بعد وصولهم إلى المدينة:

روى الطبري بسنده عن الحارث بن كعب، قال: قالت لي فاطمة بنت عليّ: قلت لاختي زينب: يا أُخيَّةُ لقد أحسن هذا الرجل الشامي إلينا في صحبتنا فهل لك أن نصله؟ فقالت: واللّه ما معنا شيء نصله به إلاّ حليّنا قالت لها: فنعطيه حليّنا قالت: فأخذت سواري ودملجي، وأخذت أختي سوارها ودملجها، فبعثنا بذلك إليه واعتذرنا إليه وقلنا له: هذا جزاؤك بصحبتك ايّانا بالحسن من الفعل. قال: لو كان الّذي صنعت انّما هو للدنيا كان في حليّكنّ ما يرضيني ودونه، ولكن واللّه ما فعلته إلاّ للّه ولقرابتكم من رسول اللّه (ص)(95).

السجّاد (ع) يقيم العزاء أربعين سنة:

في اللهوف: روى عن الامام الصادق (ع) أنّه قال: انّ زين العابدين (ع) بكى على أبيه أربعين سنة؛ صائما نهاره، وقائما ليله، فإذا حضر الافطار وجاء غلامه بطعامه وشرابه فيضعه بين يديه فيقول: كل يا مولاي، فيقول: قتل ابن رسول اللّه (ص) عطشانا فلا يزال يكرّر ذلك ويبكي حتّى يبتلّ طعامه من دموعه، فلم يزل كذلك حتّى لحق باللّه عزّ وجلّ.

قال: وحدّث مولى له قال: إنّه برز يوما إلى الصحراء فتبعته فوجدته قد سجد على حجارة خشنة، فوقفت وأنا أسمع شهيقه، وأحصيت عليه ألف مرّة يقول: (لا إله إلاّ اللّه حقا حقا لا إله إلاّ اللّه تعبّدا ورقّا، لا إله إلاّ اللّه ايمانا وصدقا) ثمّ رفع رأسه من سجوده وانّ لحيته ووجهه قد غمرا من دموع عينيه، فقلت: يا سيّدي أما آن لحزنك أن ينقضي، ولبكائك أن يقلّ؟ فقال: ويحك! انّ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم كان نبيّا وابن نبيّ، له اثنا عشر ابنا فغيّب اللّه واحدا منهم فشاب رأسه من الحزن، واحدودب ظهره من الغمّ، وذهب بصره من البكاء، وابنه حيّ في دار الدنيا، وأنا رأيت أبي وأخي وسبعة عشر من أهل بيتي صرعى مقتولين، فكيف ينقضي حزني ويقلّ بكائي(96)

رأس ابن زياد بين يدي السجاد (ع):

وذكر اليعقوبي وقال: وجّه المختار برأس عبيد اللّه بن زياد إلى علي بن الحسين في المدينة مع رجل من قومه، وقال له: قف بباب علي بن الحسين، فإذا رأيت أبوابه قد فتحت ودخل الناس، فذلك الذي فيه طعامه، فادخل إليه، فجاء الرسول إلى باب عليّ بن الحسين، فلمّا فتحت أبوابه، ودخل الناس للطعام، دخل ونادى بأعلى صوته: يا أهل بيت النبوّة ومعدن الرسالة ومهبطالملائكة، ومنزل الوحي، أنا رسول المختار بن أبي عبيد، معي رأس عبيد اللّه ابن زياد. فلم تبق في شيء من دور بني هاشم امرأة إلاّ صرخت، ودخل الرسول فأخرج الرأس، فلمّا رآه علي بن الحسين قال: أبعده اللّه إلى النار.

وروى بعضهم أنّ علي بن الحسين لم يُرَ ضاحكا قطّ منذ قتل أبوه، إلاّ في ذلك اليوم، وانّه كان له ابل تحمل الفاكهة من الشام، فلمّا أتي برأس عبيد اللّه ابن زياد أمر بتلك الفاكهة ففرّقت بين أهل المدينة، وامتشطت نساء آل رسول اللّه (ص) واختضبن، وما امتشطت أمرأة ولا اختضبت منذ قتل الحسين بن علي(97).


95 تاريخ الطبري ط. أوربا 2 / 379.

96 اللهوف ص 80، وفي مثير الاحزان ص 92 بايجاز.

97 تاريخ اليعقوبي 2 / 259.