خلاصة البحث
إنّ كتاب الديات المنسوب إلى ظريف بن ناصح، كان الامام عليُّ قد كتبه بخطه أو انّه كان قد أملاه، وكتب به إلى امرائه، وكتبه شيعته وتوارثوه جيلا بعد جيل حتى إذا انتهوا إلى عصر الامام الصادق عرضوه عليه فقال عن الرواية: ((نعم هو حق وقد كان أمير المؤمنين يأمر عماله بذلك)).
وفي وراية: أفتى أمير المؤمنين فكتب الناس فتياه، وكتب أمير المؤمنين به إلى امرائه ورؤوس أجناده.
ثمّ تسلسل الرواة عن الامام الصادق حتى عصر المشايخ، وفي هؤلاء الرواة من أدرك الامام الرضا (ع) وعرض الكتاب عليه، فقال لاحدهم: نعم هو حق، قد كان أمير المؤمنين يأمر عمّاله بذلك!
وقال للثاني: هو صحيح.
وقال للثالث: أُرووه فانّه صحيح.
ثمّ تسلسل الرواة أيضا عن الامام إلى المشايخ، وأدرجه المشايخ في الكتب الاربعة: الكافي والفقيه والتهذيب والاستبصار.
فرّق الكليني الكتاب على أبواب الديات في الكافي. وأورد الصدوق جميعه مرة واحدة وفي باب واحد من الفقيه.
وأورد الشيخ الطوسي جميعه في مكان واحد من التهذيب، وأورده أيضا متفرقا في أبواب مختلفة منه.
وأورد قسما منه في باب واحد من الاستبصار.
تسلسلت روايات المشايخ إلى الائمة في نقل كتاب الديات عنهم، وأوردوا أحاديث اخرى عن الائمة في نفس مواضيع كتاب الديات، وبنفس المغزى، مثاله ما قاله الكليني في باب ((دية الجنين)):
وبهذا الاسناد، أي بالاسناد الذي أورده في أوّل الباب إلى الامامين (الصادق والرضا) في نقل كتاب الديات، قال: 1
ـ وبهذا الاسناد عن أمير المؤمنين (ع) قال: جعل دية الجنين مائة دينار وجعل مني الرجل إلى أن يكون جنينا خمسة أجزاء: فإذا كان جنينا قبل أن تلجه الرُّوح مائة دينار وذلك انّ اللّه عزّ وجلّ خلق الانسان من سلالة وهي النطفة فهذا جزء، ثمَّ علقة فهو جزءان، ثمّ مضغة فهو ثلاثة أجزاء، ثمَّ عظما فهو أربعة أجزاء، ثمّ يكسى لحما فحينئذ تمّ جنينا فكملت له خمسة أجزاء مائة دينار، والمائة دينار خمسة أجزاء فجعل للنطفة خمس المائة عشرين دينارا، وللعلقة خمسي المائة أربعين دينارا، وللمضغة ثلاثة أخماس المائة، ستّين دينارا وللعظم أربعة أخماس المائة، ثمانين دينارا، فإذا كُسِيَ اللّحم كانت له مائة دنيار كاملة، فإذا نشأ فيه خلق آخر وهو الرُّوح؛ فهو حينئذ نفس فيه ألف دينار دية كاملة إن كان ذكرا، وإن كان اثنى
فخمسمائة دينار، وإن قتلت امرأة وهي حبلى فتمّ فلم يسقط ولدها ولم يعلم أذكر هو أم أُنثى، ولم يعلم أبعدها مات أو قبلها؛ فديته نصفان، نصف دية الذكر ونصف دية الانثى، ودية المرأة كاملة بعد ذلك وذلك ستّة أجزاء من الجنين، وأفتى (ع) في منيّ الرجل يفزع(1) من عرسه فيعزل عنهاالماء. ولم يرد ذلك نصف خمس المائة عشرة دنانير، وإذا أفرغ فيها عشرين دينارا، وقضى في دية جراح الجنين من حساب المائة على ما يكون من جراح الذكر والانثى الرجل والمرأة كاملة، وجعل له في قصاص جراحته ومعقلته على قدر ديته وهي مائة دينار(2).
وجاء أيضا في نفس الباب عن سعيد بن المسيّب قال: سألت عليّ بن الحسين (ع) عن رجل ضرب امرأة حاملا برجله فطرحت ما في بطنها ميتا فقال: إن كان نطفة فإنَّ عليه عشرين دينارا، قلت: فما حدُّ النطفة؟ فقال: هي الّتي إذا وقعت في الرحم فاستقرّت فيه أربعين يوما، قال: وإن طرحته وهو علقة؛ فإنّ عليه أربعين دينارا، قلت: فما حدُّ العلقة؟ فقال: هي الّتي إذا وقعت في الرحم فاستقرَّت فيه ثمانين يوما، وإن طرحته وهو مضغة؛ فإنَّ عليه ستّين دينارا، قلت: فما حدُّ المضغة؟ فقال: هي الّتي إذا وقعت في الرحم فاستقرَّت فيه مائة وعشرين يوما، قال: وإن طرحته وهو نسمة مخلّقة له عظم ولحم مزيّل الجوارح قد نفخ فيه روح العقل فإنّ عليه دية كاملة... الحديث(3).
