أسّس الشيخ الطوسي الحوزة العلمية في النجف بعد انتقاله إليها وبقي زعيمها حتّى توفي سنة (460 هـ).
في هذه الحوزة ـ منذ عصر الشيخ الطوسي ـ وفي الحوزات المماثلة والمؤسسة بعدها كانت الموسوعات الحديثية الاربع:
الكافي والفقيه والاستبصار والتهذيب؛ محورا للدراسات الفقهية إلى العصور الاخيرة يدرسونها على من تتصل قراءتهم لها بمؤلفيها.
وهكذا بقيت الكتب الحديثية متداولة بين أيدي الطلبة حتى اليوم شأنها في ذلك شأن الفية ابن مالك التي قرأها الطلاب على شيوخهم في الحوزات العلمية منذ تأليفها حتّى اليوم.
وشأنها شأن كتب ابن سينا في الطبّ والفلسفة وشأن غيرها من الكتب الدراسية الّتي بقيت تتداولها أيدي الطلبة الدارسين لها جيلا بعد جيل منذ تأليفها حتّى اليوم، غير أنّ العناية بكتب الحديث كانت أكثر من أيّ كتاب بعد كتاب اللّه، وبقي اسلوب روايتها سماعا وقراءة واجازة معمولا به في دراستها إلى القرون الاخيرة كما يشهد به ما تبقى لدينا من اجازات الرواية الّتي جمع بعضها المجلسي في المجلد السابع والعشرين من موسوعته البحار، واستدرك عليه جدّنا شيخ المحدّثين الشيخ مرزا محمّد الشريف العسكري في خمسة مجلدات من مستدركه على بحار الانوار، ومن أمثلة تلك الاجازات المصرّحة باتصال قراءة الموسوعات الحديثية بمؤلفيها ما جاء في الاجازات التالية:
اجازة الشيخ فخر الدين محمّد (ت: 771 هـ) ابن العلاّمة الحلي الحسن بن يوسف بن علي بن مطهر، للشيخ محسن بن مظاهر، جاء فيها: وأجزت له أيضا أن يروي عنّي مصنّفات الشيخ الاعظم والامام الاقدم، مقرّر قواعد الشريعة، شيخ الشيعة عماد الدين أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي قدّس اللّه روحه، فمن ذلك كتاب تهذيب الاحكام فانّي قرأته على والدي درسا بعد درس، وتمّت قراءته في جرجان سنة اثني عشر وسبعمائة عنّي عن والدي، ثمّ والدي قرأه على والده أبي المظفر يوسف بن عليّ بن المطهّر وأجاز له روايته، ثمَّ يوسف المذكور قرأه على الشيخ معمر بن هبة اللّه بن نافع الورّاق وأجاز له روايته، ثمَّ الفقيه معمر المذكور قرأه على الفقيه أبي جعفر محمّد بن شهر آشوب وأجاز له روايته، ثمّ ابن شهر آشوب قرأه على مصنّفه أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي قدّس اللّه سره وقرأه جدّي مرّة ثانية على الشيخ يحيى بن محمّد بن يحيى ابن الفرج السوراوي وأجاز له روايته، والشيخ يحيى المذكور قرأه على الفقيه الحسين بن هبة اللّه بن رطبة وأجاز له روايته، والشيخ يحيى المذكور قرأه على المفيد أبي عبد اللّه محمّد بن الحسن الطوسيّ وأجاز له روايته، والمفيد قرأه على والده وأجاز له روايته وعندي مجلّد واحد من الكتاب الّذي قرأه المفيد على والده وهو بخطّ المصنّف والده وقرأت أنا هذا المجلّد على والدي وباقي المجلّدات في نسخة أُخرى.
وأمّا كتاب النهاية والجمل فانّي قرأتهما على والدي درسا بعد درس وأجاز لي روايتهما بالطريق الثاني عن والده قرأه عليه عن باقي أهل السند المذكور قراءة(45). انتهى موضع الحاجة من الاجازة.
هذا القسم من اجازة ابن العلاّمة للشيخ محسن بن مظاهر، يقول المجيز وهو في النصف الثاني من القرن الثامن الهجري، انّه قرأ
تهذيب الشيخ الطوسي على والده العلاّمة درسا بعد درس، وانّ والده العلاّمة كان قد قرأه على شيخه، وشيخه على شيخه، وهكذا
يذكر سلسلة القراءات حتى ينهي تسلسل القراءات إلى قراءة على مؤلّف التهذيب الشيخ الطوسي، ويقول: انّ جزءا من كتاب التهذيب الّذي قرأه على والده كان بخطّ مؤلّفه الّذي توفي في النصف الاوّل من القرن الخامس الهجري.
