آل رسول اللّه (ص) في دار الامارة

روى الطبري بسنده، عن حُميد بن مسلم، قال: دعاني عمر بن سعد فسرحني إلى أهله لابشّرهم بفتح اللّه عليه وبعافيته، فأقبلت حتّى أتيت أهله فأعلمتهم ذلك، ثمّ أقبلت حتّى أدخل فأجد ابن زياد قد جلس للناس، وأجد الوفد قد قدموا عليه فأدخلهم وأذن للناس فدخلت فيمن دخل، فإذا برأس الحسين موضوع بين يديه، وإذا هو ينكت بقضيب بين ثنيّتيه ساعة، فلمّا رآه زيد بن أرقم لا ينجم عن نكته بالقضيب، قال له: أعل بهذا القضيب عن هاتين الثنيّتين فوَالّذي لا إله غيره، لقد رأيت شفتي رسول اللّه (ص) على هاتين الشفتين يقبّلهما، ثمّ انفضح الشيخ يبكي فقال له ابن زياد: أبكى اللّه عينيك فوَاللّه لولا أنّك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك، قال: فنهض فخرج، فلمّا خرج سمعت الناس يقولون: واللّه لقد قال زيد بن أرقم قولا لو سمعه ابن زياد لقتله فقلت : ما قال؟ قالوا: مرّ بنا وهو يقول؛ ملّك عبد عبدا فاتّخذهم تُلدا. أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم قتلتم ابن فاطمة وأمّرتم ابن مرجانة فهو يقتل خياركم ويستعبد شراركم فرضيتم بالذلّ فبعدا لمن رضي بالذلّ، قال: فلّما دخل برأس حسين وصبيانه وأخوانه ونسائه على عبيد اللّه بن زياد لبست زينب ابنة فاطمة أرذل ثيابها وتنكّرت وحفّت بها اماؤها، فلمّا

دخلت جلست فقال عبيد اللّه بن زياد: من هذه الجالسة؟ فلم تكلّمه، فقال ذلك ثلاثا، كلّ ذلك لا تكلّمه، فقال بعض امائها: هذه زينب ابنة فاطمة قال: فقال لها عبيد اللّه: الحمد للّه الذي فضحكم وقتلكم وأكذب احدوثتكم. فقالت: الحمد للّه الذي أكرمنا بمحمّد (ص) وطهّرنا تطهيرا، لا كما تقول أنت، انّما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر، قال: فكيف رأيت صنع اللّه بأهل بيتك؟ قالت: كتب

عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع اللّه بينك وبينهم فتحاجّون إليه وتخاصمون عنده. قال: فغضب ابن زياد واستشاط.

قال: فقال له عمرو بن حريث: أصلح اللّه الامير انّما هي امرأة وهل تؤاخذ المرأة بشيء من منطقها؟ انّها لا تؤاخذ بقول ولا تلام على خطل، فقال لها ابن زياد: قد أشفى اللّه نفسي من طاغيتك والعصاة المردة من أهل بيتك! قال: فبكت، ثمّ قالت: لعمري لقد قتلت كهلي، وأبرت أهلي، وقطعت فرعي، واجتثثت أصلي، فان يشفك هذا، فقد اشتفيت، فقال لها عبيد اللّه: هذه سجّاعة! قد

لعمري كان أبوك شاعرا سجّاعا! قالت: ما للمرأة والسجاعة ان لي عن السجاعة(58) لشغلا ولكنِّي نفثى ما أقول.