وجاء فيه عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (ع) عن الرّجل يضرب المرأة فتطرح النطفة؟ فقال: عليه عشرون دينارا، فقلت: يضربها فتطرح العلقة؟ فقال: عليه أربعون دينارا، قلت: فيضربها فتطرح المضغة؟ قال: عليه ستّون دينارا، قلت: فيضربها فتطرحه وقد صار له عظم؟ فقال: عليه الدية كاملة، وبهذا قضى أمير المؤمنين (ع)، قلت: فما صفة خلقة النطفة الّتي تعرف بها؟ فقال: النطفة تكون بيضاء مثل النخامة الغليظة فتمكث في الرحم إذا صارت فيه أربعين يوما ثمّ تصير إلى علقة، قلت: فما صفة خلقة العلقة الّتي تعرف بها؟ فقال: هي علقة كعلقة الدم المحجمة الجامدة تمكث في الرحم بعد تحولها عن النطفة أربعين يوما، ثمَّ تصير مضغة، قلت: فما صفة المضغة وخلقتها الّتي تعرف بها؟ قال: هي مضغة لحم حمراء فيها عروق خضر مشتبكة، ثمّ تصير إلى عظم، قلت: فما صفة خلقته إذا كان عظما؟ فقال: إذا كان عظما شقّ له السمع والبصر ورتّبت جوارحه فإذا كان كذلك فإنَّ فيه الدية كاملة(4).
وعن ابن مسكان، عن أبي عبد اللّه (ع) قال: دية الجنين خمسة أجزاء: خمس للنطفة عشرون دينارا، وللعلقة خمسان أربعون دينارا، وللمضغة ثلاثة أخماس ستّون دينارا، وللعظم أربعة أخماس ثمانون دينارا، فإذا تمّ الجنين كانت له مائة دينار، فإذا أنشأ فيه الرّوح فديته ألف دينار أو عشرة آلاف درهم إن كان ذكرا، وإن كان أُنثى فخمسمائة دينار، وإن قتلت المرأة وهي حبلى فلم يدر أذكر كان ولدها أو أُنثى فدية الولد نصفان نصف دية الذكر ونصف دية الاُنثى وديتها كاملة(5).
في هذا المورد وجدنا الحكم المبيّن في حديث الامام الصادق (ع) نظير الحكم المشروح في حديث الامام الباقر (ع)، والحكم في حديثيهما نظير الحكم في حديث الامام السجّاد (ع)، والحكم في أحاديثهم هذه نظير ما في كتاب الديات الذي أملاه الامام علي (ع)، وفي الباب أيضا حديثان آخران عن الامامين الباقر والصادق (ع) لا يختلفان عمّا سبق إلاّ بمقدار ما بين الموجز والمفصّل والمجمل والمبيّن(6).
وكذلك نجد في باب ((دية الجنين)) ثلاثة أحاديث عن الامام الصادق (ع) بمغزى واحد، روى الاوّل أبو بصير عن أبي عبد اللّه، قال: إن ضرب رجلٌ بطن امرأة حبلى فألقت ما في بطنها ميتا؛ فإنّ عليه غرّة عبد أو أمة يدفعها إليها(7).
وروى الثاني داود بن فرقد، عن أبي عبد اللّه (ع) قال: جاءت أمرأة فاستعدت على اعرابي قد أفزعها فالقت جنينا فقال الاعرابيّ لم يهلّ ولم يصح ومثله يطل فقال النبيُّ (ص): اسكت سجّاعة: عليك غرّة وصيف، عبدُ أو أمة(8).
وروى الثالث السكونيّ، عن أبي عبد اللّه (ع) قال: قضى رسول اللّه (ص) في جنين الهلاليّة حيث رميت بالحجر فألقت ما بطنها؛
غرّة عبد أو أمة(9).
في هذا المورد، أفتى الامام الصادق في الحديث الاوّل وبينّ حكم اللّه دون أن ينسبه إلى أحد، أمّا الحديثان الثاني والثالث فقد رواهما عن رسول اللّه مع بيان الحادث الذي حكم فيه رسول اللّه (ص).
ونجد نظير ما ذكرنا في كتاب الديات من الكافي كثيرا حيث نرى الحكم الواحد مبينا في رواية ما عن أحد الائمة تارة، وأُخرى يرويه الامام عن الامام علي (ع)، وثالثة عن جدّهم الرسول (ص)، كما جاء في الصفحات: 265 و266 و268 و281 و284 و285 و320 و323 و326 و329 و331 و333 و334 و353 و357 و360 و364 و368 و370 و371 و373 و375 من الجزء السابع من الكافي.
وكذلك الامر في غير الديات من الكافي، وكذلك أيضا في غير الكافي من الموسوعات الحديثية الامامية مثل الفقيه والتهذيب والاستبصار.
وإذا انتهينا من البحث في كتاب الديات إلى هنا، فلابدَّ لنا عندئذ من التعرّف على الرجال الوسطاء بين المشايخ والائمة في ما يلي: