وفي مثير الاحزان واللهوف: وخطبت فاطمة الصغرى فقالت: الحمد للّه عدد الرمل والحصى، وزنة العرش إلى الثرى، أحمده
وأومن به وأتوكّل عليه، وأشهد أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّدا عبده ورسوله وأنّ أولاده ذبحوا بشطّ الفرات من غير ذحل ولا ترات.
اللهمّ إنّي أعوذ بك أن أفتري عليك الكذب أو أن أقول خلاف ما أنزلت عليه من أخذ العهود لوصيّه علي بن أبي طالب، المقتول ـ
كما قُتل ولده بالامس ـ في بيت من بيوت اللّه، فيه معشر مسلمة بألسنتهم، تعسا لرؤوسهم ما دفعت عنه ضيما في حياته وبعد
وفاته، حتّى قبضته اليك محمود النقيبة طيّب العريكة، معروف المناقب مشهور المذاهب، لم تأخذه فيك لومة لائم، زاهدا في
الدنيا، ومجاهدا في سبيلك، فهديته إلى صراطك المستقيم.
أمّا بعد يا أهل الكوفة! يا أهل المكر والغدر والخيلاء! فأنّا أهل بيت ابتلانا اللّه بكم وابتلاكم بنا؛ فجعل بلاءنا حسنا وجعل علمه عندنا وفهمه لدينا، فنحن عيبة علمه، أكرمنا بكرامته، وفضّلنا بمحمّد نبيّه صلّى اللّه عليه وآله على كثير مّمن خلق تفضيلا فكذّبتمونا ورأيتم قتالنا حلالا وأموالنا نهبا، كأنّا أولاد ترك أو كابل، فلا تدعونّكم أنفسكم إلى الجذل بما أصبتم من دمائنا، ونالت أيديكم من أموالنا، فكأنّ العذاب قد حلّ بكم، وأتت نقمات، ألا لعنة اللّه على الظالمين، تبّا لكم يا أهل الكوفة! أيّ ترات لرسول اللّه صلّى اللّه عليه قِبَلَكُم وذحول له لديكم بما عندتم بأخيه علي بن أبي طالب جدي وبنيه وعترته وافتخر بذلك مفتخركم فقال:
نحن قتلنا عليّا وبني عليّ
بسيوف هنديّة ورماح
وسبينا نساءهم سبي ترك
ونطحناهم فأيّ نطاح
بفيك الكثكث والاثلب، افتخرت بقتل قوم زكّاهم اللّه في كتابه وطهرهم وأذهب عنهم الرجس فأَقْعِ كما أقعى أبوك، وانّما لكل
امرىء ما اكتسب، أحسدتمونا على ما فضّلنا اللّه تعالى به؟ ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء ومن لم يجعل اللّه له نورا فما له
من نور. فضجّ الموضع بالبكاء والحنين وقالوا: حسبك يا ابنة الطيّبين فقد أحرقتِ قلوبنا وأضرمتِ أجوافنا
فسكتت.