يخالف كتاب اللّه فلم اقله))(72).
ب ـ ما جاء في كتاب الامام علي لمالك الاشتر:... (فان تنازعتم في شيء فردّوه إلى اللّه والرسول) فالرّاد إلى اللّه الاخذ بمحكم كتابه والرّاد إلى الرسول الاخذ بسنّته الجامعة غير المفرّقة(73).
ج ـ ما قاله الامام الباقر (ع): إذا جاءكم عنّا حديث فوجدتم عليه شاهدا، أو شاهدين من كتاب اللّه فخذوا به، وإلاّ فقفوا عنده، ثمّ ردّوه إلينا حتّى يستبين لكم(74).
د ـ ما جاء عن الامام الصادق (ع):
1 ـ إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب اللّه، فما وافق كتاب اللّه فخذوه، وما خالف كتاب اللّه فردّوه...(75)
2 ـ كلّ شيء مردود إلى الكتاب والسنّة، وكلّ حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف(76).
3 ـ أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا، انّ الكلمة لتنصرف على وجوه(77).
جاء أمثال هذا أحاديث كثيرة عن أئمة أهل البيت، وجاءت عنهم أيضا أحاديث يشيرون فيها إلى: الاخذ بما يخالف رأي مدرسة الخلفاء.
جاء عن الامام الصادق (ع) في تعليل ذلك أنّه قال: أتدري لم أمرتم بالاخذ بخلاف ما تقول العامّة؟ فقلت: لا أدري فقال:
إنّ عليّا (ع) لم يكن يدين اللّه بدين إلاّ خالف عليه الامّة إلى غيره إرادة لابطال أمره وكانوا يسألون أمير المؤمنين (ع) عن الشيء الّذي لا يعلمونه فإذا أفتاهم جعلوا له ضدّا من عندهم ليلبسوا على النّاس(78).
ومن بحث سيرة معاوية وجد فيها الادلة الكافية على ما قاله الامام وبالاضافة إلى ذلك، فانّ في ما مضى من بحوث موارد الاجتهاد بمدرسة الخلفاء من هذا الكتاب أدلّة وافرة على اعتماد مدرسة الخلفاء في بيان أحكام الاسلام على الرأي والاجتهاد في مقابل سنّة الرسول.
ومر علينا ـ أيضا ـ في أول الجزء الثاني تحت عنوان ((كيف وجد الحديثان المتناقضان)) وفي آخر باب ((المجتهدون فيالقرن الاوّل وموارد اجتهادهم)) كيف كانوا يضعون الاحاديث تأييدا لمواقف الخلفاء، وكذلك نجد مزيد ايضاح لذلك في ما جاء بآخر الجزء الاول، في بحث اتجاه السلطة زهاء ثلاثة عشر قرنا.
وعلى ما ذكرنا في هذه البحوث من الصحيح أن نترك من الحديثين المتعارضين ما وافق اتجاه مدرسة الخلفاء(79).
ولمّا كان أتباع مدرسة الخلفاء كثيرا ما يسألون أئمة أهل البيت عن تلك المسائل في مجالس عامّة حيث لم يكن بمقدور الائمة حينذاك ان يبيّنوا حكم اللّه وسنّة الرسول في مورد السؤال والّذي كان مخالفا لاجتهاد مدرسة الخلفاء، صونا لدمائهم ودماء شيعتهم، وكانوا مكرهين أحيانا على الاجابة بما يوافق رأي مدرسة الخلفاء، حتّى إذا أُتيحت لهم فرصة الاجابة دونما تقيّة، بيّنوا حكم اللّه وسنّة الرسول في المسألة، فمن ثمّ جاء بعض الاحاديث عنهم في مسألة واحدة مختلفة في بيان الحكم كما صرّح به الامام الصادق (ع) وقال: ما سمعته منّي يشبه قول الناس فيه التقية، وما سمعت مني لا يشبه قول الناس فلا تقيّة فيه(80).
وقال: إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب اللّه، فما وافق كتاب اللّه فخذوه، وما خالف كتاب اللّه فردّوه، فان لم تجدوهما في كتاب اللّه فاعرضوهما على أخبار العامّة، فما وافق أخبارهم فذروه، وما خالف أخبارهم فخذوه(81).
هكذا ذكر الائمة هذه القاعدة مع بيان علتها وأحيانا غير معلّلة، وجاء عنهم أيضا قواعد أخرى لمعرفة الحديث، مثل حديث الامام الرضا (ع).