ويقول في اجازته رواية كتاب النهاية: انّه قرأه أيضا على والده العلاّمة درسا بعد درس، ويجيز، الشيخ محسن روايته بطريق آخر أيضا تسلسلت فيه قراءة شيخ على شيخ إلى أن ينهي القراءة إلى مؤلف الكتاب.
في هذا النوع من أنواع الاجازة التي يصدرها الشيخ في رسالة خاصة يمنح فيها تلميذه اجازة رواية مؤلّف واحد أو عدّة مؤلّفات ومرويّات، تارة يذكر شيوخه، واخرى لا يذكرهم، وعندما يذكر شيوخه نادرا ما يصرّح بتسلسل سند قراءته الكتاب على شيوخه إلى مؤلّفه، مثل ما مرّ في الاجازة الانفة، وغالبا ما يذكر ذلك بلفظ ((رويتُ عن فلان، عن فلان)) أو بلفظ ((حدّثني فلان، عن فلان)) أو بلفظ ((أخبرني)) كلّ ذلك اختصارا للسند. وكان هذا دأبهم على الاكثر في سلاسل الاجازات، مثاله: ما جاء في اجازة العلاّمة الحلي حسن بن يوسف (ت: 726 هـ) للسيد مهنّا بن سنان المدني (ت: 754 هـ)(46) حيث قال فيه: وما رويته من كتاب أصحابنا السالفين رضوان اللّه عليهم أجمعين باسنادي المتصل إليهم رحمة اللّه عليهم.
إلى قوله: وأجزت له رواية كتب شيخنا أبي جعفر محمّد بن الحسن بن علي الطوسي ـ قدس اللّه روحه ـ بهذه الطرق وبغيرها عنّي، عن والدي.
لم يذكر العلاّمة ـ في هذا القسم من الاجازة ـ ما ذكره ابنه فخر الدين في اجازته الانفة: انّ اباه العلاّمة قرأ تلك الكتب على أبيه ((يوسف)) وانّما أشار إلى سنده إلى الشيخ الطوسي حسب. ولكن في اجازته رواية الكافي بعد هذا أورد سنده نوعا ما أكثر تفصيلا،
حيث قال: وأمّا الكافي للشيخ محمّد بن يعقوب الكليني فرويت أحاديثه المذكورة المتّصلة بالائمة (ع) عنّي عن والدي والشيخ أبي القاسم جعفر بن سعيد وجمال الدين أحمد بن طاووس وغيرهم باسنادهم المذكور إلى الشيخ المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان، عن أبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه، عن محمّد بن يعقوب الكليني، عن رجاله المذكورة في كلِّ حديث عن الائمة(ع).
وكتب حسن بن يوسف بن المطهر الحلّي في ذي الحجّة سنة تسع عشرة وسبعمائة بالحلّة حامدا مصلّيا.
في هذه الاجازة نجد العلاّمة يقول ((رويت أحاديث الكافي عن، عن..)) ومرّ سابقا انّهم يقصدون من ((رويته عن)) انّهم سمعوه من الشيخ وورود ((عن فلان)) بعده يفيد تسلسل سماع شيخ عن شيخ إلى حيث ينهون التعبير بـ ((عن)).
وجاء نظيره في اجازة المجلسي محمّد باقر للاردبيلي حيث قال فيه: امّا بعد فقد قرأ عليّ وسمع مني المولى الفاضل...
حاجي محمّد الاردبيلي... كثيرا من العلوم الدينية ... لا سيّما كتب الاخبار المأثورة عن الائمة الاطهار صلوات اللّه عليهم أجمعين، ثمّ استجازني فاستخرت اللّه سبحانه وأجزت له أن يروي عنّي... بحق روايتي واجازتي عن مشايخي الكرام... فمن ذلك ما أخبرني به عدّة... ممّن قرأت عليهم أو سمعت منهم... منهم والدي العلاّمة وشيخه... مولانا حسن علي التستري و... وبحق روايتهم واجازتهم عن شيخ الاسلام والمسلمين بهاء الملة... محمّد العاملي قدّس اللّه روحه عن والده.