وروى عن حُميد بن مسلم قال: انّي لقائم عند ابن زياد حين عرض عليه علي بن الحسين، فقال له: ما اسمك؟ قال: أنا عليّ بن

الحسين، قال: أو لم يقتل اللّه عليّ بن الحسين؟ فسكت. فقال له ابن زياد: ما لكَ لا تتكلّم؟ قال: قد كان لي أخ يقال له أيضا عليّ فقتلته الناس. قال: انّ اللّه قد قتله. قال: فسكت عليّ. فقال له: مالكَ لا تتكلّم؟ قال: اللّه يتوفّى الانفس حين موتها وما كان لنفس أن تموت إلاّ باذن اللّه. قال: أنت واللّه منهم (ويحك انظروا هل أدرك واللّه انّي لاحسبه رجلا)(59) قال: فكشف عنه مُرِّيُّ بن معاذ الاحمري فقال: نعم قد أدرك. فقال أُقتُلهُ. فقال عليّ بن الحسين: من توكّل بهؤلاء النسوة؟ وتعلّقت به زينب عمّته فقالت:

ياابن زياد حسبك منّا أما رويت من دمائنا؟ وهل أبقيت منّا أحدا؟ قال: فاعتنقته فقالت: أسألك باللّه ان كنت مؤمنا إنْ قتلته لمّا قتلتني معه. قال: وناداه عليّ فقال: يا ابن زياد إن كانت بينك وبينهم قرابة فابعث معهنّ رجلا تقيّا يصحبهنّ بصحبة الاسلام قال: فنظر اليها ساعة ثمّ نظر إلى القوم فقال: عجبا للرحم واللّه انّي لاظنّها ودّت لو أنِّي قتلته أنّي قتلتها معه. دعوا الغلام. انطلق مع نسائك.

قال حُميد بن مسلم: لمّا دخل عبيد اللّه القصر ودخل الناس نودي الصلاة جامعة؛ فاجتمع الناس في المسجد الاعظم فصعد المنبر ابن زياد فقال: الحمد للّه الذي أظهر الحق وأهله، ونصر أمير المؤمنين يزيد بن معاوية وحزبه، وقتل الكذّاب الحسين بن عليّ وشيعته فلم يفرغ ابن زياد من مقالته حتّى وثب إليه عبد اللّه بن عفيف الازدي ثمّ الغامدي ثمّ أحد بني والبة ـ وكان من شيعة عليّ كرّم اللّه وجهه وكانت عينه اليسرى ذهبت يوم الجمل مع عليّ فلمّا كان يوم صفّين ضرب على رأسه ضربة واخرى على حاجبه فذهبت عينه الاخرى، فكان لا يكاد يفارق المسجد الاعظم يصلّي فيه إلى الليل ثمّ ينصرف ـ قال: فلمّا سمع مقالة ابن زياد قال: يا ابن مرجانة! انّ الكذّاب ابن الكذّاب أنت وأبوك والذي ولاّك وأبوه! يا ابن مرجانة! أتقتلون أبناء النبيّين وتكلّمون بكلام الصدّيقين! فقال ابن زياد: عليّ به. قال: فوثبت عليه الجلاوزة فأخذوه قال: فنادى بشعار الازد: يا مبرور! قال: وعبد الرحمن بن مخنف الازدي جالس، فقال: ويح غيرك! أهلكت نفسك وأهلكت قومك، قال: وحاضر الكوفة يومئذ من الازد سبعمائة مقاتل، قال: فوثب إليه فتية من الازد، فانتزعوه فأتوا به أهله، فأرسل إليه من أتاه به فقتله، فأمر بصلبه في السبخة فصلب هناك.


58 السجع: الكلام المقفى أو موالاة الكلام على روي واحد، وقد يطلق السّجع على الكلام المسجع وسجع الخطيب سجعا نطق بكلام له فواصل فهو سجاع وسجاعة بتشديد الجيم وهذا ما أراده ابن زياد في قوله وأجابته زينب بأن لها ما يشغلها عن سجع الكلام وما جاء في النسخة (الشجاع والشجاعة) تحريف.

59 ان علي بن الحسين السجاد كان قد ولد له محمد الباقر (ع) يومذاك، ومع هذا لا يستقيم هذا القول وهذه الجملة زيادة في الرواية لم ترد ضمن رواية الطبرسي في إعلام الورى.