وقد سئل يوما وقد اجتمع عنده قوم من أصحابه وقد كانوا يتنازعون في الحديثين المختلفين عن رسول اللّه (ص) في الشيء الواحد فقال (ع): إنّ اللّه حرّم حراما وأحلّ حلالا وفرض فرائض، فما جاء في تحليل ما حرّم اللّه أو في تحريم ما أحلّ اللّه أو دفع فريضة في كتاب اللّه رسمها بينِّ قائم بلا ناسخ نسخ ذلك فذلك ما لا يسع الاخذ به، لانَّ رسول اللّه (ص) لم يكن ليحرّم ما أحلّ اللّه ولا ليحلّل ما حرّم اللّه ولا ليغيّر فرائض اللّه وأحكامه، كان في ذلك كلّه متّبعا مسلّما مؤدِّيا عن اللّه، وذلك قول اللّه (ان أتبع إلاّ ما يوحى إليَّ) فكان (ع) متّبعا للّه مؤدِّيا عن اللّه ما أمره به من تبليغ الرسالة، قلت: فانه يرد عنكم الحديث في الشيء عن رسول اللّه (ص) مّما ليس في الكتاب وهو في السنّة ثمَّ يرد خلافه فقال: كذلك قد نهى رسول اللّه (ص) عن أشياء نهي حرام فوافق في ذلك نهيه نهي اللّه، وأمر بأشياء فصار ذلك الامر واجبا لازما كعدل فرائض اللّه فوافق في ذلك أمره أمر اللّه، فما جاء في النهي عن رسول اللّه (ص) نهي حرام ثمَّ جاء خلافه لم يسع استعمال ذلك، وكذلك فيما أمر به، لانّا لا نرخّص فيما لم يرخّص فيه رسول اللّه (ص)، ولا نأمر بخلاف ما أمر به رسول اللّه (ص) إلاّ لعلّة خوف ضرورة، فأمّا أن نستحلَّ ما حرَّم رسول اللّه (ص) أو نحرِّم ما استحلّ رسول اللّه (ص) فلا يكون ذلك أبدا، لانّا تابعون لرسول اللّه (ص) مسلّمون له كما كان رسول اللّه (ص) تابعا لامر ربّه مسلّما له، وقال اللّه عزّ وجلّ: (ما آتاكم الرّسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) وإنّ اللّه نهى عن أشياء ليس نهي حرام بل إعافة وكراهة، وأمر بأشياء ليس بأمر فرض ولا واجب بل أمر فضل ورجحان في
الدِّين، ثمّ رخّص في ذلك للمعلول وغير المعلول، فما كان عن رسول اللّه (ص) نهي إعافة أو أمر فضل فذلك الّذي يسع استعمال
الرّخصة فيه، اذا ورد عليكم عنّا الخبر فيه باتّفاق يرويه من يرويه في النّهي ولا ينكره وكان الخبران صحيحين معروفين بأتّفاق النّاقلة فيهما يجب الاخذ بأحدهما أو بهما جميعا أو بأيّهما شئت وأحببت، موسّع ذلك لك من باب التّسليم لرسول اللّه (ص) والردّ إليه وإلينا، وكان تارك ذلك من باب العناد والانكار وترك التّسليم لرسول اللّه (ص) مشركا باللّه العظيم، فما ورد عليكم من خبرين مختلفين فاعرضوهما على كتاب اللّه، فما كان في كتاب اللّه موجودا حلالا أو حراما فاتّبعوا ما وافق الكتاب، وما لم يكن في الكتاب فاعرضوه على سنن رسول اللّه (ص) فما كان في السنّة موجودا منهيّا عنه نهي حرام ومأمورا به عن رسول اللّه (ص) أمر إلزام فاتّبعوا ما وافق نهي رسول اللّه (ص) وأمره، وما كان في السنّة نهي إعافة أو كراهة ثمّ كان الخبر الاخير خلافه فذلك رخصة فيما عافه رسول اللّه (ص) وكرهه ولم يحرّمه، فذلك الّذي يسع الاخذ بهما جميعا وبأيّهما شئت وسعك الاختيار من باب التّسليم والاتّباع والردّ إلى رسول اللّه (ص)، وما لم تجدوه في شيء من هذه الوجوه فرّدوا الينا علمه فنحن أولى بذلك، ولا تقولوا فيه بآرائكم، وعليكم بالكفّ والتثّبت والوقوف، وأنتم طالبون باحثون حتّى يأتيكم البيان من عندنا(82).
68 ـ سورة فصلت / 42.
69 ـ مجمع الرجال 5 / 106 ـ 115.
70 ـ مجمع الرجال 6 / 117 ـ 121.
71 ـ مجمع الرجال 6 / 117.
72 ـ وسائل الشيعة 18 / 79، ح 15 من الباب 9 من أبواب صفات القاضي، عن المحاسن.
73 ـ نهج البلاغة في كتاب الامام لمالك الاشتر، والوسائل 18 / 86، ح 38، غير المفرقة: أي السنَّة التي اجتمعت عليها الامة.
74 ـ الكافي 2 / 222، ج 4، ووسائل الشيعة 18 / 80، ح 18.
75 ـ وسائل الشيعة 18 / 84، ح 29.
76 ـ وسائل الشيعة 18 / 79، ح 14، والزخرف: الباطل الممؤّه.
77 ـ معاني الاخبار ص 1، ح 1 ، ووسائل الشيعة 18 / 84.
78 ـ علل الشرايع 2 / 218، ح 1، ووسائل الشيعة 18 / 83، 84.
79 ـ لا يفهم هذا البحث حق الفهم ما لم تراجع البحوث الثلاثة المذكورة في المتن.
80 ـ وسائل الشيعة 18 / 88.
81 ـ وسائل الشيعة 18 / 84، ح 29.
82 ـ عيون الاخبار، ط. قم ج 2 ص 20، ح 45، والوسائل 18 / 81 ـ 86، ح 21.