دراسة اتّصال المشايخ بأئمّة أهل البيت (ع)

على ضوء ما أوردنا من تعريف مصطلحاتهم ندرس ألفاظهم في الاسانيد لنعلم مدى اتّصال المشايخ في رواية الحديث بأئمة أهل البيت:

في ترجمة ظريف:

قال النجاشي: كان ثقة في حديثه، صدوقا، له كتب، منها كتاب الديات، رواه عدّة من أصحابنا.

أخبرنا عدّة من أصحابنا، عن أبي غالب أحمد بن محمّد، قال: قرأ عليَّ عبد اللّه بن جعفر وأنا أسمع، قال: حدّثنا الحسن بن ظريف، عن أبيه به.

وقال الطوسي: له كتاب الديات، أخبرنا الشيخ أبو عبد اللّه... وأخبرنا ابن أبي جيّد...(44).

قال النجاشي: (أخبرنا عدّة من أصحابنا، عن أبي غالب) وأخبرنا ـ في اصطلاحهم ـ مشترك بين سماع التلميذ من الشيخ، وقراءة التلميذ أو قراءة زميله على الشيخ والشيخ يسمع، ولعلّ كلّ ذلك وقع في رواية عدّة من الاصحاب عن أبي غالب، أمّا رواية أبي غالب عن شيخه وإلى آخر سلسلة السند فقد كانت سماعا عن الشيخ حسب مفاد الالفاظ الواردة في السند.

وقال الطوسي هنا أي في الفهرست: ((أخبرنا المفيد وابن أبي جيّد)) وذكر صدر السند، بينما هو يحذف صدور الاسانيد في رواياته بكتابيه: الاستبصار والتهذيب ويختزل الفاظ الاسانيد.

وكذلك فعل الصدوق في الفقيه وقبله الكليني في الكافي وحذفا صدور أسانيد كتاب الديات.

وكذلك دأب المشايخ مع أسانيد جلّ رواياتهم يحذفون صدور الاسانيد ويرمزون إلى مقصودهم أحيانا، واخرى يجملون القول، مثل قولهم: ((علي بن إبراهيم، عن أبيه))، ((وعدّة من أصحابنا، أو عدّة عن سهل بن زياد)).

ثمّ يشرحون في محلّ آخر رمزهم، ويبيّنون تفصيل ذلك المجمل، ويذكرون تمام السند، كما فعل الصدوق في ذكر مشيخته بآخر الفقيه، والطوسي في شرح مشيخته بآخر الاستبصار والتهذيب.

وقد قصدنا في ما أوردنا ببحث ((معرفة رواة كتاب الديات)) اراءة شرحهم لكيفية تلقّيهم الرواية من كل شيخ في ترجمة ذلك الشيخ، ووجدنا في ما ذكروا بتلك التراجم تثبتا في تحمل الحديث ونقله بما لا مزيد عليه؛ فهذا العالم يروي عن شيخه أربعة من أحاديثه بلا واسطة لانّه قد سمعها منه بنفسه، ويروي سائر رواياته عنه بواسطة أبيه وأخيه.

وآخر يسمع من أبيه كتبه مقابلة ومع ذلك فانّه لا يرويها عنه بلا واسطة لان سنّه كان عند سماعه ايّاها عنه ثمانية عشر عام ولم

يكن يفهم معنى الحديث تماما. ولهذا فهو يروي تلك الكتب عن أبيه بواسطة أخويه اللّذين سمع الكتب منهما في حال كمال ادراكه.

وذلك الشيخ الثالث يروي جميع ما في كتاب الشرائع ويستثني منه حديثا واحدا في حكم لحم البعير ويحتاط في روايته.

والرابع يقول: سمعت منه روايات يسيرة في دار ابن همام وليس لي منه اجازة.

* * *

من كلّ ما أوردناه آنفا ومن نظائره الكثيرة في سلاسل أسانيد الروايات ومحتويات رسائل الاجازات يطمئن الباحث إلى سلامة اتصال سلاسل أسانيد المشايخ إلى أئمة أهل البيت في حدود القدرات البشرية.

وبعد البرهنة على ذلك ينبغي البحث في كيفية اتصال فقهاء مدرسة أهل البيت عبر القرون بالموسوعات الحديثيّة الّتي ألّفها أُولئك المشايخ. ولنضرب مثلا لذلك اتصالهم بأول الموسوعات الحديثية بمدرسة أهل البيت، وأقدمها زمنا، وهو كتاب الكافي تأليف محمّد بن يعقوب الكليني، وفي هذا الصدد قال الشيخ الطوسي في الفهرست: ((محمّد بن يعقوب الكليني، يكنّى أبا جعفر، ثقة، عارف بالاخبار، له كتب منها كتاب الكافي، وهو يشتمل على ثلاثين كتابا، أوّله كتاب العقل)). ثمّ سجّل أسماء كُتُبِ الكتاب الكافي، وقال في آخره: ((كتاب الروضة آخر كتاب الكافي)).

