قال ابن أعثم: فلمّا قتل الحسين 2 استوسق العراقان جميعا لعبيد اللّه ابن زياد، ووصله يزيد بألف الف درهم جائزة، فبنى قصريه الحمراء والبيضاء في البصرة وأنفق عليهما مالا جزيلا، فكان يشتّي في الحمراء ويصيّف في البيضاء، وعلا أمره وانتشر ذكره، وبذل الاموال واصطنع الرجال، ومدحته الشعراء(98).
وقال المسعودي: جلس ـ يزيد ـ ذات يوم على شرابه، وعن يمينه ابن زياد وذلك بعد قتل الحسين فأقبل على ساقيه، فقال:
اسقني شربة تروّي مُشاشي
ثمّ مِلْ فاسقِ مثلها ابن زياد
صاحب السرّ والامانة عندي
ولتسديد مغنمي وجهادي
ثمّ أمر المغنّين فغنّوا به(99).
قال المؤلف: نرى المقصود من ابن زياد في شعر يزيد انّما هو عبيد اللّه وليس بأخيه سلم كما ذكره ابن أعثم وقال: انّ يزيد قال له: لقد وجبت محبتَّكم يا بني زياد على آل سفيان، ثمّ قال: يا غلام أطعمنا، فقدّمت المائدة فطعما جميعا، فلمّا أكلا دعا يزيد بالشراب، فلمّا دارت الكأس التفت يزيد إلى ساقيه وجعل يقول:
اسقني شربة تروّي عظامي
ثمّ مل فاسق مثلها ابن زياد
موضع العدل والامانة عندي
وعلى ثغر مغنم وجهاد(100)
فانّ هذا القول من يزيد يناسب عبيد اللّه وليس أخاه سلما، ولعلّه أنشد البيتين للاخوين في مجلسين للشرب.
ويؤيد ذلك ما قاله سبط ابن الجوزي في التذكرة فانّه قال: إستدعى ابن زياد إليه وأعطاه أموالا كثيرة وتحفا عظيمة، وقرب مجلسه ورفع منزلته، وأدخله على نسائه وجعله نديمه، وسكر ليلة وقال للمغنّي غن ثمّ قال يزيد بديها: اسقني شربة...(101).
قال المؤلّف: هكذا كان عطاؤه وحباؤه لقائد جنده، أمّا عطاؤه للجنود فقد ذكره البلاذري وقال: كتب يزيد إلى ابن زياد: أمّا بعد، فزد أهل الكوفة أهل السمع والطاعة في أعطياتهم مائة مائة(102).
عاش قتلة الحسين هكذا في حبور وسرور واستبشار حتّى إذا ظهرت آثار أفعالهم ندموا على ما فعلوا.
98 فتوح ابن أعثم 5 / 252.
99 المسعودي، مروج الذهب 3 / 67.
100 الفتوح لابن أعثم 5 / 254.
101 تذكرة خواص الامة ص 164.
102 أنساب الاشراف ص 220
103 ابن كثير 8 / 232، وتاريخ الاسلام للذهبي 2 / 351.