قال ابن الاثير وغيره: أرسل عبد الملك بن مروان الحجّاج لحرب ابن الزبير بمكة فنزل الطائف، وأمدّه بطارق فقدم المدينة في ذي القعدة سنة 72 هـ وأخرج عامل ابن الزبير عنها وجعل عليها رجلا من أهل الشام اسمه ثعلبة، فكان ثعلبة يخرج المخّ على منبر النبيّ (ص) يأكله ويأكل عليه التمر ليغيظ أهل المدينة(148).
وقال الدينوري: فقال الحجّاج لاصحابه: تجهّزوا للحجّ ـ وكان ذلك في أيام الموسم ـ ثمّ سار من الطائف حتّى دخل مكّة ونصب المنجنيق على أبي قبيس، فقال الاقيشر الاسدي:
[فـ]لم أرَ جيشا غرّ بالحجّ مثلنا
ولم أرَ جيشا مثلنا غير ما خرس
دلفنا لبيت اللّه نرمي ستوره
بأحجارنا زفن الولائد في العرس
دلفنا له يوم الثلاثاء من منى
بجيش كصدر الفيل ليس بذي رأس
فإلاّ تُرِحنا من ثقيف وملكها
نصلّ لايّام السباسب والنحس
فطلبه الحجّاج فهرب. وأناخ الحجاج بابن الزبير، وتحصّن منه ابن الزبير في المسجد، واستعمل الحجّاج على المنجنيق ابن خزيمة الخثعمي، فجعل يرمي أهل المسجد ويقول:
خطّارة مثل الفنيق الملبد
نرمي بها عوّاذ أهل المسجد(149)
قال المسعودي: وكتب الحجّاج إلى عبد الملك بحصار ابن الزبير وظفره بأبي قبيس، فلمّا ورد كتابه كبّر عبد الملك، فكبّر من معه في داره، واتّصل التكبير بمن في جامع دمشق فكبّروا، واتَّصل ذلك بأهل الاسواق فكبّروا، ثمّ سألوا عن الخبر فقيل لهم: انّ الحجاج حاصر ابن الزبير بمكّة وظفر بأبي قبيس، فقالوا: لا نرضى حتّى يحمله إلينا مكبّلا، على رأسه برنس، على جمل يمرّ بنا في الاسواق، هذا الترابي الملعون(150)!
كان ((أبو تراب)) كنية الامام عليّ كنّاه بها رسول اللّه؛ فاتَّخذها بنو اميّة نبزا للامام وسمّوا شيعته ترابيّا بهذه المناسبة، وأصبح هذا اللقب في عرف آل أميّة وشيعتهم طعنا، فنبزوا بها ابن الزبير أيضا.
قال ابن الاثير: قدم الحجّاج مكّة في ذي القعدة وقد أحرم بحجّة، فنزل بئر ميمون وحجّ بالناس في تلك السنّة الحجّاج إلاّ أنّه لم يطف حول الكعبة ولا سعى بين الصفا والمروة، منعه ابن الزبير من ذلك.
قال: ولم يحجّ ابن الزبير ولا أصحابه لانّهم لم يقفوا بعرفة ولم يرموا الجمار.
قال: ولمّا حَصَرَ الحجّاج ابن الزبير، نصب المنجنيق على أبي قبيس ورمى به الكعبة، وكان عبد الملك ينكر ذلك أيّام يزيد بن معاوية، ثمّ أمر به، فكان الناس يقولون خُذِل في دينه(151).
وقال الذهبي: وألحّ عليه الحجّاج بالمنجنيق وبالقتال من كلّ وجه، وحبس عنهم الميرة فجاعوا، وكانوا يشربون من زمزم، فتعصبهم وجعلت الحجارة تقع في الكعبة(152).
قال ابن كثير: وكان معه خمس مجانيق، فالحّ عليها بالرمي من كلّ مكان. ثمّ ذكر مثل قول الذهبي(153).