وهكذا سلسل المجلسي في هذه الاجازة سنده حتى انتهى إلى فخر الدين محمّد، عن والده العلاّمة الحلّي، ثمّ سلسل السند منه إلى الشيخ المفيد والكليني والصدوق.
ثمّ بدأ بذكر سند آخر له وقال: ومنها ما أخبرني به العدّة المتقدّم ذكرهم بحقّ روايتهم عن...، ثمّ ذكر سلسلة مشايخه إلى الشهيد محمّد بن مكي (ت: 786 هـ)(47) وسند روايته عنهم.
وهكذا ذكر طرقه واسانيده وأكثرها بلفظ أخبرني ممّا يدل على السماع من الشيخ أو سماع القراءة عليه، وتسلسل ذلك إلى صاحب التأليف في اجازته رواية تأليفه، ثمّ ختم الاجازة بقوله: كتب بيمينه... محمّد باقر بن محمّد تقي ... سنة ثمان وتسعين بعد الالف الهجرية(48).
* * *
وجاءت نظائر هذه الاجازات كثيرا في مجلدات اجازات البحار ممّا فيها ذكر قراءات الكتب على الشيوخ المجيزين روايتها.
مثل اجازة الشيخ حسن علي ابن المولى عبد اللّه لمحمد تقي المجلسي سنة (1034 هـ) حيث جاء فيها: وقرأ من الحديث، كثيرا من تهذيب الاحكام وسمع منه أيضا، ومن من لا يحضره الفقيه أكثره، ومن الكافي كتبا كثيرة(49).
وجاء في اجازة محمّد تقي المجلسي (ت: 1070 هـ) لمرزا إبراهيم ((فمنها ما أخبرني به قراءة وسماعا واجازة بهاء الملة... والدين محمّد العاملي... عن الشيخ عبد العالي...))(50).
وفي إجازة محمّد بن الحسن الحرّ العاملي (ت: 1104 هـ) للشيخ محمّد فاضل المشهدي(51). وقد قرأ عندي ما تيسّر قراءته وهو كتاب من لا يحضره الفقيه، من أوّله إلى آخره، وكتاب الاستبصار أيضا بتمامه، وكتاب اصول الكافي كلّه، وأكثر كتاب التهذيب، وغير ذلك، قراءة بحث وتنقيح وتدقيق، فأحسن وأجاد وأفاد أكثر ممّا استفاد بحيث ظهر جدّه واجتهاده وقابليته واستعداده... وأهليته لنقل الحديث وروايته بل نقده ودرايته وقد التمس مني الاجازة فبادرت إلى اجابته...(52).
كان هذا نوعا من أنواع الاجازة يحرّرها الشيخ في رسالة خاصّة، ونوع ثان منها يحرّرها الشيخ بظهر الكتاب الّذي قرأه التلميذ عليه، مثل خمس اجازات للمجلسي محمّد باقر منحها تلميذه محمّد شفيع التويسركاني وجدناها بخطّه في أواخر كتب الكافي من نسخة مخطوطة ثبتنا صورها بآخر الكتاب وهي كالاتي:
أ ـ الاجازة الاولى مدوّنة بآخر كتاب العقل والتوحيد وما يقابل 1 / 167 ط. طهران جاء فيها:
بسمّ اللّه الرحمن الرحيم
انهاه المولى الفاضل الكامل التقيّ الذكيّ الالمعي مولانا محمّد شفيع التويسركاني وفقه اللّه تعالى للارتقاء على أعلى مدارج الكمال في العلم والعمل سماعا وتصحيحا وتدقيقا وضبطا في مجالس آخرها خامس عشر شهر جمادي الاولى من شهور سنة ثلاث وثمانين بعد الالف من الهجرة، وأجزت له أن يروي عنّي كلّ ما صحّت روايته واجازته بحقّ روايتي عن مشايخي واسلافي، باسانيدي المتكثرة المتصلة إليهم، رضوان اللّه عليهم أجمعين، وكتب بيمناه الجانية الفانية أحقر عباد اللّه محمّد باقر بن محمّد تقي عفي عنهما حامدا مصليا.
ب ـ الاجازة الثانية منه كذلك، في آخر الجزء الثاني من الكافي المخطوط حسب تجزئتهم، والذي يقابل 1 / 367 ط.
طهران مؤرخّة بتاريخ ستة أشهر بعد الاولى قال فيها: أنهاه... في مجالس آخرها بعض أيّام شهر ذي القعدة سنة ثلاث وثمانين بعد الالف من الهجرة وأجزت له ـ دام تأييده ـ أن يروي...
