جيش الخلافة يسوق حرم الرسول إلى الكوفة

في فتوح ابن أعثم ومقتل الخوارزمي وغيرهما، قالوا: وساق القوم حرم رسول اللّه (ص) كما تساق الاسارى، حتّى إذا بلغوا بهم

الكوفة خرج الناس ينظرون اليهم، وجعلوا يبكون ويتوجّعون، وعلي بن الحسين مريض، مغلول مكبّل بالحديد، قد نهكته العلّة، فقال: ألا إنّ هؤلاء يبكون ويتوجّعون من أجلنا، فمن قتلنا إذن؟ (فأشرفت امرأة من الكوفة وقالت: من أيّ الاسارى أنتنّ؟ فقلن: نحن أسارى آل محمّد (ص) فنزلت وجمعت ملاء وأزرا ومقانع وأعطتهنّ)(52).

خطبة زينب (ع):

وقال بشير بن حذيم الاسدي: نظرتُ إلى زينب بنت علي يومئذ ـ ولم أر خفرة قطّ انطق منها كأنّما تنطق عن لسان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وتفرغ عنه ـ وأومأت إلى الناس أن اسكتوا فارتدّت الانفاس، وسكنت الاجراس، فقالت:

((الحمد للّه، والصلاة على أبي محمّد رسول اللّه وعلى آله الطيّبين الاخيار آل اللّه وبعد! يا أهل الكوفة! ويا أهل الختل، والخذل، والغدر! أتبكون؟ فلا رقأت الدمعة ولا هدأت الرنّة، انّما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثا. تتخذون أيمانكم دخلا بينكم! ألا وهل فيكم إلاّ الصلف، والطنف، والشنف(53)، وملق الاماء وغمز الاعداء، أو كمرعى على دمنة، أو كقصة(54)

على ملحودة، ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط اللّه عليكم وفي العذاب أنتم خالدون، أتبكون وتنتحبون؟! إي واللّه فابكوا كثيرا واضحكوا قليلا، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها، ولن ترحضوها بغسل بعدها أبدا، وأنى ترحضون قتل سليل خاتم الانبياء وسيّد شباب أهل الجنّة وملاذ خيرتكم ومفزع نازلتكم، ومنار حجّتكم ومدره(55) السنتكم ألا ساء ما تزرون وبعدا لكم وسحقا، فلقد خاب السعي وتبت الايدي، وخسرت الصفقة وبؤتم بغضب من اللّه، وضربت عليكم الذلّة والمسكنة.

ويلكم يا أهل الكوفة!

أتدرون أيّ كبد لرسول اللّه فريتم؟ وأيّ دم له سفكتم؟ وأيّ كريمة له أبرزتم؟ وأيّ حريم له أصبتم؟ وايّ حرمة له انتهكتم؟            

 لقد جئتم شيئا إدّا، تكاد السموات يتفطّرن منه، وتنشقُ الارض منه، وتخرّ الجبال هدّا، انّ ما جئتم بها لصلعاء، وعنقاء سوءاء فقماء خرقاء شوهاء، كطلاع الارض وملاء السماء. أفعجبتم أن قطرت السماء دما؟ ولعذاب الاخرة أشدّ وأخزى وأنتم لا تنصرون، فلا يستخفّنّكم المهل، فانّه عزّ وجلّ لا يحفزه البدار، ولا يخاف فوت الثار، كلاّ انّ ربكم لبالمرصاد)).

قال بشير: فوَاللّه لقد رأيت الناس يومئذ حيارى، كأنّهم كانوا سكارى، يبكون ويحزنون، ويتفجّعون ويتأسّفون، وقد وضعوا

أيديهم في أفواههم. قال: ونظرت إلى شيخ من أهل الكوفة كان واقفا إلى جنبي، قد بكى حتّى اخضلَّت لحيته بدموعه وهو يقول:

صدقتِ بأبي وأمّي، كهولكم خير الكهول، وشبّانكم خير الشبّان، ونساؤكم خير النسوان، ونسلكم خير نسل لا يخزى ولا يبزى(56).


52 ما بين القوسين في مثير الاحزان ص 66، ثمّ رجعنا إلى رواية ابن أعثم.

53 الاوّل الوقاحة والثاني فساد الاخلاق والثالث الكراهة.

54 وهي الجص.

55 كمنبر، المقدم من اللسان.

56 تاريخ ابن أعثم 5 / 221 ـ 226 ومقتل الخوارزمي 2 / 40 ـ 42، ولا يبزى: لا يقهر.