الفصل الاول
نتيجة استشهاد الامام الحسين (ع)
نتيجة لكل ما سبق ذكره تيقظت ضمائر بعض أبناء الامّة الاسلاميّة من سباتها العميق، واشمأزّت نفوسهم من أوضاع الخلافة، وانتشر حبّ آل بيت النبيّ (ص) في الاوساط الاسلاميّة غير المنتفعة بالحكم، وزمن الصراع بين الامويين والعباسيين حول الخلافة، فُسِحَ المجال للواعين منهم لان يلتفّوا حول الامامين الباقر والصادق (ع) ومن ثمّ تمكّن الامامان من نشر الاحكام الاسلامية التي جاء بها رسول اللّه (ص) وبيان زيف الاحكام المحرّفة، ودحض الشبهات المثارة حول بعض الايات القرآنية.
فعلا ذلك تارة بالرواية عن كتاب عليّ ((الجامعة))، وأخرى بالحديث عن رسول اللّه (ص)، أو ببيان حكم اللّه دونما ذكر سند له، وفي هذا الصدد أُتيحت الفرصة للامام الصادق أكثر من غيره من سائر أئمة أهل البيت، فاجتمع حوله في بعض الاحيان آلاف من روّاد العلوم الاسلامية ورواة أحاديثه، وقد جمع أصحاب الحديث أسماء الرواة عنه من الثقات على اختلافهم في الاراء والمقالات فكانوا أربعة آلاف(166)، مثل الحافظ أبي العبّاس ابن عقدة (ت: 333 هـ) الّذي صنَّف كتابا جمع فيه رواة حديثه، وأنهاهم إلى أربعة آلاف(167).
وفي عصر الامام الكاظم (ع) كان جماعة من أصحابه وأهل بيته وشيعته يحضرون مجلسه ومعهم في أكمامهم الواح آبنوس لطاف، وأميال، فإذا نطق ابو الحسن كلمة أو أفتى في نازلة، أثبتوا ما سمعوه منه في ذلك.
هكذا دوّن أصحاب الائمة ما سمعوه منهم، وبلغت مؤلفاتهم الالاف، نجد تراجمها في فهرستي النجاشي والشيخ الطوسي، وكل واحد منهما يروي تلك الكتب عن مؤلّفيها بسنده الخاصّ اليهم.
وفي عصر الائمة دوّن أصحابهم الاصول، والاصل في اصطلاح المحدّثين من مدرسة أهل البيت هو الكتاب الّذي جمع فيه مصنّفه الاحاديث التي رواها هو عن المعصوم أو عن الراوي عن المعصوم ولم ينقل فيه الحديث عن كتاب مدون. وكان من داب أصحاب الاصول أنهم إذا سمعوا من أحد الائمة حديثا بادروا إلى اثباته في اصولهم لئلاّ يعرض لهم نسيانٌ لبعضه أو كلّه بتمادي الايّام، واستقر أمر المتقدمين على أربعمائة أصل ممّا دوّن منذ عصر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) إلى عصر أبي محمّد الحسن العسكري وسميت بالاصول الاربعمائة، وجلّ الاصول الاربعمائة دوّنت من قبل أصحاب الامام الصادق سواء كانوا مختصين به أو ممن أدركوا أباه الامام الباقر أو ممن أدركوا ولده الامام الكاظم (ع) بعده(168).
166 راجع الارشاد، للشيخ المفيد (ت: 413هـ) ص 254 منه، وإعلام الورى من 276 تأليف الفضل الطبرسي من أعلام القرن السادس.
167 ابن عقدة الحافظ أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني الكوفي كان زيديا جاروديا (ت: 332 هـ) ن مؤلّفاته: كتاب أسماء الرجال الذين رووا عن الصادق أربعة آلاف رجل خرج فيه لكل رجل الحديث الذي رواه ـ ترجمته في الكنى والالقاب 1 / 346. وسنة وفاته فيه: (333 هـ).
168 وأول موسوعة حديثية جامعة الفت بمدرسة أهل البيت هو كتاب الكافي، ألّفه ثقة الاسلام أبو جعفر محمد بن يعقوب بن اسحاق الكليني (ت: 329 أو 328 هـ) حاول مؤلفه أن يجمع فيه الاصول والمدونات الحديثية الصغيرة الاخرى، وجاب من أجله البلاد في عشرين سنة.
وأخذ من الكافي ومن الاصول والمدونات الحديثية الاخرى
الشيخ الصدوق أبو جعفر محمد ابن علي بن الحسين بن بابويه القمي (ت: 381 هـ)
الروايات الخاصة بالفقه وألف فقيه من لا يحضره الفقيه وهو أول موسوعة حديثية في فقه
مدرسة أهل البيت، ونحا نحوه من بعده الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت: 460
هـ) في كتابه تهذيب الاحكام الذي شرح فيه مقنعة الشيخ المفيد ثمّ في كتابه
الاستبصار في ما اختلف من الاخبار، وسميت هذه الكتب بالكتب الاربعة للمجتهدين
الثلاثة، وأصبحت مدار البحث في الحلقات التدريسية بمدرسة أهل البيت منذ تأليفها حتى
اليوم، شأنها في ذلك شأن الصحاح الستّة بمدرسة الخلفاء عدا ان مدرسة أهل البيت لا
تلتزم بصحة جميع ما في كتاب ما عدا كتاب اللّه جلّ جلاله.