ج ـ والثالثة في آخر كتاب الحجّة منه وما يقابل 1 / 548 ط. طهران مؤرخة بتاريخ خمسة أشهر بعد الثانية، قال فيها: أنهاه...
في مجالس آخرها أواخر شهر ربيع الثاني، سنة أربع وثمانين وأجزت له ـ زيد فضله ـ أن يروي...
د ـ والرابعة بآخر كتاب الايمان منه وما يقابل 2 / 464 ط. طهران منحت بعد سنتين وعشرة أشهر من صدور الثالثة، قال فيها: أنهاه... في مجالس آخرها محرّم الحرام من شهور سنة سبع وثمانين بعد الالف الهجرية...
هـ ـ والخامسة في آخر كتاب العشرة منه وما يقابل 2 / 674 ط. طهران منحت بعد ثلاثة أشهر وثلاثة أيّام من تاريخ الرابعة، قال فيها: انهاه... في مجالس آخرها ثالث جمادي الاولى من شهور سنة سبع وثمانين بعد الالف هجرية، فاجزت له ـ دام تأييده ـأن يروي...
في الاجازات السابقة وجدنا في بعضها تصريحا بتسلسل قراءة شيخ على شيخ حتى تنتهي القراءة على مؤلف الكتاب.
وفي بعضها تعبيرا عن ذلك حسب مصطلحهم في علم الحديث، وفي بعضها تعيينا لزمان القراءة ومكانها وانّه انهى الكتاب قراءة أو سماعا.
ووجدنا ذلك معمولا به منذ عصر أصحاب الكافي والفقيه والتهذيب وبقي معمولا به كذلك حتى عصر المجلسي صاحب البحار.
ومن كلّ ذلك ثبت عندنا تداول الكتب الاربعة في أيدي الطلبة بلا انقطاع منذ تأليفها حتّى اليوم.
وقلنا حتّى اليوم لاننا نعلم استمرار رجوع فقهاء مدرسة أهل البيت في استنباط الاحكام الشرعية اليها عبر القرون وإلى يومنا الحاضر.
فإذا أراد أحد فقهاء هذه المدرسة أن يصدر رسالة فقهيّة رجع إلى الكافي والتهذيب والاستبصار والوسائل واستند إلى أحاديثها في ما يصدر من فتوى.
وقد مرّ بنا كيف أخذ أُولئك المشايخ الحديث من الاصول والمدوّنات الحديثية الصغيرة وألفوا منها كتبهم.
وانّ أصحاب تلك الاصول والمدوّنات كانوا قد أخذوا أحاديثها من أئمة أهل البيت.
وانّ أئمة أهل البيت حدّثوا عن الجامعة التي أملاها رسول اللّه وكتبها علي بخطّه.
* * *
هكذا أصبحت الموسوعات الحديثية الاربع منذ تأليفها وإلى عصرنا الحاضر محور البحوث الفقهية بمدرسة أهل البيت، يرجع إليها فقهاؤهم لاستكشاف سنّة الرسول في الاحكام ومنها يستنبطون أحكام الاسلام بعد القرآن.
وقد مرّ بنا ان الموسوعات الحديثية الاربع أخذت الحديث من الاصول والمدوّنات الحديثية الصغيرة، وانّ الاصول والمدوّنات الحديثية الصغيرة كانت قد أخذت الحديث من أئمة أهل البيت.
وانّ أئمة أهل البيت كانوا يتبرأون من القول بالرأي وانّما كانوا يعتمدون جامعة الامام علي في بيان الاحكام.
وانّ جامعة الامام علي كان قد املاه رسول اللّه على الامام وكتبه الامام علي بخطّه.
وفي مقابل هذا وجدنا مدرسة الخلفاء تعتمد الاجتهاد، وانّ الخلفاء كانوا يتأوَّلون في مقابل النصوص الواردة في الشرع الاسلامي، ويعتمدون الرأي في بيان أحكام الاسلام.
ويوضح الجدول الاتي اتّجاه مدرسة أهل البيت في أخذ سنّة الرسول:
مدرسة أهل البيت
املاء خاتم الانبياء
جامعة الامام علي
روايات الائمة الاثني عشر من أهل البيت
الاصول والمدونات الحديثة الصغيرة
الكافي
الفقيه التهذيب الاستبصار
رسائل فقهاء مدرسة أهل البيت