وقال: أخبرنا بجميع كتبه ورواياته الشيخ أبو عبد اللّه محمّد بن محمّد بن النعمان، عن أبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه، عن محمّد بن يعقوب بجميع كتبه.

وأخبرنا الحسين بن عبيد اللّه قراءة عليه أكثر هذا الكتاب الكافي عن جماعة، منهم: أبو غالب أحمد بن محمّد الزراري، وأبو القاسم جعفر بن محمّد ابن قولويه، وأبو عبد اللّه أحمد بن إبراهيم الصيمري المعروف بابن أبي رافع، وأبو محمّد هارون بن موسى التلعكبري، وأبو المفضّل محمّد بن عبد اللّه بن المطّلب الشيباني، كلّهم عن محمّد بن يعقوب.

وأخبرنا الاجلّ المرتضى، عن أبي الحسين أحمد بن علي بن شعيب الكوفي، عن محمّد بن يعقوب.

وأخبرنا أبو عبد اللّه أحمد بن عبدون، عن أحمد بن إبراهيم الصيمري، وأبي الحسين عبد الكريم بن عبد اللّه بن نصر البزّاز،

بتفليس وبغداد، عن أبي جعفر محمّد بن يعقوب الكليني بجميع مصنّفاته ورواياته... ـ انتهى.

إذا فالشيخ الطوسي عرّف كتب الكافي واحدا بعد الاخر وكان أوّلها كتاب العقل وآخرها كتاب الروضة.

وقال: انّه يرويه عن أربعة من شيوخه، وكان هؤلاء الاربعة يروون الكتاب عن تلاميذ الكليني، وكان أحد شيوخ الطوسي يروي الكتاب عن خمسة من تلاميذ الكليني، وآخر عن اثنين منهم.

وروى الطوسي عن شيوخه بلفظ (أخبرنا) وأخبرنا مشترك بين سماع لفظ الشيخ والقراءة على الشيخ، غير انّه لمّا ذكر في روايته عن الحسين بن عبيد اللّه انّه يروي الكتاب عنه قراءة عليه أكثرها، نفهم بأنّه قد روى الكتاب من بقية شيوخه في سلسلة هذا السند سماعا منهم.

هذا ما كان عن الشيخ الطوسي. أمّا النجاشي فقد قال:... صنّف الكتاب الكبير المعروف بالكليني، يسمّى الكافي في عشرين سنة، شرح كتبه: كتاب العقل... كتاب الروضة.

يظهر مما ذكره النجاشي وغيره انّ الكتاب كما كان يسمّى باسم ((الكافي)) كان يسمّى أحيانا باسم مؤلّفه ((الكليني)) كما نسمّي نحن اليوم أحيانا كتاب ((تاريخ الاُمم والملوك)) تأليف الطبري باسم مؤلّفه ((الطبري)).

ويظهر أيضا من تعريف النجاشي والطوسي للكافي انّه كان مقسّما حسب مواضيعه إلى ثلاثين كتابا على صورة أجزاء، كلّ كتاب منه في مجلّد واحد، غير انّها لم تكن مرقّمة بالتسلسل، كما هو شأن مجلّدات الكتب في عصرنا، لذلك حصل بعض التقديم والتأخير في ذكر أسماء كتبه، عدا اسم الاوّل: كتاب العقل، واسم الكتاب الاخير، الروضة.

وقال النجاشي أيضا: كنت أتردّد إلى المسجد المعروف بمسجد اللؤلؤي، وهو مسجد نفطويه النحوي، أقرأ القرآن على صاحب المسجد، وجماعة من أصحابنا يقرأون كتاب الكافي على أبي الحسين أحمد بن أحمد الكوفي الكاتب: ((حدّثكم محمّد بن يعقوب الكليني)) ورأيت أبا الحسن العقراوي يرويه عنه.

إذا فالشيخ النجاشي أدرك اثنين من تلاميذ الكليني يرويان الكافي عنه، أحدهما كان يخاطب تلاميذه عندما يقرأ الكافي، وهو يقول: ((حدّثكم محمّد ابن يعقوب الكليني)) وذلك بحكم سماعه الكتاب عن الكليني واجازته له أن يرويه عنه، ولكن النجاشي لا يروي الكافي عن هذين الشيخين من تلاميذ الكليني وان أدركهما وسمعهما، وانّما يرويه عن تلاميذ الكليني فقد قال:

وروينا كتبه كلّها عن جماعة شيوخنا، منهم: محمّد بن محمّد ـ الشيخ المفيد ـ، والحسين بن عبيد اللّه ـ الغضايري ـ، وأحمد بن علي بن نوح، عن أبي القاسم جعفر بن قولويه، عنه رحمه اللّه. انتهى.

ولنشرح بعد هذا العرض اسلوب الدراسة يومذاك لنتفهّم مغزى أقوالهم.


44 ـ مجمع الرجال 3 / 233.