خطبة حفيدة رسول اللّه (ص) في مجلس الخلافة:

في مثير الاحزان واللهوف بعده(84): فقامت زينب بنت علي بن أبي طالب، فقالت: الحمد للّه ربّ العالمين، وصلّى اللّه على رسوله وآله أجمعين، صدق اللّه سبحانه حيث يقول: (ثمّ كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى أن كذّبوا بآيات اللّه وكانوا بها يستهزئون). أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الارض، وآفاق السماء، فأصبحنا نساق كما تساق الاسارى؛ انّ بنا على اللّه هوانا، وبك عليه كرامة، وان ذلك لعظم خطرك عنده؟ فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك، جذلان مسرورا، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة، والامور متّسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا فمهلا مهلا، أنسيت قول اللّه تعالى: (ولا تحسبنّ الّذين كفروا انّما نملي لهم خيرٌ لانفسهم إنّما نملي لهم ليزدادوا اثما ولهم عذاب مهين)؟

((أمن العدل يا ابن الطلقاء، تخديرك حرائرك وإماءك؟ وسوقك بنات رسول اللّه سبابا، قد هُتكت ستورهنّ، وأُبديت وجوههنّ، تحدو بهنَّ الاعداء من بلد إلى بلد، ويستشرفهنّ أهل المناهل والمعاقل، ويتصفّح وجوههنَّ القريب والبعيد، والدنيّ والشريف، ليس معهنّ من حماتهنّ حميّ ولا من رجالهنّ وليّ، وكيف يرتجى مراقبة من لفظ فوهُ أكباد الازكياء، ونبت لحمه من دماء الشهداء، وكيف يستبطأ في بغضنا أهل البيت من نظر الينا بالشنف والشنآن، والاحَنِ والاضغان، ثمّ تقول غير متأثم ولا مستعظم:

لاهلّوا واستهلوا فرحا

ثمّ قالوا يا يزيد لا تشلّ

منحنيا على ثنايا أبي عبد اللّه سيد شباب أهل الجنّة تنكتها بمخصرتك وكيف لا تقول ذلك، وقد نكأت القرحة، وأستاصلت الشأفة، بإراقتك دماء ذريّة محمّد (ص) ونجوم الارض من آل عبد المّطلب، وتهتف بأشياخك زعمت أنّك تناديهم فلتردنّ وشيكا موردهم، ولتودّنّ أنّك شللت وبكمت ولم تكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت)).

اللهم خذ لنا بحقّنا، وانتقم مّمن ظلمنا، واحلل غضبك بمن سفك دماءنا، وقتل حماتنا. فوَاللّه ما فريت إلاّ جلدك، ولا حززت إلاّ لحمك، ولتردنّ على رسول اللّه (ص) بما تحمّلت من سفك دماء ذرّيتّه، وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته، حيث يجمع اللّه شملهم، ويلمّ شعثهم ويأخذ بحقّهم؛ (ولا تحسبنّ الّذين قتلوا في سبيل اللّه أمواتا بل أحياء عند ربّهم يرزقون).

((وحسبك باللّه حاكما، وبمحمّد (ص) خصيما، وبجبريل ظهيرا، وسيعلم من سوّل لك ومكَّنك من رقاب المسلمين بئس للظالمين بدلا، وأيّكم شرّ مكانا واضعف جندا، ولئن جرّت عليّ الدواهي مخاطبتك، إنّي لاستصغر قدرك واستعظم تقريعك، واستكثر توبيخك، ولكن العيون عبرى، والصدور حرّى. ألا فالعجب كلّ العجب لقتل حزب اللّه النجباء، بحزب الشيطان الطلقاء، فهذه الايدي تنطف من دمائنا، والافواه تتحلّب من لحومنا، وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل، وتعفرها أمّهات الفراعل، ولئن اتخذتنا مغنما، لتجدنا وشيكا مغرما، حين لا تجد إلاّ ما قدّمت يداك وما ربُّك بظلاّم للعبيد، وإلى اللّه المشتكى وعليه المعوّل)).

((فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فَواللّه لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا يُرحض عنك عارها، وهل رأيك إلاّ فند وأيّامك إلاّ عدد، وجمعك إلاّ بدد، يوم ينادي المنادي ألا لعنة اللّه على الظالمين)).

((والحمد للّه ربّ العالمين، الذي ختم لاوّلنا بالسعادة والمغفرة، ولاخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل اللّه أن يكمل لهم الثواب، ويوجب لهم المزيد، ويحسن علينا الخلافة، انّه رحيم ودود، وهو حسبنا ونعم الوكيل)).

فقال يزيد:

يا صيحة تحمد من صوائح

ما أهون النوح على النوائح


84 مثير الاحزان ص 80، واللهوف ص 70.