قال المسعودي: فسار الحصين حتّى أتى مكة وأحاط بها، وعاذ ابن الزبير بالبيت الحرام، ونصب الحصين في من معه من أهل الشام المجانيق والعرّادات على البيت، ورمى مع الاحجار بالنار والنفط ومشّاقات الكتّان وغير ذلك من المحروقات فانهدمت الكعبة واحترقت البنيّة.
ووقعت صاعقة فأحرقت من أصحاب المنجنيق أحد عشر رجلا فكان ذلك يوم السبت لثلاث خلون من ربيع الاول وقبل وفاة يزيد بأحد عشر يوما، واشتدّ الامر على أهل مكة وابن الزبير، واتصل الاذى بالاحجار والنار والسيف فقال راجزهم:ابن نمير بئسما تولىّ
قد أحرق المقام والمصلىّ(143)
وقال اليعقوبي: رمى حصين بن نمير بالنيران حتّى أحرق الكعبة، وكان عبيد اللّه بن عمير الليثي قاصّ ابن الزبير إذا تواقف الفريقان قام على الكعبة فنادى بأعلى صوته: يا أهل الشام! هذا حرم اللّه الذي كان مأمننا في الجاهلية، يأمن فيه الطير والصيد، فاتّقوا اللّه يا أهل الشام، فيصيح الشاميّون: الطاعة الطاعة، الكرّ الكرّ، الرواح قبل المساء، فلم يزل على ذلك حتّى احترقت الكعبة. فقال أصحاب ابن الزبير: نطفىء النار. فمنعهم وأراد أن يغضب الناس للكعبة. فقال بعض أهل الشام إن الحرمة والطاعة اجتمعتا فغلبت الطاعة الحرمة(144)!!
وفي تاريخ الخميس وتاريخ الخلفاء للسيوطي: واحترقت من شرارة نيرانهم استار الكعبة وسقفها وقرنا الكبش الذي فدى اللّه اسماعيل وكان معلّقا في الكعبة(145)!
وقال الطبري وغيره: أقاموا عليه يقاتلونه بقيّة المحرّم وصفر كلّه، حتّى إذا مضت ثلاثة أيام من شهر ربيع الاوّل يوم السبت سنة 64 هـ قذفوا البيت بالمجانيق وحرّقوه بالنار وأخذوا يرتجزون ويقولون:
خّطارة مثل الفنيق المزبد
نرمي بها أعواد هذا المسجد
ويقول راجزهم:
كيف ترى صنيع أُمّ فروة
تأخذهم بين الصفا والمروة
يعني بـ ((أُمّ فروة)) المنجنيق.
قالوا: واستمرّ الحصار إلى مستهلّ ربيع الاخر حين جاءهم نعي يزيد وأنّه قد مات لاربع عشرة ليلة خلت من ربيع الاوّل(146).
وفي تاريخ الطبري وغيره: بينا حصين بن نمير يقاتل ابن الزبير إذ جاء موت يزيد، فصاح بهم ابن الزبير وقال: انّ طاغيتكم قد هلك؛ فمن شاء منكم أن يدخل في ما دخل فيه الناس فليفعل، فمن كره فليلحق بشامه، فغدوا عليه يقاتلونه. فقال ابن الزبير للحصين بن نمير: أُدنُ منيّ أحدّثك. فدنا منه فحدّثه فجعل فرس أحدهما يجفل، (الجفل: الروث) فجاء حمام الحرم يلتقط من الجفل فكفّ الحصين فرسه عنهّن، فقال له ابن الزبير: ما لك؟ قال: أخاف أن يقتل فرسي حمام الحرم، فقال له ابن الزبير:
أتحرّج من هذا وتريد أن تقتل المسلمين؟! فقال: لا أقاتلك؛ فاذن لنا نطف بالبيت وننصرف عنك. ففعل، قالوا: فأقبل الحصينِ بمن معه نحو المدينة.
قالوا: واجترأ أهل المدينة وأهل الحجاز على أهل الشام، فذلّوا حتّى كان لا ينفرد منهم رجل إلاّ أخذ بلجام دابّته ثمّ نكس عنها! فكانوا يجتمعون في معسكرهم فلا يفترقون، وقالت لهم بنو أميّة: لا تبرحوا حتى تحملونا معكم إلى الشام ففعلوا، فمضى ذلك الجيش حتى دخل الشام(147).
143 مروج الذهب 3 / 71 ـ 72.
144 تاريخ اليعقوبي 2 / 251 ـ 252.
145 تاريخ الخميس 2 / 303، تاريخ السيوطي ص 9.
146 تاريخ الطبري 7 / 14 ـ 15، وابن الاثير 4 / 49، وابن كثير 8 / 225.
147 تاريخ الطبري 7 / 16 ـ 17 في ذكر حوادث سنة 65 هـ ذكر الطبري وغيره محادثات أخرى بين ابن الزبير والحصين لم تكن ثمة حاجة لذكرها وانما ذكرنا رجوع الجيش إلى الشام بايجاز.